كليفورد كراوس - نيويورك تايمز -

ترجمة - قاسم مكي -


عندما بدأت الحرب الروسية الأوكرانية في الربيع الماضي لم يستبعد خبراء الطاقة بلوغ سعر النفط 200 دولار للبرميل. هذا السعر من شأنه رفع تكاليف الشحن البحري والنقل البري إلى عنان السماء وتقويض الاقتصاد العالمي. الآن أسعار النفط أقل مما كانت عليه عندما بدأت الحرب حيث تراجعت بأكثر من 30% خلال شهرين فقط.

يوم الاثنين دفعت أخبار تباطؤ الاقتصاد وخفض معدلات الفائدة في الصين بالأسعار إلى المزيد من الانخفاض حيث هبطت إلى ما دون 90 دولارا للبرميل بالنسبة للنفط القياسي الأمريكي. وتراجعت أسعار البنزين في كل يوم على مدار الأسابيع التسعة الأخيرة إلى أقل من 4 دولارات في المتوسط في أرجاء الولايات المتحدة. كما تنخفض أيضا أسعار وقود الطائرات والديزل. وسيُفضي ذلك في النهاية إلى المزيد من الانخفاض في أسعار أشياء مختلفة كالغذاء وتذاكر الرحلات الجوية.

لكن من السابق لأوانه الاحتفال بذلك. فأسعار الطاقة يمكن أن ترتفع بنفس سهولة هبوطها. أي على نحو غير متوقع وفجأة.

فالصين التي تنتشر فيها حتى الآن وعلى نطاق واسع إغلاقات كوفيد-19 ستفتح مدنها مجددا في النهاية للمزيد من التجارة والحركة المرورية وهذا ما سيزيد الطلب على المحروقات. كما ستنتهي عمليات السحب من مستودعات الاحتياطي النفطي الاستراتيجي في الولايات المتحدة في نوفمبر وستكون هنالك حاجة إلى إعادة ملئها.

إضافة لذلك يمكن أن ترفع حادثة واحدة غير متوقعة أسعارَ الوقود إلى عنان السماء (كأن يغمر إعصارٌ في الولايات المتحدة قناةَ هيوستن ويعطل تشغيل العديد من مصافي خليج المكسيك لأسابيع أو حتى لشهور.) هذا النوع من الكوارث يمكن أن تنتشر آثاره في الاقتصاد الأمريكي واقتصاد العالم أيضا لأن أسعار الطاقة أساسية لتحديد أسعار كل شيء يُشحَن أو يُنتج سواء كان حبوبا أو مواد بناء.

يقول دانييل يرجين مؤرخ الطاقة ومؤلف كتاب الخريطة الجديدة- الطاقة والمناخ وصدام الأمم "أسعار الطاقة يمكنها دائما أن تفاجئ".

أيضا، من الممكن أن تشهد الأسعار المزيد من التراجع إذا قبلت إيران مشروع اتفاق نووي جديد بعد أن تخلت عن مطلبها برفع الحرس الثوري من قائمة الإرهاب الأمريكية. وهذا ما قد يفتح صنبورا محتملا لضخ حوالي مليون برميل إضافي في اليوم من الصادرات النفطية الإيرانية.

إضافة إلى ذلك، دفع احتمالُ استمرار رفع أسعار الفائدة العديد من المستثمرين وخبراء الاقتصاد إلى توقع حدوث انكماش في الاقتصاد وانخفاض في طلب النفط على الرغم من تدني البطالة ومرونة الأرباح.

تقول سارا إيمرسون رئيسة شركة تحليلات سوق الطاقة إي إس أيه آي إنرجي "حسب اعتقادي فإن أسعار النفط يمكن أن تنخفض. لدينا عدة عوامل تتضافر فيما بينها وتتزامن. لدينا الصين التي تقلص وارداتها من خام النفط في الربع الثالث من هذا العام. ولدينا نهاية موسم البنزين الصيفي. ولدينا مخاوف من حدوث تباطؤ اقتصادي. ولدينا، بصراحة، وفرة من الإمدادات".

لكنها أضافت بسرعة "هذا لا يعني القول إن الأسعار لن ترتفع مجددا". وأشارت في هذا الصدد إلى قرب انتهاء السحب من الاحتياطي الاستراتيجي الذي تضخ الولايات المتحدة منه، بالتنسيق مع بلدان أخرى، ما يصل إلى مليون برميل في اليوم. وأيضا إلى احتمال أن تستبدل أوروبا حرق النفط بالغاز الطبيعي إذا اشتد البرد في الشتاء القادم.

أسعار الوقود التي يمكن أن يراها المستهلكون وهي تصعد وترتفع على أساس يومي في محطات الوقود القريبة من مساكنهم تؤدي دورا غير عادي في التصوّرات الاقتصادية. يقول مارك فينلي أستاذ اقتصاد النفط بجامعة رايس "سعر الوقود ليس بتلك الخطورة. لكن إذا نظرت إلى أثره على ثقة المستهلك سيبدو أنه يمثل كيفية إحساسك تجاه العالم بشكل عام".

يخصص الأمريكيون حوالي 3.5% من جملة إنفاقهم الشخصي لشراء البنزين، وفقا لتقرير آر بي سي كابيتال ماركيتس الصادر في يونيو. ويتضرر من ارتفاع أسعار البنزين على نحو خاص العاملون في الريف وأصحاب الدخول المتدنية ومَن يملكون سيارات قديمة وأقل كفاءة في استخدام البنزين ويقودونها لمسافات بعيدة إلى أماكن العمل.

إجمالا، أسعار الوقود أقل أهمية مما كانت في الماضي لأن الناس يقودون سيارات أكثر كفاءة (في استخدام الوقود) واتجهوا مؤخرا إلى العمل من بيوتهم (العمل عن بُعد). لكن كلما زاد إنفاقهم على البنزين والجازولين قل إنفاقهم على أي شيء آخر.

عندما تهبط أسعار النفط يعقبها عموما انخفاض العديد من التكاليف المتعلقة بالصناعة والزراعة بما في ذلك أسعار المواد الكيماوية والأسمدة. كما يصبح الشحن البحري اقتصاديا بقدر أكبر. لكن عندما ترتفع أسعار النفط بشدة كما حدث في عام 2008 وفي أعوام السبعينيات تنحو إلى رفع الأسعار الأخرى والضغط على الاقتصاد في مجمله. وغالبا ما تتلو ذلك تداعيات سياسية.

التنبؤ بأسعار الطاقة لا جدوى منه دائما لوجود عوامل كثيرة بما في ذلك توقعات المتداولين الذين يشترون ويبيعون الوقود والحظوظ السياسية للبلدان المنتجة وغير المستقرة مثل فنزويلا وليبيا وقرارات الاستثمار التي يتخذها مسؤولو شركات النفط الحكومية والخاصة. واليوم من الصعب على وجه خاص تقييم هذه التعقيدات.

كان عنوان تقرير المجموعة المصرفية سيتي جروب عن السلع والذي صدر مؤخرا تحت عنوان: متى يشرع من يعتقدون بارتفاع أسعار النفط في خفض التوقعات؟

جاء في التقرير "فيما يتبدَّى انكماشٌ اقتصادي في الأفق ما هو الأكثر احتمالا؟ موسمُ أعاصيرٍ قوي يدفع بأسعار النفط إلى عنان السماء؟ أم عودة براميل النفط الإيراني؟ أم انكماش يهبط بأسعار النفط إلى 60 دولارا أو نحو ذلك للبرميل بنهاية هذا العام وبداية العام القادم؟".

إذا انخفض سعر برميل النفط إلى 60 دولارا من المحتمل أن يهبط متوسط أسعار البنزين في الولايات المتحدة على الأقل دولارا واحدا آخر للبرميل.

لكن بعد أيام قليلة من صدور توقعات مجموعة سيتي تنبأ فريق أبحاث السلع بمصرف جولدمان ساكس بارتفاع الأسعار مع تعافي الطلب على الوقود.

تظل الحرب في أوكرانيا متغيرا رئيسيا في توقعات الإمدادات على نطاق العالم بالنظر إلى أن روسيا تضخ في العادة برميلا واحدا من النفط في كل 10 براميل تدخل السوق العالمية التي يبلغ حجمها 100 مليون برميل في اليوم.

منذ الحرب الروسية الأوكرانية تراجعت الصادرات الروسية اليومية بحوالي 580 ألف برميل. ومن المتوقع أن يكون هنالك المزيد من تشديد العقوبات الأوروبية على نفط روسيا بحلول فبراير وخفض للصادرات الروسية اليومية بحوالي 600 ألف برميل إضافي. ومع إحكام روسيا قبضتها على مبيعات الغاز الطبيعي لأوروبا ردا على العقوبات ستضطر الشركات الأوروبية إلى حرق المزيد من النفط لتوليد الكهرباء بدلا عن الغاز.

أسواق الطاقة تبعث بإشارات متضاربة. ففي هذا الشهر ذكرت منظمة البلدان المصدرة للنفط "أوبك" أنها تتوقع أن يكون الطلب على النفط أقل مما كان متوقعا في هذا العام والعام القادم. مع ذلك تتوقع أوبك ارتفاع الطلب العالمي في عام 2023 إلى ما يقرب من 103 ملايين برميل في اليوم.

تتزايد الإمدادات تدريجيا بسبب التوسع في الإنتاج في غيانا والبرازيل والولايات المتحدة. وتحذو حذوها السعودية وبلدان الخليج الأخرى. لقد وعدت أوبك وحلفاؤها بما فيها روسيا برفع الإنتاج بحوالي 600 ألف برميل في اليوم في يوليو وأغسطس لكن ذلك لم يتحقق تماما.

توقعات تكرير النفط تتحسن أيضا وهذا ما يمكن أن يخفِّض أسعار البنزين وأنواع الوقود الأخرى. وفي حين تدهورت طاقة التكرير في الولايات المتحدة وأوروبا في السنوات الأخيرة إلا أنها تتزايد في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وآسيا وإفريقيا.

عامل آخر تمثل في الطلب الفاتر نسبيا في الولايات المتحدة والتي تشكّل احتياجاتها أكثر من ثلث الطلب العالمي على البنزين. موسم قيادة السيارات الصيفي عادة يؤدي إلى زيادة الاستهلاك بحوالي 400 ألف برميل في اليوم في الفترة بين يوم الذكرى (آخر يوم اثنين من شهر مايو) وعيد العمال (أول يوم اثنين من شهر سبتمبر). لكن في هذا الصيف حتى الآن لم يرتفع الطلب على البنزين عن متوسطه في أبريل، حسب فريق أبحاث السلع ببنك جيه بي مورجان.

هذا الاتجاه يمكن أن يتغيّر مع هبوط الأسعار. ارتفع استهلاك الأمريكيين من البنزين بحوالي 508 آلاف برميل في اليوم في الأسبوع الماضي مقارنة بالأسبوع السابق له، بحسب وزارة الطاقة. مع ذلك ظل الاستهلاك أقل من مستواه في العام الماضي بما يزيد على 300 ألف برميل في اليوم.

ثم هناك التحوّل الكبير بعيدا عن الوقود الأحفوري. فأعدادٌ متزايدة من مستثمري الطاقة تتشكك في مستقبل النقل المرتكز على النفط. ويقول هؤلاء إن الأسعار ستهبط في الأجل الطويل.

يقول دانييل سبيرلينج، خبير النقل بجامعة كاليفورنيا- ديفِس "الطلب على السيارات الكهربائية يتصاعد. وذلك يرسل إشارات كثيرة".