منذ أقدمت روسيا على حرب أوكرانيا في الرابع والعشرين من فبراير، تلقت بولندا تهديدات يومية من مروجي الدعاية الروسية بأنها ستكون التالية. ولكن على الرغم من هذه المخاطر الكبرى، قررت حكومة حزب القانون والعدالة في بولندا الدخول في حرب مع ألمانيا -واحدة من أقرب حلفائنا- من خلال المطالبة بتعويضات حرب ضخمة عن الدمار الذي أحدثه الرايخ الثالث بقيادة هتلر.

في الأول من سبتمبر، الذي وافق الذكرى السنوية لاندلاع الحرب العالمية الثانية، تقدم رئيس حزب القانون والعدالة ياروسواف كاتشينسكي بتقرير قَــدَّرَ إجمالي خسائر بولندا في زمن الحرب بنحو 1.3 تريليون دولار. برغم أن حزب القانون والعدالة دأب على التحدث عن التعويضات منذ وصوله إلى السلطة قبل سبع سنوات، فهذه هي المرة الأولى التي يفتح فيها هذا الموضوع مع ألمانيا. الواقع أن هذه القضية واضحة ولا تحتمل التأويل على المستويين الرسمي والأخلاقي -في حين تكمن السياسة الصحيحة في الاتجاه المعاكس. بعد الحرب العالمية الثانية، قرر الحلفاء أن الأطراف التي نزل بها الضرر ستتلقى تعويضات مادية، وليست مالية. كان من المقرر تفكيك المصانع الألمانية ونقلها، أو تحويل الاستفادة من الأعمال التي يقوم بها الألمان إلى الدول المجني عليها، التي جرى تقسيمها إلى «كتلة غربية» تتألف من 18 دولة و«كتلة شرقية» تضم الاتحاد السوفييتي وبولندا. حصلت الكتلة الشرقية على حصتها في الأساس من منطقة الاحتلال السوفييتي في ألمانيا الشرقية. كان من المقرر أن تحصل بولندا على 15% من هذه الحصة، وفي السادس عشر من أغسطس من عام 1945، وقعت الحكومتان في وارسو وموسكو اتفاقية لتنظيم تحويل التعويضات. كان المفترض أن يتلقى الاتحاد السوفييتي ما يصل إلى 10 مليارات دولار (بأسعار عام 1938)، لكن تقديرات المؤرخين تشير إلى أنه حصل في نهاية المطاف على 3 مليارات أو 4 مليارات دولار -نحو ثلث إنتاج ألمانيا الشرقية المحتمل. بحلول ذلك الوقت، كان الاتحاد السوفييتي أيضا يعمل بالفعل على تفكيك وأخذ الأصول التي جرى تجنيبها لصالح بولندا بموجب اتفاقية بوتسدام. ثم فَـرَضَ الكرملين شرطا قاسيا على بولندا: للحصول على نصيبها المستحق من التعويضات الألمانية، يتعين على بولندا أن تنتج وتصدر فحمها الحجري إلى الاتحاد السوفييتي بسعر شديد الانخفاض. وكما تبين لاحقا، أثبت ذلك الترتيب كونه أكثر تكلفة من التعويضات التي كانت منتظرة. في عام 1957، وافقت بولندا على التخلي عن تحصيل أي تعويضات إضافية مقابل إنهاء شرط التصدير المخرب. كان تخصيص التعويضات الألمانية لبولندا صوريا زائفا. فمن أصل 3 مليارات دولار حَـصَّـلها السوفييت (في هيئة مصانع، وسفن، وسيارات، ودراجات نارية، ودراجات، وعربات سكك حديدية، وشاحنات)، تلقت بولندا 225 مليون دولار فقط (7.5%). ثم في ديسمبر من عام 1970، أعادت بولندا التأكيد على تخليها عن مطالبات التعويض بموجب اتفاقية جديدة مع ألمانيا الغربية، والتي اعترفت بالحدود البولندية على نهري أودر ونايسه -في ما كان ألمانيا قبل الحرب. بدون هذا الاعتراف بحدود ما بعد الحرب، كان وجود الدولة البولندية ذاتها ليصبح موضع تساؤل.

من الناحية الرسمية إذن، تعد مسألة التعويضات مُـغـلَـقة. علاوة على ذلك، يوضح الدستور البولندي، في المادة 241، أن «الاتفاقيات الدولية المبرمة وفقا للنظام الدستوري السابق (بما في ذلك بموجب دستور جمهورية بولندا الشعبية لعام 1952) تُـعامَـل على أنها اتفاقيات دولية مصدق عليها بموافقة مسبقة يعبر عنها القانون». بالاستشهاد بذات الوثائق، تعتبر الحكومة الألمانية أيضا هذا الموضوع مُـغـلَـقا.

من المؤكد أن ألمانيا مدينة لبولندا بالفعل بدين تاريخي كبير. فقد تسبب العدوان الألماني في الحرب العالمية الثانية في إحداث دمار غير مسبوق، بما في ذلك تدمير العاصمة بالكامل، ومحو عدد لا يُـحـصى من المنتجات الثقافية البولندية، ووفاة ستة ملايين مواطن بولندي. ما زاد الطين بلة أن نهاية الحرب جعلت بولندا إلى جانب الاتحاد السوفييتي، وحرمتها من الاستقلال والتنمية طوال نصف القرن التالي. كل من زار بولندا في عام 1989 سيتذكر إلى أي حد كانت فقيرة، وكئيبة، وقبيحة بعد أربعة عقود من الشيوعية. ولا تزال آثار هذا الإرث الكئيب حاضرة في كل مكان اليوم. من ناحية أخرى، يجب أن نعترف أيضا بأن النجاح الاقتصادي الذي حققته بولندا على مدار العقود الثلاثة الأخيرة ما كان ليتحقق بدون ألمانيا، التي كانت أيضا الـمُـدافِـع الأكثر حماسة عن انضمام بولندا إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. صحيح أن العديد من البنوك والشركات البولندية مملوكة لكيانات في ألمانيا، التي كانت بالتالي المقصد الذي تذهب إليه الأرباح. لكن مثل هذه الترتيبات أعطت البولنديين القدرة على الوصول إلى رأس المال الذي كانوا في احتياج إليه لانتشال بلدهم من الخراب. وعملت هذه التبادلات المفيدة للجانبين على تعزيز روح المصالحة والخير بين البلدين. على هذه الخلفية، استفزت مطالبة كاتشينسكي بالتعويضات انتقادات لاذعة في كل مكان باستثناء وسائل الإعلام التي يسيطر عليها حزب القانون والعدالة. ولكن يبدو أن كاتشينسكي يعتقد أن إطلاق مثل هذه المطالبات من شأنه أن يعمل على تحسين موقف حزب القانون والعدالة قبل الانتخابات العامة في العام المقبل. وبطبيعة الحال، كانت إثارة هذه القضية الآن من قبيل الإلهاء عن الصراع الذي تخوضه الحكومة ضد التضخم الجامح (الذي تجاوز الآن 16%) وأسعار الطاقة التي ارتفعت إلى عنان السماء. بيد أن كاتشينسكي أخرج الجني من القمقم. في الرابع عشر من سبتمبر، اعتمد البرلمان قرارا، وقع عليه حتى أغلب نواب المعارضة، يدعو ألمانيا إلى سداد التعويضات. وهنا، نتبين اختلافين جوهريين. أولا، لا أحد يتحدث عن تعويضات عن الحرب (التي لا يمكن الحصول عليها رسميا)، بل التعويض عن الخسائر. ثانيا، حظي القرار بدعم المعارضة، بما في ذلك المنبر المدني الليبرالي بقيادة دونالد تاسك، واليسار بقيادة أدريان زاندربرج، الذي قال: «لم يتبق من ممتلكات عائلتي سوى ملعقة شاي». وكما أوضح أحد أعضاء البرلمان عن حزب المنبر المدني، «سوف تتشكل حكومة بولندية العام المقبل للتعامل مع هذه المسائل على النحو اللائق». لا شك أن كاتشينسكي كان يأمل في أن تتنازل المعارضة عن جميع المطالبات البولندية بالتعويضات. من خلال الانضمام ظاهريا إلى الجوقة، يستطيع حزب المنبر المدني تقويض هذه الاستراتيجية الانتخابية. لكن هذا يعني أيضا أن هذه القضية أنشأت لذاتها حياة منفصلة عن مقاصد كاتشينسكي وما ورائها. والنتيجة غير مؤكدة، لكن من عجيب المفارقات هنا أن أفضل ضمان لألمانيا ربما يكون كاتشينسكي ذاته، الذي بات من غير الممكن أن تؤخذ مقترحاته الخيالية السافرة والمشكوك فيها قانونا لحل مثل هذه القضايا على محمل الجد.

سوافومير سيراكوفسكي صحفي بولندي وناقد أدبي وعالم اجتماع ورئيس حركة المثقفين اليساريين في بولندا ومدير معهد الدراسات المتقدمة في وارسو.

خدمة بروجيكت سنديكيت