د. عادل المحروقي لـ"عمان":

ـ انتشار الأمراض المزمنة غير المعدية في سلطنة عمان ترفع مخاطر الإصابة

- يتوجب على من لديه أقارب من درجة أولى أو حالة موت الفجأة إجراء الفحص المبكر

ـ الالتزام بالأكل الصحي والتمارين الرياضية سبل للحد من الإصابة

تزداد مخاطر الإصابة بأمراض القلب والرجال هم الأكثر عرضة للإصابة بهذه الأمراض، ويدعو أطباء كل من لديه أقارب من درجة أولى مصابون بأمراض القلب في سن أصغر من 55 سنة رجال أو أصغر من 65 سنة نساء بضرورة المبادرة لإجراء الفحص لأمراض القلب، وأن وجود موت الفجأة وخاصة لدى الأقارب من درجة أولى يوجب الفحص المبكر عن أمراض القلب، مشيرين إلى أن مخاطر أمراض القلب تقل بمقدار معتبر إذا تحكمنا بعوامل الخطورة القابلة للتصحيح كالخمول البدني والتدخين وفرط تعاطي الكحوليات وأمراض الضغط والسكري وارتفاع الكوليسترول والسمنة.

أكثر الأمراض المؤدية للوفاة

وقال الدكتور عادل بن محمد بن سيف المحروقي: تعد أمراض القلب أحد أكثر الأمراض المؤدية للوفاة، ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال يموت شخص كل 37 ثانية بسبب أمراض القلب، حيث إن وفاة واحدة من كل أربع وفيات في الولايات المتحدة يعود سببها لأمراض القلب، مشيرا إلى أن هذه الأمراض ليست حكرا على كبار السن، ففي سلطنة عمان مثلا تشير البيانات الصادرة من وزارة الصحة عام 2020 إلى أن 18% من الوفيات يعود سببها إلى أمراض القلب والشرايين، منها 10.6% بين الفئات العمرية 30 إلى 49 سنة بما يعادل 2% من المجموع الكلي للوفيات.

وأشار إلى إننا نعلم أن صون هذا القلب واجب على الإنسان أقرته الشرائع المختلفة وجعلته من الضروريات، فكيف نحمي القلب من الأمراض العضوية؟ وبخاصة أننا عشنا مثالا حيا في جائحة كوفيد 19، وفي مثل هذه الجوائح دائما ما يكون مرضى القلب من الفئات الخطرة المعرضة لخطر الإصابة والوفاة.

وأضاف: "سأعرج في هذا اللقاء على الذبحات الصدرية "القلبية" وسبل الوقاية منها، والمثل العلمية للحد من أضرارها، ولعل ما جعلني أتحدث عنها باعتبار ما شهدته قريبا من حالات الذبحات الصدرية للمرضى في ثلاثينيات وأربعينيات العمر، إذ دعونا بداية نستعرض باختصار تركيبة وعمل القلب، فالقلب عضو عضلي، بحجم كفة اليد تقريبا، يقع في منتصف الصدر وتتجه قاعدته إلى جهة اليسار عند الغالبية، كباقي أعضاء الجسم يحتاج القلب إلى غذاء، والذي يصله في الغالب من تفرعات الشريانيين التاجيين، ويستقبل الجزء الأيمن من القلب الدم من أعضاء الجسم المختلفة، ثم يضخه إلى الرئتين حيث تتم عملية إدخال الأكسجين إلى الدم وإخراج ثاني أكسيد الكربون، ليعود بعدها الدم المحمل بالأكسجين إلى جهة اليسار من القلب، ومنها يتم ضخه إلى أجزاء الجسم المختلفة، وتقوم أعضاء الجسم المختلفة باستخدام الأكسجين المحمول في كريات الدم الحمراء ثم يعود الدم عبر شبكة أوردة دقيقة إلى القلب مرة أخرى، لتبدأ دورة دموية جديدة في تناغم متكامل تنبض به في الجسم الحياة.. مشيرًا إلى أن القلب بتصميمه المعجز، يعمل كمضخة للدم، ولكي يقوم بعمله على أكمل وجه، يجب أن تتهيأ له الأسباب الثلاثة التي تساعده في القيام بعمله وهي استقبال الدم بسلاسة، القوة العضلية والكهربائية للقلب التي تمكنه من الانقباض والانبساط، وأخيرا سلاسة خروج الدم من القلب إلى الشرايين دون مقاومة، فإذا اختل أحد العوامل الثلاثة السابقة بشكل مؤثر يبدأ الإنسان الإحساس بأعراض أمراض القلب ومن ذلك ألم في منتصف الصدر مثلا، ضيق في التنفس، نوبات إغماء أو شبه إغماء، خفقان القلب وغيرها من الأعراض.

صحة القلب

وأوضح أنه من المعلوم في الأبحاث الطبية أن عوامل الخطورة المؤثرة سلبا على صحة القلب إما عوامل لا يمكن تغييرها أو عوامل قابلة للتغير والتصحيح، فالعمر مثلا كلما زاد ازدادت معه مخاطر أمراض القلب، كما أن الرجال أكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب، وكلاهما عوامل لا يمكن التدخل فيهما.. كما تلعب الجينات دورًا في أمراض القلب، وتعامل معاملة العوامل التي لا يمكن تغيرها، فعلى من لديه أقارب من درجة أولى مصابون بأمراض القلب في سن أصغر من 55 سنة رجال أو أصغر من 65 سنة نساء يجب عليه المبادرة للفحص عن أمراض القلب، كما أن وجود موت الفجأة وخاصة في أقارب درجة أولى يوجب الفحص المبكر عن أمراض القلب، وإذا كان ما سبق ذكره من عوامل لا يمكن تغييرها، فإن مخاطر أمراض القلب تقل بمقدار معتبر إذا تحكمنا بعوامل الخطورة القابلة للتصحيح، ومن أهم عوامل الخطورة القابلة للتصحيح: الخمول البدني والتدخين وفرط تعاطي الكحوليات وأمراض الضغط والسكري وارتفاع الكوليسترول والسمنة.

وأكد أن المؤسسات العلمية الطبية العالمية دأبت على استخلاص أحدث الإثباتات العلمية الصابة في مصلحة صحة الفرد والمجتمع، ومن هذه الكيانات جمعية الطب الأمريكية والكلية الأمريكية لأمراض القلب اللتان نشرتا توصيات مشتركة للحفاظ على صحة القلب ومن أهم هذه التوصيات: الالتزام المستمر بالنمط الحياتي الصحي والذي يعد أهم طريق للوقاية من أمراض القلب والشرايين، على أن النمط الحياتي الصحي لا يتأتى دون تحديات يواجهها الإنسان المزحوم في أمور معاشه اليومية في ظل حياة تجري مجرياتها سريعا، ومن هذه التحديات: الالتزام بالأكل الصحي، والذي يحوي في مجمله على حصص من الخضار والفواكه والحبوب الكاملة كالقمح الأسمر والبروتينات من مصدر حيواني كالأسماك والدواجن، والتقليل قدر المستطاع من أطعمة اللحوم الحمراء، واللحوم المصنعة، والزيوت المهدرجة المتحولة، والمشروبات الحاوية على سكر كالمشروبات الغازية والعصائر، على أن يصحب ذلك الالتزام بالتمارين الرياضية لمدة لا تقل عن 150 دقيقة أسبوعيا من الرياضات متوسطة الشدة كالمشي السريع أو ما لا يقل عن 75 دقيقة أسبوعيا من التمارين عالية الشدة كالركض والسباحة وغيرهما، ومن يزد عن ذلك فهو أصح له، مع الجدير ذكره أن العديد من المراكز الصحية الأولية بسلطنة عمان مدعمة بأخصائي التغذية والمثقفين الصحيين، ويمكن استسقاء المعلومات منهم كمصدر موثوق ومتاح، حيث إن البرنامج الغذائي والرياضي الصحي يختلف من شخص لآخر بناء على عوامل عدة كالوزن والأمراض المزمنة وطبيعة الأنشطة اليومية وغيرها من العوامل.

الأمراض المزمنة

وأضاف: إن الأمراض المزمنة غير المعدية التي تشكل خطورة الإصابة بأمراض القلب منتشرة في سلطنة عمان للأسف بشكل لا يمكن تجاهله عند الحديث عن أمراض القلب، فبحسب المسح الوطني للأمراض غير المعدية المنشور عام 2021م تبين أن نسبة المدخنين بلغت حوالي 8%، كما أن 24.5% لا يمارسون أي نشاط بدني و14.1% لا يمارسون النشاط البدني الكافي، ويعاني 33.3% من ارتفاع ضغط الدم، ولا يتناول 22.5% ممن يعانون من ارتفاع ضغط الدم أدوية لتقليل الضغط، ويعاني 66.2% من السمنة أو زيادة الوزن، و15.7% يعانون من مرض السكري، و35.5% يعانون من ارتفاع الكوليسترول، والتعامل مع هذه الأمراض لا ريب يقلل من مخاطر التعرض لأمراض القلب.. مضيفا: إن سلطنة عمان اتبعت نظام فحص الأمراض المزمنة كأمراض السكري وارتفاع ضغط الدم والكوليسترول والسمنة والتدخين ضمن فحوصات العمر الأربعين، ومن الممكن عمل هذه الفحوصات مبكرا إذا كان التاريخ المرضي والفحص الأكلينكي يستدعي ذلك، كما أن الكشف المبكر عن هذه الأمراض يلعب دورا محوريا في إبعاد الكثير من المضاعفات وبخاصة أن بعض هذه الأمراض تلعب دور القاتل الصامت لا يعلم بها صاحبها لفترة غير وجيزة قبل التشخيص، مثال ذلك مرض ارتفاع ضغط الدم، لا يكون مصحوبا عادة بأعراض معينة لهذا يتم اكتشافه عادة عند القياس فقط، كما أننا نؤمن أنه في الكثير من حالات مرض السكري "النوع الثاني" يكون فيها المريض مصاب بالمرض قبل تشخيصه بمدة تقارب 5 سنوات، لهذا تجد أنه عند زيارتك للمؤسسة الصحية يتم أخذ هذه القياسات كل مرة، لأهميتها القصوى في الكشف المبكر عن هذه الأمراض.

مخاطر التدخين

وقال الدكتور عادل المحروقي: إن التدخين يعد أحد أهم الأسباب التي ترفع خطر الإصابة بأمراض القلب والشرايين، ففي الدراسة التي نشرتها منظمة القلب الأمريكية عام 2021م تبين أن المدخنين معروضون لمخاطر الإصابة بأمراض القلب والشرايين بنسبة تصل إلى 46% عند المدخنين الرجال و34.7% عند المدخنات من النساء، وأشارت الدارسة ذاتها إلى أن خطر النوبات الصدرية عند المدخنين الرجال بلغ 24% وبلغ 11.3% عند النساء المدخنات، كما أن خطر التدخين لا يقتصر على المدخن ذاته وحسب، بل يتعداه لكل من يجالسه أثناء التدخين، فالتعرض لدخان السجائر يرفع خطر مخاطر أمراض القلب بنسبة عالية وصلت في بعض الدراسات إلى 30% حسب بيان المركز الأمريكي للسيطرة على الأمراض والوقاية منها، ومن المؤسف أن نجد رب الأسرة المدخن يدخن في البيت والسيارة دون مراعاة لأفراد أسرته، وأن مثل هذا الأب المدخن لا يعرض أفراد أسرته للخطر الصحي وحسب بل يكسبهم عادة سيئة مضرة بالصحة ومهلكة للمال.

ونوه إلى أن الدراسات الحديثة والتجارب تظهر نتائج واعدة في الكثير من ميادين الطب، لكن يبقى أن الكثير من الأمراض المزمنة كالسكري وارتفاع ضغط الدم ما زالت بحاجة عند الكثير لأخذ أدوية دورية مزمنة في الوقت الحالي، وعندما يتيسر العلاج الناجع الآمن المقدور عليه، سيعلن عنه في المحافل الدولية وقنوات الإعلام الموثوقة، وهذا ما شهدناه مثلا في تقنية استخدام الخلايا الجذعية في علاج السكري، فلا يجب على مريض السكري أو ارتفاع ضغط الدم وغيرها من الأمراض أن يوقف أدويته بناء على رسائل واتس أب مجهولة الكاتب، أو المبعوثة من أناس يدّعون العلم ولديهم ألقاب مشكوك في صحتها، والإنسان العاقل يفكر قبل الإقدام، فلا يعقل مثلا أن تناول عشبة معينة يعالج مرض السكري كليا وإلا لشهدنا العالم يتخلص من مرض السكري، وهكذا مع سائر الأمراض المزمنة والمستعصية، وقد ذكرت ما سبق، لأن الاستهانة بالأمراض المزمنة كارتفاع ضغط الدم والسكري والكوليسترول وغيرهم يسبب بما لا يدع مجالا للشك ارتفاعا كبيرا في مخاطر الإصابة بأمراض القلب، ويزداد هذا الخطر كلما خرجت هذه الأمراض عن السيطرة، وفي ذات السياق لا يمكن التحدث عن مخاطر أمراض القلب حاليا دون التطرق لما يتناقل عبر شبكات التواصل الاجتماعي من ربط بين السكتات القلبية ولقاحات كوفيد 19، إذ إن من الأعراض الجانبية النادرة جدا التي تم ربطها بأخذ لقاح كوفيد 19 هي التهاب عضلات القلب وتحدث عند نسبة بسيطة جدا مقدرة بحوالي 12 حالة في كل مليون، على أن خطر التهاب عضلات القلب يزيد بمقدار 11 مرة بعد الإصابة بفيروس كوفيد- 19 مقارنة بعدد الإصابات بعد أخذ اللقاح، ورغم أن العلاقة ما زالت بحاجة للمزيد من الدراسات والأبحاث، يبقى أن لقاحات كوفيد- 19 ساعدت بشكل كبير في السيطرة على الوباء وتقليل نسب الوفيات، وما شهدناه في سلطنة عمان مثال على ذلك.

وأشار بقوله : بعدما ذكرنا العوامل التي تزيد من مخاطر الإصابة بأمراض القلب، سنذكر الآن الأعراض التي قد يحس بها المريض عند إصابته بأعراض الذبحة القلبية الصدرية، وأكثر هذه الأعراض انتشارا هو ألم الصدر، والذي تزيد حدته في العادة عند النشاط البدني أو الضغط النفسي، ويكون مثل الثقل على منطقة الصدر، وقد يتجه هذا الألم للأكتاف أو الرقبة أو الفك العلوي، وربما يصحبه كثرة التعرق وخفقان القلب أو ضيق التنفس، فإذا أحس أي إنسان بهذه الأعراض فيجب عليه التوجه مباشرة لأقرب مؤسسة صحية، حيث إن استمرارية هذه الأعراض هو علامة تحول الذبحة الصدرية إلى نوبة قلبية ناتجة عن انسداد كلي مثلا في شرايين القلب، حيث يلعب الوقت دورا حاسما في تحديد التدخل الطبي المناسب وبخاصة في المستشفيات المزودة بخدمات القسطرة الطارئة، وختاما نقول إن احتواء العوامل المؤدية إلى ارتفاع مخاطر الإصابة بالذبحات الصدرية، وعمل الفحوصات الصحية الدورية، والمسارعة لطلب المساعدة الطبية عند الإحساس بأعراض الذبحات الصدرية هي مفاتيح ثلاثة من شأنها التقليل من الذبحات الصحية والحد من أثرها".