الترجمة عن الروسية: يوسف نبيل
لقد انفصلنا انفصالا جذريا لا رجوع عنه عن الغرب، لكننا لم ندرك هذا بعد.. انتهت المرحلة الثانية ولم تبدأ الثالثة، ولذلك يجب حتمًا على روسيا أن تبحث عن شركاء وأصدقاء جدد من خارج الغرب، التحول صوب الشرق
تمر روسيا اليوم بظرف استثنائي، إنه أشبه بمن علق في المنتصف بين التعلق بماضي انتهى فعلا ومستقبل لم يأت بعد، أو بالأحرى بمستقبل حلّ بالفعل لكنه لم يُدرَك ولم يُقبَل بعد، نتحدث هنا عن أهم القضايا: قضية موقف روسيا من العمليات العالمية، وقبل أي شيء آخر موقفها من الغرب كجماعة.
بعد سقوط الاتحاد السوفييتي مررنا بمرحلتين:
حاولنا جاهدين في التسعينيات أن نندمج في العالم الغربي بأي ثمن، لكننا لم نحقق نجاحًا كبيرًا في هذا المسعى، وتأسس في البلاد نظام للرقابة الخارجية.
بعد وصول بوتين إلى السلطة حاولنا مجددًا الاندماج في العالم الغربي ولكن بشرط احتفاظ روسيا بالسيادة، لم ينجح الأمر، لكننا استطعنا تعزيز سيادتنا، الأمر الذي أدى إلى ما حدث في 24 فبراير 2022.
لماذا بدأنا العملية العسكرية الخاصة؟ لم يُعر ترامب انتباهًا كبيرًا لنمو السيادة الروسية، ولم يكن أطلنطي النزعة، وأصدر أحكامه بناء على المؤشرات المتواضعة للاقتصاد الروسي، والتي من وجهة نظره تجعل روسيا لا تشكل خطرًا كبيرًا على الولايات المتحدة. لم يبالي بالقرم، وكان أكثر قلقًا حيال الصين.
أما بايدن فهو أطلنطي تمامًا، وهو يدرك جيدًا أن أي نجاح لروسيا في توسيع نفوذها يشكل تحديًا للعولمة والعالم أحادي القطب والهيمنة الأمريكية، لذلك نحّى العالم الإسلامي جانبًا لوقت لاحق ووجه جل انتباهه إلى مواجهة روسيا، دون أن ينسى الصين بالطبع.
منذ صيف 2021 بدأت الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي في التحضير لعملية عسكرية للاستيلاء على دونباس ومهاجمة شبه جزيرة القرم، تحولت دونباس إلى مركز قوي للعدوان العسكري المستقبلي ضد روسيا، بما في ذلك المدربين الأجانب والمرتزقة.
لم ينتظر بوتين موعد بدء العملية في بداية مارس وضرب أولا، من هنا جاءت الأفضلية في المرحلة الأولى من العملية والتي حددت نتائجها مسبقًا لصالحنا.
لكن دعونا ننحي الجانب العسكري من العملية العسكرية الخاصة بعيدًا، بعد أن بدأت المرحلة الثانية من علاقات روسيا مع الغرب في فترة ما بعد الاتحاد السوفييتي تراجعت فكرة هذا الاندماج في العالم الغربي لأسباب موضوعية، لم يتبق لروسيا سوى سيادتها الخاصة والتي تبين أن الحفاظ عليها وحمايتها وتعزيزها يتعارض مع اشتراك روسيا في العمليات العالمية على أسس غربية.
لقد انفصلنا انفصالا جذريا لا رجوع عنه عن الغرب، لكننا لم ندرك هذا بعد، انتهت المرحلة الثانية ولم تبدأ الثالثة بعد.
ما طبيعة هذه المرحلة الثالثة التي لا تريد أعين وآذان النخبة الروسية أن تلتقطها أبدًا؟ تمثل هذه المرحلة الثالثة فترة طويلة من وجود روسيا في عزلة عن الغرب، واقعة تحت وطأة ضغط قاس وسلبي، إذا قبلنا أننا سنظل هكذا مقطوعين إلى الأبد كأمر واقع ستنجلي لنا آفاق المستقبل إلى حد بعيد. لكن إذا أردنا أن ننتقل إلى هذا المستقبل علينا أن نبذل جهدًا. بالطريقة ذاتها لم يستطع المواطنون السوفييت أن يصدقوا انهيار الاتحاد السوفييتي والشيوعية، وافترض ليبراليو التسعينيات أن بوتين يمثل حلا مؤقتًا، وإن كل شيء سيعود إلى الخلف مجددًا، من الصعب دائمًا تصديق ما هو جديد، وهو الأمر الصعب الآن أيضًا.
أن تنفصل عن الغرب، بل وتواجهه مواجهة عسكرية حادة، يعني إدراك قوتين في الآن ذاته: القوة الروسية، والقوة الأوراسية.
لا تتعارض هاتان القوتان، ولا يجب علينا أن نختار واحدة منهما فقط، لكنهما تظلان مختلفتين، تعني القوة الأولى تعزيزًا مجازفًا وحادًا لسيادة روسيا، وإتاحة الفرصة -إذا لزم الأمر- للاعتماد على قوتها الخاصة فقط، لا نتحدث هنا عن فهم محدود للسيادة، وقد نالت اعترافًا بالفعل كدولة مستقلة، حتى لو كان اعترافًا اسميًا فقط، لكننا هنا نتحدث عن السيادة المتكاملة والكاملة والتي تشمل: الحضارة، والثقافة، والتعليم، والعلم، والاقتصاد، والمالية والقيم، والهوية والنظام السياسي، وأخيرًا الأيديولوجيا الرئيسة ذاتها.
إذا استثنينا الآن السيادة السياسة والعسكرية سنجد أن كل المجالات الأخرى تقريبًا إما غربية جزئيًا أو كاملا. ليست لدينا أيديولوجيا، وبناء على ذلك يتطلب بناء روسيا ذات سيادة حقيقية ومتكاملة تحولات عميقة في كل هذه المجالات، وتحريرها من نماذج العولمة الليبرالية الراسخة بعمق في مجتمعنا والتشييد على أساس المرحلتين الأولى والثانية بعد العصر السوفيتي.
سيتطلب تحقيق ذلك إضفاء الطابع المؤسسي على مسار بوتين، ولن يكفي ولاءه الشخصي وحسب، يتطلب ذلك التأكيد على أيديولوجيا جديدة؛ نوع من البوتينية يُكرِّس المبادئ الأساسية للسيادة المتكاملة، من ثم يجب وضع آليات سياسية وإدارية أخرى تحتها.
ستتوجه روسيا حتمًا إلى هذه المرحلة الأيديولوجية، في غياب أيديولوجية أصيلة تمامًا لن ننجو في مواجهتنا للغرب، هذه حقيقة موضوعية تمامًا، بغض النظر عما إذا أثارت غضبنا أم سرورنا، لا مفر من أدلجة روسيا، ومن المستحيل منع هذه الأدلجة.
يجب أن تعزِّز روسيا هويتها مرة تلو الأخرى، ليس من أجل البقاء بدون الغرب وحسب، بل أيضًا من أجل البقاء رغمًا عنه، قبل 22 عامًا، بعد أن راهن بوتين على السيادة، قرر مسبقًا حتمية حلول هذه اللحظة، ها قد حلت اللحظة الآن، ولم تحل جزئيًا بل كاملا.
إما السيادة أو الغرب، هذا أمر لا رجوع فيه.
في الوقت نفسه لا يتعلق الأمر مطلقًا بعزل روسيا عن العالم كما يرغب الغرب، بالرغم من ادعاءات الغرب بالهيمنة والعالمية إلا أنه بعيد كل البعد عن أن يكون العالم بأسره، لذلك يجب حتمًا على روسيا أن تبحث عن شركاء وأصدقاء جدد من خارج الغرب، يجب أن نطلق على هذا التوجه السياسة الأوراسية، التحول صوب الشرق.
بعد أن تكتشف روسيا العالم غير الغربي ستجد إنها ستتعامل مع حضارات مختلفة تمامًا: الصينية، والهندية، والإسلامية، واللاتينية، والأفريقية، كل من هذه الحضارات تختلف عن حضارتنا وعن بعضها وعن الغرب، في وقت ما اهتممنا بهذه الحضارات ودرسنا الشرق وألّف الشاعر الروسي العظيم نيكولاي جوميليوف أنشودات ملهمة تمجِّد أفريقيا، لكن بعد ذلك أسر الغرب وعينا، هذا هو التسمم الغربي والاتكالية الإدمانية على الغرب. أطلق الفيلسوف الإيراني أحمد فارديل على هذه الظاهرة تسمية: "التسمم الغربي".
أول من ناهض هذا التحول للحضارة الروسية صوب الغرب هم الأوراسيون الأوائل، وطالبوا -مثل أنصار النزعة السلافية- بالتحول إلى هويتهم الروسية ذاتها وكذلك إلى الحضارات والثقافات غير الغربية، هذا هو المخرج الوحيد أمام روسيا الآن. لا يوجد أمام روسيا الآن سوى بريكس ومنظمة شنجهاي للتعاون وتطوير علاقاتها بأقطاب جديدة في العالم، بالحضارات الناشئة التي بدت منسية منذ زمن طويل لكنها تعود اليوم إلى صدر التاريخ.
لا ينتهي العالم أو الإنسانية بنهاية الغرب؛ على النقيض، إنها بداية جديدة، كانت فكرة مكانة روسيا في أوراسيا لا في الغرب مسألة اختيار سابقًا، أما الآن فهي أمر لا مفر منه. كل شيء الآن يعتمد على كيفية بناء العلاقات مع الصين أو الهند أو تركيا أو إيران أو الدول العربية أو الدول الأفريقية واللاتينية.
هذا هو المستقبل القادم الذي لم يحل بعد، إنه موجود بالفعل ولكن النخبة ترفض قبوله، وفي الآن ذاته ليس لديها حل أو اختيار آخر. حتى الخيانة، وهو أمر غير مرجح، لن تغير شيئًا سوى تدمير روسيا فورًا، لم يعد هناك الآن مثل هذا الخيار الآن، لا مفر من عمليات التطهير الضرورية جدًا، ومع ذلك لم تبدأ بعد، لكنها ستبدأ لا محالة، وهي ليست المسألة الأولى الآن ولا حتى الثانية، عبثًا تشعر النخبة اليوم بالقلق من الاستقالات والاعتقالات، كل من لا يؤيد السيادة الأوراسية قد انتهى أمره بالفعل، هذا أمر غير قابل للمناقشة.
لكن السؤال الآن مختلف: كيف يمكننا الدفاع عن روسيا وإعادة بناء روسيا المرحلة الثالثة؟ الحياة هي التي تملي علينا ماذا يجب أن نفعل، لكن من يفعل ذلك وكيف ومن أين يبدأ وماذا يختار كأولوية، كل هذه أسئلة مطروحة، وهنا يصير كل شيء أعقد.
أظن أننا في حاجة إلى البدء بالقمة، بالأيديولوجيا. كل شيء آخر ثانوي، شيء ما في داخلي يخبرني أن من في السلطة الآن، المسؤولون حقًا عن مصير البلد والشعب، يفكرون في الأمر ذاته.
ألكسندر دوجين عالم سياسي وعالم اجتماع ومترجم
ترجمة خاصة لـ "عمان"
لقد انفصلنا انفصالا جذريا لا رجوع عنه عن الغرب، لكننا لم ندرك هذا بعد.. انتهت المرحلة الثانية ولم تبدأ الثالثة، ولذلك يجب حتمًا على روسيا أن تبحث عن شركاء وأصدقاء جدد من خارج الغرب، التحول صوب الشرق
تمر روسيا اليوم بظرف استثنائي، إنه أشبه بمن علق في المنتصف بين التعلق بماضي انتهى فعلا ومستقبل لم يأت بعد، أو بالأحرى بمستقبل حلّ بالفعل لكنه لم يُدرَك ولم يُقبَل بعد، نتحدث هنا عن أهم القضايا: قضية موقف روسيا من العمليات العالمية، وقبل أي شيء آخر موقفها من الغرب كجماعة.
بعد سقوط الاتحاد السوفييتي مررنا بمرحلتين:
حاولنا جاهدين في التسعينيات أن نندمج في العالم الغربي بأي ثمن، لكننا لم نحقق نجاحًا كبيرًا في هذا المسعى، وتأسس في البلاد نظام للرقابة الخارجية.
بعد وصول بوتين إلى السلطة حاولنا مجددًا الاندماج في العالم الغربي ولكن بشرط احتفاظ روسيا بالسيادة، لم ينجح الأمر، لكننا استطعنا تعزيز سيادتنا، الأمر الذي أدى إلى ما حدث في 24 فبراير 2022.
لماذا بدأنا العملية العسكرية الخاصة؟ لم يُعر ترامب انتباهًا كبيرًا لنمو السيادة الروسية، ولم يكن أطلنطي النزعة، وأصدر أحكامه بناء على المؤشرات المتواضعة للاقتصاد الروسي، والتي من وجهة نظره تجعل روسيا لا تشكل خطرًا كبيرًا على الولايات المتحدة. لم يبالي بالقرم، وكان أكثر قلقًا حيال الصين.
أما بايدن فهو أطلنطي تمامًا، وهو يدرك جيدًا أن أي نجاح لروسيا في توسيع نفوذها يشكل تحديًا للعولمة والعالم أحادي القطب والهيمنة الأمريكية، لذلك نحّى العالم الإسلامي جانبًا لوقت لاحق ووجه جل انتباهه إلى مواجهة روسيا، دون أن ينسى الصين بالطبع.
منذ صيف 2021 بدأت الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي في التحضير لعملية عسكرية للاستيلاء على دونباس ومهاجمة شبه جزيرة القرم، تحولت دونباس إلى مركز قوي للعدوان العسكري المستقبلي ضد روسيا، بما في ذلك المدربين الأجانب والمرتزقة.
لم ينتظر بوتين موعد بدء العملية في بداية مارس وضرب أولا، من هنا جاءت الأفضلية في المرحلة الأولى من العملية والتي حددت نتائجها مسبقًا لصالحنا.
لكن دعونا ننحي الجانب العسكري من العملية العسكرية الخاصة بعيدًا، بعد أن بدأت المرحلة الثانية من علاقات روسيا مع الغرب في فترة ما بعد الاتحاد السوفييتي تراجعت فكرة هذا الاندماج في العالم الغربي لأسباب موضوعية، لم يتبق لروسيا سوى سيادتها الخاصة والتي تبين أن الحفاظ عليها وحمايتها وتعزيزها يتعارض مع اشتراك روسيا في العمليات العالمية على أسس غربية.
لقد انفصلنا انفصالا جذريا لا رجوع عنه عن الغرب، لكننا لم ندرك هذا بعد، انتهت المرحلة الثانية ولم تبدأ الثالثة بعد.
ما طبيعة هذه المرحلة الثالثة التي لا تريد أعين وآذان النخبة الروسية أن تلتقطها أبدًا؟ تمثل هذه المرحلة الثالثة فترة طويلة من وجود روسيا في عزلة عن الغرب، واقعة تحت وطأة ضغط قاس وسلبي، إذا قبلنا أننا سنظل هكذا مقطوعين إلى الأبد كأمر واقع ستنجلي لنا آفاق المستقبل إلى حد بعيد. لكن إذا أردنا أن ننتقل إلى هذا المستقبل علينا أن نبذل جهدًا. بالطريقة ذاتها لم يستطع المواطنون السوفييت أن يصدقوا انهيار الاتحاد السوفييتي والشيوعية، وافترض ليبراليو التسعينيات أن بوتين يمثل حلا مؤقتًا، وإن كل شيء سيعود إلى الخلف مجددًا، من الصعب دائمًا تصديق ما هو جديد، وهو الأمر الصعب الآن أيضًا.
أن تنفصل عن الغرب، بل وتواجهه مواجهة عسكرية حادة، يعني إدراك قوتين في الآن ذاته: القوة الروسية، والقوة الأوراسية.
لا تتعارض هاتان القوتان، ولا يجب علينا أن نختار واحدة منهما فقط، لكنهما تظلان مختلفتين، تعني القوة الأولى تعزيزًا مجازفًا وحادًا لسيادة روسيا، وإتاحة الفرصة -إذا لزم الأمر- للاعتماد على قوتها الخاصة فقط، لا نتحدث هنا عن فهم محدود للسيادة، وقد نالت اعترافًا بالفعل كدولة مستقلة، حتى لو كان اعترافًا اسميًا فقط، لكننا هنا نتحدث عن السيادة المتكاملة والكاملة والتي تشمل: الحضارة، والثقافة، والتعليم، والعلم، والاقتصاد، والمالية والقيم، والهوية والنظام السياسي، وأخيرًا الأيديولوجيا الرئيسة ذاتها.
إذا استثنينا الآن السيادة السياسة والعسكرية سنجد أن كل المجالات الأخرى تقريبًا إما غربية جزئيًا أو كاملا. ليست لدينا أيديولوجيا، وبناء على ذلك يتطلب بناء روسيا ذات سيادة حقيقية ومتكاملة تحولات عميقة في كل هذه المجالات، وتحريرها من نماذج العولمة الليبرالية الراسخة بعمق في مجتمعنا والتشييد على أساس المرحلتين الأولى والثانية بعد العصر السوفيتي.
سيتطلب تحقيق ذلك إضفاء الطابع المؤسسي على مسار بوتين، ولن يكفي ولاءه الشخصي وحسب، يتطلب ذلك التأكيد على أيديولوجيا جديدة؛ نوع من البوتينية يُكرِّس المبادئ الأساسية للسيادة المتكاملة، من ثم يجب وضع آليات سياسية وإدارية أخرى تحتها.
ستتوجه روسيا حتمًا إلى هذه المرحلة الأيديولوجية، في غياب أيديولوجية أصيلة تمامًا لن ننجو في مواجهتنا للغرب، هذه حقيقة موضوعية تمامًا، بغض النظر عما إذا أثارت غضبنا أم سرورنا، لا مفر من أدلجة روسيا، ومن المستحيل منع هذه الأدلجة.
يجب أن تعزِّز روسيا هويتها مرة تلو الأخرى، ليس من أجل البقاء بدون الغرب وحسب، بل أيضًا من أجل البقاء رغمًا عنه، قبل 22 عامًا، بعد أن راهن بوتين على السيادة، قرر مسبقًا حتمية حلول هذه اللحظة، ها قد حلت اللحظة الآن، ولم تحل جزئيًا بل كاملا.
إما السيادة أو الغرب، هذا أمر لا رجوع فيه.
في الوقت نفسه لا يتعلق الأمر مطلقًا بعزل روسيا عن العالم كما يرغب الغرب، بالرغم من ادعاءات الغرب بالهيمنة والعالمية إلا أنه بعيد كل البعد عن أن يكون العالم بأسره، لذلك يجب حتمًا على روسيا أن تبحث عن شركاء وأصدقاء جدد من خارج الغرب، يجب أن نطلق على هذا التوجه السياسة الأوراسية، التحول صوب الشرق.
بعد أن تكتشف روسيا العالم غير الغربي ستجد إنها ستتعامل مع حضارات مختلفة تمامًا: الصينية، والهندية، والإسلامية، واللاتينية، والأفريقية، كل من هذه الحضارات تختلف عن حضارتنا وعن بعضها وعن الغرب، في وقت ما اهتممنا بهذه الحضارات ودرسنا الشرق وألّف الشاعر الروسي العظيم نيكولاي جوميليوف أنشودات ملهمة تمجِّد أفريقيا، لكن بعد ذلك أسر الغرب وعينا، هذا هو التسمم الغربي والاتكالية الإدمانية على الغرب. أطلق الفيلسوف الإيراني أحمد فارديل على هذه الظاهرة تسمية: "التسمم الغربي".
أول من ناهض هذا التحول للحضارة الروسية صوب الغرب هم الأوراسيون الأوائل، وطالبوا -مثل أنصار النزعة السلافية- بالتحول إلى هويتهم الروسية ذاتها وكذلك إلى الحضارات والثقافات غير الغربية، هذا هو المخرج الوحيد أمام روسيا الآن. لا يوجد أمام روسيا الآن سوى بريكس ومنظمة شنجهاي للتعاون وتطوير علاقاتها بأقطاب جديدة في العالم، بالحضارات الناشئة التي بدت منسية منذ زمن طويل لكنها تعود اليوم إلى صدر التاريخ.
لا ينتهي العالم أو الإنسانية بنهاية الغرب؛ على النقيض، إنها بداية جديدة، كانت فكرة مكانة روسيا في أوراسيا لا في الغرب مسألة اختيار سابقًا، أما الآن فهي أمر لا مفر منه. كل شيء الآن يعتمد على كيفية بناء العلاقات مع الصين أو الهند أو تركيا أو إيران أو الدول العربية أو الدول الأفريقية واللاتينية.
هذا هو المستقبل القادم الذي لم يحل بعد، إنه موجود بالفعل ولكن النخبة ترفض قبوله، وفي الآن ذاته ليس لديها حل أو اختيار آخر. حتى الخيانة، وهو أمر غير مرجح، لن تغير شيئًا سوى تدمير روسيا فورًا، لم يعد هناك الآن مثل هذا الخيار الآن، لا مفر من عمليات التطهير الضرورية جدًا، ومع ذلك لم تبدأ بعد، لكنها ستبدأ لا محالة، وهي ليست المسألة الأولى الآن ولا حتى الثانية، عبثًا تشعر النخبة اليوم بالقلق من الاستقالات والاعتقالات، كل من لا يؤيد السيادة الأوراسية قد انتهى أمره بالفعل، هذا أمر غير قابل للمناقشة.
لكن السؤال الآن مختلف: كيف يمكننا الدفاع عن روسيا وإعادة بناء روسيا المرحلة الثالثة؟ الحياة هي التي تملي علينا ماذا يجب أن نفعل، لكن من يفعل ذلك وكيف ومن أين يبدأ وماذا يختار كأولوية، كل هذه أسئلة مطروحة، وهنا يصير كل شيء أعقد.
أظن أننا في حاجة إلى البدء بالقمة، بالأيديولوجيا. كل شيء آخر ثانوي، شيء ما في داخلي يخبرني أن من في السلطة الآن، المسؤولون حقًا عن مصير البلد والشعب، يفكرون في الأمر ذاته.
ألكسندر دوجين عالم سياسي وعالم اجتماع ومترجم
ترجمة خاصة لـ "عمان"