برلين «د.ب.ا»:يستلقي جوتز راوش على بساط يفترش أرضية ورشته، في بلدة لونو شتايسنهاجن الكائنة بولاية براندنبرج الألمانية، وينقر برفق على أوتار مثبتة في صندوق خشبي مستطيل الشكل، يضعه على ساقيه.

وتنتج عن هذا النقر ذبذبات تصنع دندنة تثير الهدوء والاسترخاء في النفس، ثم يستخدم راوش –المتخصص في صناعة الآلات الموسيقية- يده الأخرى لضبط شيء ما أسفل الصندوق، مما ينجم عنه صدور صوت هادئ كالترنيم.

ويطلق راوش على هذا الصوت الناعم اسم «كوتامو»، ويقول إنه «مزيج بين ثلاث أدوات مختلفة».

ولا يحتاج راوش إلى أية نوتة موسيقية، لكي يبدع الأنغام المهدئة، التي تنبعث من آلته الموسيقية المركبة، ويقول: «هذا هو الشيء الرائع في الآلات الموسيقية العلاجية، فيمكنك العزف عليها بدون أن تتلقى دروسًا تعليمية مطولة، وهي تتيح منفذًا تصل منه إلى الروح».

وهذا هو السبب في أن هذه الآلات الموسيقية الخشبية العجيبة تتميز بتعدد الاستخدامات، حيث يمكن استخدامها في أماكن مختلفة مثل المستشفيات ومنشآت الأطفال، ومدارس الموسيقى، وممارسات العلاج النفسي أو الطبيعي.

وأمضى راوش الأعوام الخمسة الماضية، في تصنيع 20 آلة مختلفة في ورشته الكائنة في المنطقة الريفية من ولاية براندنبرج، وهي الولاية الألمانية التي تحيط بالعاصمة برلين، وهذا الفنان الذي ينحدر من مدينة هامبورج، تعلم فنون الصنعة منذ 25 عامًا في برلين.

وفي ذلك الزمن كان معلمه من بين أفراد قلائل، يعلمون كيفية صناعة الآلات الموسيقية المستخدمة في العلاج وفقًا لقوله، والآن صار يوجد في ألمانيا نحو 20 متخصصًا في هذه الحرفة.

وتم في المقام الأول إجراء بحوث مستفيضة حول فوائد العلاج بالموسيقى، كما انتشرت المعرفة بها على نطاق واسع، ويتم تدريب المزيد من ممارسي العلاج عن طريق الصوت.

وعلى سبيل المثال تقول البروفسور سوزانا باور: إنه يمكن الحصول على درجة الماجستير في العلاج بالموسيقى، على مدار ستة فصول دراسية بجامعة برلين للفنون، ويلتحق بهذه الدراسة 14 طالبًا كل عام، ويدرس بهذه الجامعة حاليًا 42 طالبًا يؤهلون أنفسهم ليصبحوا ممارسين للعلاج بالموسيقى.

وتدرس سبع جامعات العلاج بالموسيقى في مختلف أنحاء ألمانيا، وفقًا لبيانات الجمعية الألمانية للعلاج بالموسيقى.

وتوضح المديرة التنفيذية للجمعية جوديث برونك أن مجموعة عمل فيدرالية، قامت بطرح إجراءات خاصة بها لتنظيم أحوال المهنة وممارسيها، مشيرة إلى أنه لم يتم بعد تصديق الحكومة على القواعد الحاكمة للتنظيم، وتقول: «وبالتالي أصبح في السوق للأسف، ممارسون للعلاج بالموسيقى مشكوك في قدراتهم».

والعلاج بالموسيقى هو نظام علمي يتم توجيهه بالممارسة، يستخدم في العلاج النفسي للأطفال والمراهقين، أو في طرق تدريس الأساليب العلاجية، أو عند التعامل مع مرضى الخرف.

ويوضح الطبيب النفسي ببرلين جيرهارد توشي، أن الطريقة التي بعمل بها تتمثل في أن يستلقي المريض على أريكة تصدر نغمات صوتية، ويمتص جسمه الأنغام الموسيقية مباشرة، عن طريق الذبذبات والاهتزاز، كما يعمل مع مقياس لدرجة الصوت يوضع على البطن، وهو مكان يكون لدى الناس فيه مستقبلات ذات حساسية بالغة.

ويقول توشي الذي عمل في مجال العلاج بالأصوات على مدار 30 عامًا: إن «الاهتزاز يؤدي إلى الاستمتاع بتجربة سعيدة حقًا، الأصوات أحادية الوتر لها تأثير منسجم بشكل واضح، ويمكن أن تؤدي إلى تحسين الإحساس الأساسي للحياة».

ويقول: «إن حاسة السمع لها معنى يفوق ما ندركه، وهذه الخاصية تبدأ مع الجنين داخل الرحم، وهذه خبرة الصوت تخزن في ذاكرة المرء».

ومن ناحية أخرى، يبيع راوش آلاته الموسيقية في مختلف أنحاء العالم، ويؤكد أن هناك اهتمامًا بالغًا بها، ويضيف: «إن مجموعة العمل الخاصة به لا تستطيع تلبية كل طلبات شراء الآلات».

ويتضمن الفريق العامل معه صانع لآلة البيانو، وفني صوت، وبالرغم من الطلب الكبير على آلاته، لا يعتزم راوش التوسع في عملياته.

ويقول: «إن توسيع نشاطي لا يجعلني أكثر سعادة، إنني سعيد بما تسير عليه الأمور حاليًا».

وهو يعيش مع 40 من أعضاء آخرين بنظام تعاوني، في ضيعة سابقة بقرية، أصبحت الآن مكانًا يستضيف كثيرًا من مصنعي الآلات الموسيقية والفنانين.

وتستغرق عملية صنع آلات راوش الموسيقية يدويًا كثيرًا من الوقت، وتمر بخطوات لا حصر لها، وباستخدام مكونات منتقاة حسبما يقول.

ويعرب راوش عن أسفه بسبب تقلص أعداد الشباب الراغبين، في تعلم مهنة صناعة الآلات الموسيقية المستخدمة في العلاج، ويقول: «لم يطلب مني أحد حتى الآن أن أعلمه فنون الصنعة».

ويرى راوش أنه لا يمكن تصور حياة بدون موسيقى.

كما يمكنه أن يعزف على الجيتار، ويمكنه أيضا العزف بعفوية بدون استخدام نوتة موسيقية، وأحيانًا يقوم بجولة مع فرقته.

ويوضح راوش قائلا: «يتمثل منهاجي في جعل الموسيقى متاحة لكل فرد، حتى بدون تعلم العزف على آلة موسيقية أولا، إن الصوت هو الذي يصنع الموسيقى، وهو خبرة حسية يستطيع أي شخص أن يدركها بالفعل».