ضرورة التوازن بين الأبعاد الثلاثة لمعضلة الطاقة الثلاثية.. الأمن والقدرة على تحمل التكاليف والاستدامة

على مدى السنوات الماضية تم التركيز فقط على الحد من الانبعاثات مما أدى إلى تفاقم الأوضاع وشح الإمدادات

مع توقع فصل شتاء بارد وممتد سيستمر الطلب في تجاوز العرض مما يؤدي إلى مزيد من التصعيد في أزمة الطاقة

تصاعد المنافسة على الموارد الشحيحة في العالم نتيجته في نهاية المطاف مستقبل غير مؤكد لكوكب الأرض

تقرير - أمل رجب

خلال العقود الماضية، كان قطاع الطاقة يتعرض كل عدة سنوات لحالة من التذبذب متجها لتوسع يصاحبه ارتفاع الأسعار ويتبعه انكماش مفاجئ ومؤلم في بعض الأحيان. لكن رغم هذا التذبذب المعتاد في أسواق الطاقة، تختلف الأزمة الحالية عن نظيراتها السابقة في عدة جوانب مهمة، ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى أن الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة وما يصاحبه من شح في المعروض من النفط والغاز يقدم لمحة عن توجهات سوق الطاقة في المستقبل وما تمثله هذه التوجهات من تحديات لمساعي العالم للتغلب على التغيرات المناخية والانتقال إلى اقتصاد منخفض الانبعاثات الكربونية.

ويكمن التحدي الأساسي في أن الأزمة الحالية كشفت بكل وضوح عن أن هذا الانتقال لم تتم إدارته بشكل صحيح ولم تتم أبدا اختبارات لقياس التحمل ضد الندرة في سوق النفط وتأثيرات التقلب الذي يؤدي إلى أزمات متكررة في السوق ويعوق مسار تقليص الانبعاثات الكربونية.

وفي واحدة من أهم الدراسات حول الأزمة الحالية في أسواق الطاقة، رصد معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية أن التقاء عدد من العوامل المترابطة أدى إلى حدوث الاضطراب الحالي في سوق الطاقة، لكن العالم لم يدرك إبعاد هذه الأزمة إلا بعد فوات الأوان، ويبدو أن الاقتصاد العالمي كان من الممكن أن يكون أكثر استعدادًا لتحمل الصدمة إذا قامت الدول المهتمة باحتواء التغيرات المناخية بإجراء مسح للآفاق المستقبلية لسوق الطاقة واختبار مدى المرونة في ظل أسوأ السيناريوهات وهو ما كان من الممكن أن يسهم في توقع مثل هذا الاضطراب الحالي في الأسواق.

وترصد الدراسة أسباب الأزمة الحالية في أسواق الطاقة، وهي أسباب وجدت حتى قبل الحرب الأوكرانية، وتحلل الدراسة آثار الأزمة وتقدم عددا من المقترحات حول الاستجابات الاستراتيجية الملائمة على المدى القصير والمتوسط ​​والطويل لتعزيز المرونة في مواجهة تقلبات سوق الطاقة في سياق السعي لتقليص انبعاثات الكربون بشكل جذري.

وتضع الدراسة فرضية رئيسية هي أن قدرة الاتحاد الأوروبي والعالم على الانتقال إلى اقتصاد محايد للكربون في ظل التحديات الحالية وعدم الاستقرار في سوق الطاقة سوف يكون العامل والمحرك الأساسي للتوجهات العالمية نحو تقليص فعلي لانبعاثات الكربون وتحقيق الهدف الأسمى وهو صفر كربون.

وأشارت الدراسة إلى أنه في نهاية المطاف أدت السياسات الخاصة بالطاقة على مدى السنوات الماضية للتركيز فقط على الحد من الانبعاثات مما أدى إلى تفاقم الأوضاع وشح الإمدادات. ومع قرب حلول فصل الشتاء، تؤدي الأسعار المرتفعة إلى زيادة الضغوط التضخمية، وتقيد أهداف التعافي بعد جائحة كوفيد، وتعمل على تفاقم مأزق الفقر بسبب ارتفاع أسعار الطاقة لملايين الأوروبيين.

واعتبرت الدراسة أن التوازن بين الأبعاد الثلاثة لمعضلة الطاقة الثلاثية -الأمن والقدرة على تحمل التكاليف والاستدامة- تعرض مؤخرا لضغوط غير مسبوقة وغير متوقعة، وبينما يبدو أن الأسوأ ربما لم يأت بعد، فقد حذرت الدراسة أن الأزمة الحالية قد تمتد لوقت غير منظور إذا لم تتم إدارتها بشكل فعال، ويمكن للأزمة أن تعرض للخطر السعي لتحقيق الهدف الشامل للانبعاثات الصفرية في العالم، وتغذي المشاعر المناهضة للانتقال إلى الطاقة المتجددة والخضراء، وكل ما يرتبط بذلك من أهداف الحد من تغيرات المناخ العالمية التي يقودها الاتحاد الأوروبي في الوقت الحالي. ويفرض ذلك تغيرا جوهريا في الآليات المستهدفة والاستراتيجيات الاستباقية للتعامل مع مستقبل الطاقة الذي يعد أكثر الملفات الملحة على أجندة التنمية المستدامة للكثير من دول العالم.

فيما يتعلق بأسباب الأزمة، رصدت الدراسة عوامل ترتبط بتغير المناخ مشيرة إلى أن دورات العرض والطلب على الغاز تتأثر بعاملي الطقس والنشاط الاقتصادي وهما يحددان دوما حجم الطلب. وكان فصل الشتاء في 2020 /2021 باردًا بشكل غير عادي في كل من آسيا وأوروبا، وهما السوقان المتنافسان الرئيسيان فيما يتعلق باستهلاك الغاز الطبيعي المسال. وزادت المنافسة بسبب الانكماش الشديد في حجم المعروض. وأدى الطقس المتجمد في ولاية تكساس الأمريكية في بداية العام الجاري إلى القلق بشأن مرونة البنية التحتية للطاقة في مواجهة الأحداث المناخية القاسية ، كما أدى أيضًا إلى انخفاض شحنات الغاز الطبيعي المسال الأمريكية التي تغادر عادةً في هذه الفترة لآسيا وأوروبا لتلبية الطلب المتزايد على التدفئة. وازداد الوضع سوءًا مع تقدم العام، حيث أدت موجات الحر الصيفية في جميع أنحاء أوروبا وآسيا والولايات المتحدة إلى زيادة الطلب على أجهزة تكييف الهواء. وفي أمريكا اللاتينية، أدى الجفاف إلى الانخفاض في توليد الطاقة الكهرومائية وتحويل المزيد من شحنات الغاز الطبيعي المسال بعيدًا عن أوروبا.

وفي ظل هذا الشح في الموارد ارتفعت الأسعار بما يتماشى مع مبادئ اقتصاديات السوق الحرة، خاصة أن انخفاض حصص طاقة الرياح في توليد الكهرباء ساهم في تضخيم الطلب على الغاز والفحم. في ذلك التوقيت بدأت الأزمة تؤثر على حجم المخزون الاستراتيجي في دول أوروبا، وتراجع حجم المخزون بنسبة 55 بالمائة من إجمالي السعة التخزينية بحلول ديسمبر من العام الماضي، وأصبح استنفاذ الاحتياطي الاستراتيجي عاملا حاسما ساهم بقوة في الأزمة الحالية.

من جانب آخر، تفاقم الوضع في ظل الحرب في أوكرانيا، حيث تعد إمدادات الغاز الروسي حيوية للغاية بالنسبة للاتحاد الأوروبي على المدى القصير والمتوسط. ومع ذلك، حتى لو شهد الصراع في أوكرانيا انفراجا ووافقت روسيا على إطلاق كميات إضافية إلى أوروبا، فلا يمكن تجديد مرافق تخزين الغاز على الفور؛ لذلك مع توقع فصل الشتاء البارد والممتد، سيستمر الطلب في تجاوز العرض مما يؤدي إلى مزيد من التصعيد في أزمة السوق الحالية. وتتوقع الدراسة أن هذه الظروف تمهد الطريق لمزيد من ارتفاع فواتير الطاقة للمستهلكين -ويشمل ذلك الصناعة والأسر- ويحتمل أن يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية وإغلاق المصانع والشركات، واستمرار زيادة أسعار السلع الأساسية الرئيسية وتراجع تنافسية قطاع الصناعة في الاتحاد الأوروبي في مواجهة المنافسين (خاصة الصين) التي تمكنت من تجديد مخزونات الغاز لديها بشكل أسرع.

وخلال العام الجاري، شهدت أسعار الغاز المسال مستويات قياسية غير مسبوقة، وأصبحت تتجاوز بكثير مستويات أسعار النفط، وكانت التدابير التي اتخذتها الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لمواجهة الأزمة متضاربة، مما أضر في كثير من الأحيان بالمستهدفات التي يسعى إليها الاتحاد في سوق الطاقة، وقد كشف ذلك عن ثغرة كبيرة في السياسات الأوروبية الحالية، حيث أصبحت لا تدعم هدف خفض استهلاك الغاز بمقدار الثلث بحلول عام 2030، ويعني ذلك ببساطة عدم وجود خريطة طريق موثوقة لتقليل استهلاك الغاز ولا لكيفية تحقيق ذلك. كما تكشف ظروف السوق الحالية أن السياسات الحالية ليست إلا نهجا قصير النظر لا يمكن الدفاع عنه ويقوض مسار الانتقال إلى الطاقة المتجددة، خاصة في ظل توترات متصاعدة في الجوار الشرقي لأوروبا من شأنه أن يفاقم الوضع المتردي بالفعل.

وتقليديا، كانت أساسيات السوق ممثلة في حجم العرض والطلب منطلقا دائما للتوازن في سوق الطاقة، ولكن عندما تفشل الأسواق في تحقيق التوازن بين ديناميكيات العرض والطلب، ولتجنب التقلبات والاضطراب، والضرر الاقتصادي الناجم عن طفرات الأسعار، أصبحت الاستجابة الجماعية ضرورية، وكذلك السياسات الخاصة بإدارة جانب الطلب وخفض الاستهلاك كإجراء حاسم يجب نشره على نطاق واسع للحد من الاستهلاك غير الضروري أثناء ذروة الطلب.

من جانب آخر، في حين يبدو أن تعزيز البنية التحتية للغاز قد يكون متعارضًا مع أهداف الانبعاثات الصفرية فإن الديناميكيات الحالية في سوق الطاقة تشير بوضوح إلى الأهمية المستمرة للغاز على المدى المتوسط ​​على الأقل. ولتبديد أي مخاوف بشأن تحول البنية التحتية للغاز إلى أصول غير مفيدة على المدى الطويل نظرا للتوجه للطاقة المتجددة، يجب أن يتضمن أي تطوير جديد للبنية التحتية دعم ناقلات الطاقة النظيفة مثل الهيدروجين والغاز الاصطناعي والغاز الحيوي.

وتأتي أهمية تعزيز البنية التحتية نظرا لأن ارتفاع أسعار النفط والغاز في بيئة تشهد انخفاضا في الأنتاج وفي الاستثمارات الجديدة مع توليد طاقة متجددة دون المستوى الأمثل والكافي، أدى إلى تضخم غير منضبط في أسعار الطاقة. وفي النهاية، يبدو بوضوح أن الوضع الحالي يكشف كيف أدى الشعور بالرضا عن النفس في دول الاتحاد الأوروبي تجاه سياسات خفض الاعتماد على النفط إلى إضعاف يقظة دول الاتحاد تجاه أمن الطاقة، مما أدى إلى الأزمة التي يواجهها الاتحاد الأوروبي الآن.

وفي ظل الوضع الحالي الذي يتسم بتقلبات السوق وهي التقلبات التي يمكن أن تصبح حدثا منتظما وطبيعة مستمرة في السوق، يمكن أن تتسبب الندرة في إحداث ضرر اقتصادي كبير، بشكل مباشر بسبب ارتفاع الأسعار، وبشكل غير مباشر بسبب عدم اليقين تجاه الاستثمار والضغوط دخل الأسر. مثل هذه الإخفاقات في السوق يمكن أن تعرض للخطر عملية الانتقال للطاقة المتجددة وتعمق التفاوتات الاجتماعية مما يجعل أمن الطاقة أولوية ملحة في الوقت الحالي.

وأوصت الدراسة بأن الحفاظ على هذا الأمن يتطلب نظاما للإنذار المبكر لرصد المتغيرات في أسواق الطاقة، وإدخال منهجيات جديدة في التعامل مع ملف الطاقة المتجددة بما يناسب ما يشهده العالم من تغير مناخي، ويتضمن ذلك أنظمة لمحاكاة توليد الطاقة المتجددة في ظل الظروف الجوية المتغيرة، والتحليل المتعمق لظاهرة السكون الأرضية العالمية وظاهرة النينو. وتسهم القدرة على إجراء مثل هذه الممارسات المتطورة في الاستشراف الاستراتيجي لأي اضطرابات نظامية مستقبلية وتسهيل وضع آليات استباقية لمعالجتها بسرعة وكفاءة للحفاظ على أمن الطاقة ومرونة نظام الطاقة والوصول فعليا إلى عصر صفر الانبعاثات.

وتؤكد الدراسة على أنه ربما لم يكن من السهل التنبؤ بأزمة أسعار الطاقة الحالية، ولكن كان من الممكن بسهولة محاكاتها كجزء من آليات تخطيط أمن الطاقة. ومن جانب آخر، هناك خطر يتمثل في أن الخلافات التي أثارتها أزمة الطاقة بين دول أوروبا قد تتحول إلى خلافات دائمة حول مسار مستقبل الطاقة وتؤدي إلى تسوية أو توقف التقدم المحرز في سحب الاستثمارات في قطاع الهيدروكربونات الأمر الذي يمكن أن ينذر بحقبة طويلة من التقلبات المتزايدة في سوق الطاقة، وتصاعد المنافسة على الموارد الشحيحة، وفي نهاية المطاف ستكون النتيجة مستقبلا غير مؤكد لكوكب الأرض.