تعتبر المبادرات المجتمعية الصحية إحدى منهجيات العمل التي تعتمد على مشاركة المجتمع بكل أفراده وقطاعاته، بهدف تحسين المستوى البيئي والاجتماعي والاقتصادي بصفتها محددات للصحة، وتعمل المبادرات المجتمعية لتعزيز الصحة من أجل تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية المستدامة من خلال المشاركة الفعلية للمجتمعات المحلية بالتعاون والتنسيق مع مختلف القطاعات، وعليه فإن تشجيع المبادرات المجتمعية نحو مواجهة التحديات سيعزز نشر مظلة الصحة العامة في المجتمع، وتأتي مبادرة المدن الصحية التي تبنتها المديرية العامة للخدمات الصحية بمحافظة مسندم وجرى تطبيقها في بعض المدن والنيابات ترجمة ناجحة للشراكة المجتمعية من أجل مجتمعات صحية .

وبعد تسجيل مدينة خصب الصحية بمحافظة مسندم ضمن الشبكة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية وانضمام نيابة ليما لمنظومة القرى الصحية لتحقيق التعاون بين القطاعات والدعم وإشراك المجتمعات للإفادة والاستفادة من الخبرات المتبادلة والشراكة الدولية بين المنتسبين لهذه المنظمة، أجرت جريدة "عمان" استطلاعا مع عدد من المسؤولين والمختصين للتعرف إلى مبادرة المدن الصحية التي بدأت بالانتشار الأفقي والعمودي في محافظة مسندم .

فقالت الدكتورة هدى بنت خلفان السيابية مديرة دائرة المبادرات المجتمعية الصحية بوزارة الصحة: المبادرات المجتمعية الصحية استراتيجية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، حيث إن أهداف التنمية المستدامة برنامج عمل دولي يهدف إلى تحسين نوعية حياة الناس، وتحقيق الرفاه الاجتماعي لأفراد المجتمع، من خلال مشاركة فاعلة منهم لتعزيز صحتهم وتحسين نوعية حياتهم مشيرة إلى أهمية الأسلوب التشاركي المتَّبع في تنفيذ المبادرات المجتمعية الصحية، حيث يتكامل من خلاله دور أفراد المجتمع مع القطاعات الحكومية إلى جانب القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني متكاتفين للوصول إلى تجمعات سكانية صحية سواءً مدن أو قرى أو أحياء صحية، ونظرًا لأن برنامج القرى الصحية المطبق في سلطنة عمان يعدّ نموذجًا متطورًا من حيث شموليته وهيكلته وإنجازاته فقد لقي تجاوبًا كبيرا من أفراد المجتمع المحلي ومن الشركاء من القطاعات الحكومية والخاصة ومنظمات المجتمع المدني، ويحظى بدعم من منظمة الصحة العالمية، لذا عزمنا على المضي قدمًا بالانتشار أفقيا من حيث عدد القرى في جميع محافظات سلطنة عمان وعموديا في إطار تعميق العمل من خلال إدخال مكونات جديدة تسهم في تحقيق أهداف البرنامج ويأتي برنامج القرى الصحية ضمن منظومة فكرية قائمة على ترسيخ الاعتماد على الذات والمشاركة النشطة من قبل أفراد المجتمع ودعم منظم بين القطاعات، وذلك بما يساعد الناس ويمكنهم من مساعدة أنفسهم من جهة ومساهمتهم بدراسة واقعهم الراهن والتخطيط والتمويل الجزئي لتنفيذ احتياجاتهم الصحية والتنموية بما يحسن نوعية حياتهم ويعزز صحتهم .

نهج تشاركي

وأوضح الدكتور محسن شوكت كنعان خبير المبادرات المجتمعية الصحة بوزارة الصحة أن مفهوم وآليات عمل واستراتيجيات تنفيذ هذه المبادرات التي تنبني أساسًا على نهج تشاركي نعمل من خلاله على مقاربة ما يطلق عليه المحددات الاجتماعية للصحة، التي هي بالأساس مجموعة العوامل المحيطة بالإنسان وتؤثر في صحته، وبذلك فإننا ومن خلال تدخلات المبادرات المجتمعية الصحية كالمدن والقرى الصحية نسعى لتعزيز صحة أفراد المجتمع من خلال مشاركتهم الفاعلة من جهة، وتبنيهم لأنماط حياة صحية من جهة أخرى، وتنفذ تلك التدخلات باتبَّاع نهج تشاركي يقوم على (ثلاثية التنمية ) القطاعات الحكومية إلى جانب مؤسسات المجتمع المدني وأخيرًا والأهم أفراد المجتمع المحلي، مضيفًا أن برامج المدن والقرى الصحية تهتم بالوصول إلى جعل كل مكونات موقع التنفيذ موقعًا صحيًا وذلك بتبني منهجية عمل نرمي من خلالها لجعل الأسواق صحية والمدارس صحية والمنازل والأحياء صحية الأمر الذي يؤدي في مجمله لتحسين نوعية الحياة للسكان وتجويدها.

ودعا الدكتور علاء حشيش اختصاصي الصحة العامة من مكتب منظمة الصحة العالمية بسلطنة عمان جميع المدن لتناقل الخبرات والتسجيل في المدن الصحية من أجل إقامة البيئة الصحية السليمة لجميع المواطنين والمقيمين، مشيرا إلى أن سلطنة عمان من الدول الرائدة في تطبيق سياسات المدن الصحية على مستوى إقليم الشرق المتوسط بتوفير حياة صحية مستدامة، وتقليل الأمراض ( غير المعدية ) مختتما حديثه بدعم تجربة نيابة ليما الصحية ومدينة خصب الصحية وتأكيد ودعم منظمة الصحة العالمية الكامل لتطبيق المدن الصحية من أجل صحة أفضل للجميع وبالجميع .

بيئة مستدامة

وقال الشيخ قيس بن سالم بن محمد المدحاني نائب والي خصب بنيابة ليما: انضمت نيابة ليما إلى منظومة القرى الصحية في عام 2018، ونسعى إلى تغيير السلوكيات المتعلقة بالتغذية في المجتمع لتصبح أكثر صحية مقللة من استهلاك الملح والسكر والدهون الضارة ومحسنة من معدلات المراضة المرتبطة بها مثل أمراض السمنة والسكري والضغط، موضحًا أن النيابة تسعى لتحقيق رؤية عمان 2040 من خلال إيجاد بيئة صحية مستدامة بهدف تثقيف أكبر شريحة من المجتمع . مضيفا المدحاني أن الغاية من هذا التوجه هو التحسين المستدام للرعاية الصحية ونوعية الحياة في نيابة ليما والأحياء التابعة لها من خلال التعرف إلى الأولويات والاحتياجات، ووضع الخطط المشتركة لتلبية وتنفيذ هذه الاحتياجات والأولويات بالتعاون مع القطاعات الحكومية المختلفة وبقية الشركاء سواء كان القطاع الخاص أو الأهالي على حد سواء.

صحة الفرد

وأكد عبد الله بن محمد سيود الشحي مدير الرعاية الصحية الأولية بمحافظة مسندم أن برامج المدن الصحية يعد من أهم مرتكزات المجتمعات الحضرية لتحسين صحة السكان من خلال التنمية المستدامة مما يتطلب تحقيق المساواة الصحية لكل فرد في المجتمع، وارتأت سلطنة عمان في البدء بتنفيذ مشروعات المدن الصحية بمختلف المحافظات، وتحظى محافظة مسندم بطبيعة جغرافية وسكانية متميزة تجعلها سهلة لتنفيذ برنامج المدن الصحية لتحقيق حياة صحية لسكانها، وتم اختيار ليما نيابةً صحية لما تتميز فيه من مقومات، إذ سعت صحية مسندم من خلال تنفيذ عدة أنشطة لخدمة نيابة ليما الصحية من خلال المسوحات التي أجريت والدراسات التي وضعت لتفادي المشكلات الصحية، وحل المدخلات التي قد تؤثر في صحة الفرد ومتابعة حثيثة وتعاون بين ممثلي القطاعات الحكومية والخاصة والفرق الأهلية المشكلة تحت إشراف مكتب محافظ مسندم (نائب والي خصب نيابة ليما ) والمديرية العامة للخدمات الصحية بمسندم، وفي نهاية مارس من عام ٢٠٢٢ م تم توقيع اتفاقية تعاون مع منظمة الصحة العالمية باعتماد ولاية خصب مدينةً صحية التي من شأنها استدامة الصحة تحقيقًا لأهداف رؤية 2040.

مشروعات متنوعة

وتحدثت خولة بنت زايد الشحية رئيسة قسم المبادرات المجتمعية بمسندم عن الوضع الراهن للمبادرات الصحية المعززة للصحة في محافظة مسندم عن أبرز مشروعات اللجان الصحية في محافظة مسندم بهدف التكامل من أجل مجتمع بلا مخدرات حفاظًا على ثروتنا البشرية وحصدت المركز الثاني على مستوى سلطنة عمان في المسابقة المجتمعية للمخدرات والمؤثرات العقلية لعام ٢٠٢١بالإضافة إلى مشروع نيابة ليما الصحية الذي تأسس عام ٢٠١٨ وخُصصت عيادة للحفاظ على الوزن الصحي في مستشفى دبا، بالإضافة لمشروع شراكة وتواصل مع المجتمع الذي اطلق عام ٢٠٠٨ لتدريب المتطوعين للتصدي لجائحة كوفيد ١٩ والمشاركات في الحملات التطوعية للتطعيم وكذلك مشاركات العاملين والأعضاء في المؤتمرات الدولية في المدن الصحية من محافظة مسندم، كل هذا هدفه الوقوف على أحدث المعارف في مجالات تطبيق المبادرة وأيضا لتبادل الخبرات بين دول مجلس التعاون حول قصص النجاح ومجالات التعاون المشترك لتسخير الموارد وضمان نجاح الجهود الرامية لتحسين صحة المجتمعات .

ويعد أسلوب نشر ثقافة الشراكة مع المجتمع والتوسع الأفقي بمنهج المبادرات المجتمعية التي تسهم في تحسين نوعية الحياة وتعزز الصحة من خلال التعاون بين أفراد المجتمع والجهات الحكومية ذات الصلة والقطاع الخاص والمجتمع المدني - كل هذه الشراكة تسهم في تحقيق التنمية المستدامة.