ترجمة : أحمد شافعي -

"نحن مصنوعون مما صنعت منه النجوم". حينما قال عالم الفلك كارل ساجان تلك المقولة الشهيرة كان يذكِّر الناس بأن أغلب ما في أجسامنا من مادة إنما خلقت داخل النجوم قبل زمان بعيد. كان يريد من الناس أن يعرفوا أننا كائنات رائعة وأن قصتنا رائعة أيضًا.

اتخذت قصة الإنسانية منعطفا جديدا ومثيرا للاهتمام حينما رجعنا بالزمن لثلاثة عشر مليار سنة. فبعد ما يزيد على العقدين من التصميم والتخطيط، أطلقت ناسا في يوم الاثنين [الحادي عشر من يوليو الجاري] الصورة الأولى التي التقطها تلسكوب جيمس ويب الفضائي وكشفت عن أعمق رؤية تحت حمراء للكون على الإطلاق. وهذه الصورة عميقة المدى أكثر تفصيلا بكثير من الصور السابقة التي التقطها تلسكوب هابل. وها نحن مرة أخرى نحملق في الكون في إجلال ورهبة.

ومع أن في الصورة عددا قليلا من النجوم الدخلية، فإن كل نقطة فيها تقريبا تمثل صورة مجرة. ولكي أمنحكم تقديرا للحجم، فلو أنك أمسكت حبة رمل وفردت ذراعك على آخره إلى أعلى، فتلك الحبة هي حجم الرؤية. هو جزء صغير من كوننا، مليء بآلاف المجرات، وفي كل منها مليارات أو ترليونات الأنظمة النجمية، وفي كل نظام كواكبه.

في يوم الثلاثاء، أطلقت ناسا المزيد من الصور التي التقطها التلسكوب، ومنها صور لموجات كارينا وحلقة نيبولا الجنوبية وكذلك تجمعات بارزة لمجرات.

وتابع العالم كله نشر هذه الصور. ومثل هذه اللحظات نادرة، لا لأن مثل هذه التلسكوبات بما لها من قوة نادرة ومتباعدة، ولكن بسبب ندرة هذه التجارب الجماعية، وبخاصة الإيجابي منها. وتلك مأثرة استكشاف الفضاء، وذلك ما يفعله حقًا: يذكِّرنا بالرابط الأصيل القائم في ما بيننا. وقد تؤدي مشاهدة مثل هذه الصور أيضا إلى إحساس عميق بالتفاهة، إذ تؤدي إلى إحساس بالتناسب وفهم لمدى صغرنا على هذا النطاق الهائل.

نعتمد ـ نحن المحصورين في أجسامنا وكوكبنا ـ على التلسكوبات والمركبات الجوالة والرحلات الكوكبية وما شاكلها لتوسيع مدانا إلى ما يتجاوز جيرتنا الكونية الضئيلة. وبهذه الصور الجديدة استهل جيمس ويب عصرًا جديدًا من الاستكشاف.

وللتلسكوب مهام كثيرة، غير أن أبرزها ربما يتمثل في أنه سوف يحملق في الفضاء بحثًا عن أدلة على وجود حياة. وسوف يفعل ذلك من خلال الشخوص إلى المجالات الجوية للكواكب، التي تدور حول نجوم أخرى.

يمتلئ كوننا بالغبار والغاز، لذلك يحتاج العلماء إلى ضوء الأشعة تحت الحمراء، وهو طول موجي يسمح لنا بتجاوز تلك المادة المزعجة، لنرى من خلالها. وبرغم قوته التي تسمح له بالنظر في أعماق الكون، فسوف يهدف هذا التلسكوب إلى حل ألغاز في أنظمتنا الكوكبية، ومنها نظامنا الشمسي، إذ تقول ناسا إنه سوف "ينظر إلى ما وراء عوالم نائية تدور حول نجوم أخرى ويستكشف البنى والأصول الغامضة لكوننا ومكاننا فيه".

تظهر صور المدى العميق لحظة متجمدة من الزمن، حيث تلتف مجرات حول بعضها بعضًا، وتتأرجح شاقة بأذرعها العامرة بالنجوم غبار بعضها بعضا في رقصة باليه عنيفة. تولد نجوم، وتلد أنظمة شمسية جديدة مليئة بالكواكب، ويتألق وهج مجرِّي على الشاشة كأنه نثار فرشاة رسم كونية. وكل ذرة ضوء في تلك الصورة، وكل بقعة دوامية من اللون تحتوي ضمنيا ترليونات الكواكب التي يتماثل كثير منها مع كوكبنا.

قال كارل ساجان: إن "جزءًا من كينونتنا يعرف أننا قادمون من هذا المكان. ونتوق إلى الرجوع إليه". ولعل هذا هو السبب في شعورنا البالغ بالصغر إذ نحملق في المحيط أو عند النظر في الصور الكونية. والتلسكوبات تتيح لنا النظر إلى الماضي السحيق، إلى أولى أيام قصتنا وإلى أسئلة أكبر نطرحها على أنفسنا منذ بداية التاريخ الإنساني: كيف؟ ولماذا؟ وهل نحن وحدنا؟

إن البشر هم مستكشفو الطبيعة، ولا عجب أننا فور أن تمكنا من استكشاف النجوم، بادرنا إلى استكشافها. فعلى مدار آلاف السنين نقش البشر صورا للنجوم على الصخور ورسموا المجموعات النجمية على جدران الكهوف. وإننا نرفع أبصارنا إلى أعلى، فلا تكون نظراتنا هذه غير صدى لنظرة كونية متأصلة في عظامنا ودمائنا وتاريخنا.

ونحن حين نرفع أبصارنا، إنما نرفعها لننظر إلى أنفسنا. ولقد قال دكتور كارل ساجان مرة "إننا وسيلة الكون إلى معرفة نفسه" وهذا صحيح أشد ما تكون الصحة. فنحن نتوق إلى أن نفهم لماذا نحن هنا وإلى أن نجد المعنى في عالم كثيرا ما يصعب حدس المعنى فيه. والتلسكوبات الشبيهة بجيمس ويب تذكرنا أنه على الرغم من التحديات الخاصة التي نواجهها على الأرض، تبقى إمكانية الترابط قائمة.

الآن وقد صار جيمس ويب متصلا بالإنترنت، ويعمل ويبعث صورا استثنائية، فليس بوسعنا فقط أن نستمر في طرح الأسئلة العويصة، بل ويمكن يوما ما أن نعثر على إجابات لها. وأن نفهم بيئتنا على هذا النحو يعني أن نفهم أنفسنا. وأن نحملق في الكون يعني أن نحملق في تاريخنا. فهذه الذرات المدومة الغريبة من المجرات تمثل جزءا من ماضينا، قد يكون الوصول إليه أقل يسرا علينا ولكنه يبقى شديد الأهمية.

نعم، نحن مصنوعون مما صنعت منه النجوم، وربما الأمر يفوق ذلك. نحن لسنا محض بشر محصورين في كوكب صخري أزرق في مجرة. إنما نحن الكون نفسه الذي نعده وطننا.

* شانون ستيرون متخصصة في الكتابة العلمية والفضائية

ترجمة خاصة لـ عمان عن "نيويورك تايمز"