تتردد الحكومات كثيرا في تبني إصلاحات جذرية في وضع المالية العامة، وذلك نظرا لتوقع ألا تلقى إجراءات الضبط المالي التفهم والقبول المطلوب من قبل المجتمع، حيث إن الإجراءات تشتمل عادة على خفض ملحوظ في الإنفاق العام، بمكونيه الرئيسيين الجاري والرأسمالي، واستحداث مصادر دخل جديدة لزيادة إيرادات الخزينة العامة، وقد تمتد الإجراءات إلى خفض أعداد العاملين في القطاع العام وتعديل الأجور وغيرها من أوجه الإنفاق ذات البعد الاجتماعي. ونظرا لأن الإصلاح الجذري للوضع المالي له كلفته السياسية والاجتماعية -التي قد تكون باهظة- فإن اتخاذ القرار بالشروع فيه يتطلب شجاعة وتغليبا صادقا للمصلحة الوطنية بعيدة المدى.
وقد أشارت الكثير من التجارب المعاصرة (مثل دول عدة في أمريكا اللاتينية وإفريقيا في الثمانينيات من القرن المنصرم وبعض الدول الآسيوية وروسيا وتركيا في أواخر التسعينيات ومطلع القرن الحالي) إلى أن ضعف همة الحكومات عن تشخيص المعضلة وعدم الإقدام على تعاطي الدواء الضروري في الوقت المناسب قد يقود إلى اضطرار الدولة للخضوع لمشرط الجراحين المتخصصين في المؤسسات المالية الأجنبية وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، وذلك عندما تُقفل الأبواب أمام طلبات الدولة للمزيد من القروض اللازمة لتأجيل مواجهة الأزمة. وبذلك، تذعن الدولة لضوابط برامج التقشف المفروضة والتي تكون أثمانها -عادة- ثقيلة.
تسقط الدول في منحدر الضائقة المالية لأسباب عدة منها الالتزام بنفقات مالية كبيرة - لفترة زمنية ممتدة نسبيا- تتجاوز قدرة منظومتها الاقتصادية على جني إيرادات مالية للخزينة العامة توازي أو تفيض عن مقدار الإنفاق الملتزم به. ويحدث ذلك مثلا نتيجة للدخول في حروب وصراعات باهظة الكلفة ماليا، طبعا بجانب كلفة الفقد الإنساني والاجتماعي. ومن الأمثلة على ذلك، حرب فيتنام التي جعلت الخزينة العامة الأمريكية ترزح تحت أعباء خلل مالي ثقيل هز كيان الدولة الاقتصادي والسياسي، وكاد أن يقوّض قدرة المنظومة الرأسمالية كلها على البقاء. وقبل ذلك، فإن التكاليف المالية للحرب العالمية الثانية قد أسفرت عن خروج بريطانيا منها مفلسة ضعيفة وآذنت بزوال الإمبراطورية التي كانت لا تغيب عنها الشمس. أما بالنسبة للبلدان النامية، خاصة تلك التي ما زالت قواعدها الاقتصادية تعتمد على تصدير المواد الأولية (الخام)، فإن التغيّرات في مقدار الطلب الخارجي على تلك السلع الخام وانعكاس ذلك على أسعار بيعها تقود إلى أن تتقلب تلك البلدان بين حالين: رخاء هش يتبعه تقشف خانق، وهكذا. وبحكم أن استمرار اعتماد اقتصاد أي دولة على تصدير المواد الخام يعكس طبيعة هيكلها الإنتاجي ومرحلة التنمية التي تمر بها، فإن ذلك أصبح مؤشرا على عدم تقديم التضحيات اللازمة لإدارة تغيير حقيقي يسمح للدولة بالانطلاق بعيدا عن بوتقة الدول النامية ذات الأسس الاقتصادية الهشة.
ورغم أن مرور عقود من الزمن من الاعتماد شبه المطلق على عوائد الريع، يتوقع أن يقود إلى إدراك أن أسعار الخام محكومة بدورة متصلة من الصعود والهبوط، وأن الحكمة تقتضي أن لا تغتر الدول بفترة الطفرة في الأسعار وأن لا تلزم نفسها بنفقات مالية من الصعب الوفاء بها عند انحدار أسعار النفط، إلا أن الواقع يشهد ذلك. كما أنه أصبح من المعتاد التعامل مع تراجع أسعار الخام على أنه مجرد حدث عابر سوف يتبعه ارتفاع قريب في أسعار الخام. وإبقاء الأمور مستقرة من خلال الإجراءات المعتادة المتمثلة في خفض النفقات، وخاصة الإنفاق الرأسمالي الذي ترتفع مخصصاته في سنوات ارتفاع أسعار الخام. وقد أثبتت التجارب أن غالبية الإنفاق المذكور لا ينجم عنه تنويع فعلي للقاعدة الإنتاجية في الاقتصاد. بل يكون -في الغالب- عبارة عن مشاريع في البنية الأساسية لا تدر عوائد جديدة للدولة بشكل مباشر أو مشاريع إنتاجية متفرقة محدودة الأثر أو تكون مجرد «أفيال بيضاء» وفق مصطلحات علوم اقتصاديات التنمية والإدارة. أي أنها مشاريع ذات صبغة تطويرية ليس لها أثر اقتصادي مواز لكلفتها الاستثمارية من ناحية تنويع مصادر الدخل وتوفير فرص العمل. وبالتأكيد فإنها لا تسهم في دعم صلابة الوضع المالي للدولة في الدورة التالية من انحدار الأسعار. بل قد تتحول تكاليفها التشغيلية إلى عبء إضافي على موارد الدولة. وبذلك تغذي هذه النوعية من الممارسات صورة «الدولة الرخوة» وفق تعريف الاقتصادي السويدي جونار ميردال أي الدولة غير القادرة على الدفاع عن المصالح العليا لشعوبها.
وإذا استطال ليل الأزمة المالية وتبدى ثقلها، فإنه يتم الاضطرار إلى إجراء مراجعات في بعض النفقات الجارية بانتظار الشروق القريب في أسعار الخام. وسرعان ما يتم الارتداد عن مجمل سياسات الترشيد التي اتبعت في فترة الأزمة مع تصاعد إيرادات بيع برميل الخام، وتسجيل الاقتصاد معدلات نمو إيجابية تحظى بإشادات المنظمات الدولية. وبدورها، تتصاعد وتيرة الإنفاق العام . وحينها، يتم التغافل عن حقيقة أن كل الرخاء المعاش (وهم الثراء) لا يعكس تغيّرا فعليا في القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الوطني.
إن الالتزام بإجراء إصلاح جذري في الوضع المالي لا يتطلب -في جوهره- إلا قرارا حازما مسندا بفريق من الفنيين المختصين يقوم بتحديد البنود القابلة للترشيق في جزئية الإنفاق والمتاحة للتحصيل في جزئية الإيرادات غير الريعية. وتكمن الصعوبة في القرارات ذات العلاقة بالسياسة المالية في ضرورة توفر درجة عالية من الجرأة لدى متخذ القرار في الوقت الحرج. وبالتأكيد فإن مدى ثقل وصعوبة تبني التوجه المذكور قد لا ينعكس بوضوح بعد أن يرى الجميع ثمار القرار لاحقا والمتمثل في ما تمكنت الدولة من تحقيقه من مكاسب. وما نراه اليوم في دول مثل لبنان وسيريلانكا وما عانته من قبل شعوب الأرجنتين وتركيا واليونان وغيرها إلا مشهدا منظورا من بعيد بينما المعاناة الواقعية -بلا شك- تكون أشد مرارة ومأساوية.
وفي المقابل، فإن صعوبة إصلاح وضع الهيكل الاقتصادي تنحصر أساسا في الصعوبة الفنية في التنفيذ والتمكن من إدارة التغيير باقتدار ومهارة. ولو كان الأمر يسيرا لرأينا أمما عديدة تتزاحم ليس فقط في الانضمام إلى ركب الاقتصادات ذات الأداء العالي المتواصل لعقدين وأكثر بل كذلك في الوصول سريعا إلى مرحلة التنمية المستدامة التي ينشدها الجميع. فاستراتيجيات وخطط التحول الاقتصادي أصبحت فصولا رئيسية في البرامج السياسية المألوفة لحكومات دول نامية ومتقدمة على السواء. إلا أن إرادة النهوض وتغيير مسيرة التنمية تتطلب الكثير من التضحيات المؤطرة برؤى واقعية والمبنية على ممارسات واعية وحصيفة. ولذا لا ينال حظوة الوصول إلا الأمم الراسخة في العزيمة والعمل والعلم.
وقد أثبتت التجارب التنموية الناجحة أهمية وجود قيادة حاضرة بقوة في المشهد العملي. كما يتطلب الأمر أن تكون تحت يد القيادة منظومة إدارية فاعلة لا تقوم بوضع الرؤى والأطر العامة لمستقبل البلدان والمجتمعات فحسب، بل الأهم أن يمتلك فريق العمل التنفيذي المعرفة والبصيرة والحزم للدخول في تفاصيل الخطط التنفيذية والإجرائية والتدخل الفوري لحل المعضلات ومواجهة التحديات المتوالية وتوظيف ذلك بشكل مؤسسي في توسيع طاقات العمل والإنتاج. وأن يكون الفريق المذكور قادرا على متابعة خطوط متوازية ومتقاطعة من منظومات العمل الأساسية المتناغمة، يترافق ذلك مع تفعيل منظومة الممكنات التي تتوزع على خريطة واسعة من الأنشطة، حيث تشمل تقييم آليات وطرق الإنتاج الراهنة في مختلف القطاعات ومنها القطاعات ذات المصادر الريعية والعمل على رفع كفاءتها وتحسين القيمة المحلية المضافة من خلال ربطها وتشبيكها مع أنشطة رديفة تتغذى منها في مرحلة الولادة والنشأة حتى يشتد عودها وتزاحم لتأكيد دورها. فمنظومة الإنتاج اليوم تعتمد بشكل متزايد على العلاقات التشابكية أي الروابط الأمامية والخلفية بين الصناعات والخدمات المختلفة لتخلق سلاسل تزويد وتوظيف خلاقة وكفؤة. فمن النادر أن تكون هناك سلعة معمرة واحدة يتم تصنيعها من قبل وحدة إنتاجية مكتفية بذاتها بل تتم عملية التصنيع من خلال الاعتماد على منتجات وخدمات مزودين متعددين (على سبيل المثال، فإن شركة التقنية الأمريكية المعروفة أبل تستخدم في أجهزتها منتجات أكثر من 200 مزود يمتلكون أكثر من 650 موقعا إنتاجيا تتوزع في بقاع الأرض. والأمر نفسه بالنسبة لشركة صناعة السيارات الكورية كيا التي تعتمد على 450 مزودا). وبالتأكيد، فإن التمكن من إدماج شركات محلية في سلاسل الإنتاج والتزويد الدولية سوف يكون مدخلا حيويا في مسار التنويع المأمول.
وبجانب وجود فريق العمل التنفيذي المنتقى والمُمكّن والخاضع للمساءلة، فإن الركن الأهم يتمثل في التمكن من استشراف حاجة التنمية من القوى العاملة الوطنية المؤهلة. وقد أشارت عدة مراجعات ودراسات علمية وطنية ودولية إلى أن نقص الكوادر البشرية المؤهلة كان التحدي الأكبر في وجه نجاح جهود تنموية سابقة.
وعليه، فإن توفر بيانات دقيقة وآليات استشراف ممنهجة عن التحولات الديموغرافية للسكان وأوضاع رأس المال البشري المتوفر في البلاد وإمكانياته وتوجهاته ومواءمتها مع توجهات الاقتصاد سوف لن يكفل تحقيق مستوى عال من التشغيل الكامل للقوة البشرية فقط بل يضمن تنافسية وكفاءة الاقتصاد الوطني ككل ودفعه قدما في مسار التنمية المستدامة. ويستكمل ذلك بالعمل الجاد في بناء القدرات البحثية وتسخير الموارد لها وربطها باحتياجات الاقتصاد ومؤسساته المنتجة، وتفعيل علاقات الجوار والشراكة بهدف تعظيم القدرة الإنتاجية التنافسية وجني أرباح اقتصادية، وتقييم إمكانيات جذب الاستثمار وجهود نقل وتوطين التقنية لتصب في خلق روافد جديدة للدخل القومي. إضافة إلى ذلك، فإنه من المهم تأطير عمل مؤسسات القطاع الخاص من أجل الحد من النزعة الريعية وتجاوز الطبيعة الطفيلية التي اعتاد أن يقتات ملاكه من خلالها، كما أنه من المهم المضي في العمل نحو تحسين كفاءة وحوكمة المؤسسات المملوكة للدولة لتشكل نقاط انطلاق في قطاعات ومنتجات جديدة بعيدا عن التقليدية والريعية.
إن تمكن الوطن من تجاوز المحنة المالية الثقيلة بقدر محسوب من الخسائر يعكس إرادة سياسية حازمة. وبلا شك، فإن الارتفاع الراهن في أسعار الخام لن يحد من الالتزام بمواجهة تبعات فترة الأزمة وعلى رأسها التصاعد المتسارع الذي حدث في أعباء الدين الخارجي وما يعنيه من استنزاف لقدر ملحوظ من موارد البلاد المالية. ومن أجل تجفيف منابع المديونية الخارجية الخطرة، فإنه قد يكون مطلوبا أن تتوفر آليات حوكمة تكبح تسجيل عجوزات مالية متراكمة في المدى المتوسط. إلا أن التحدي اليوم ليس محصورا على ذلك، بل من المهم أن يتم توظيف ما يتم العمل عليه من مبادرات تغيير وتطوير لتصب في مسارين متوازيين من البناء المؤسسي. أولهما: مواصلة العمل الحثيث على إحداث نقلة نوعية في حوكمة وإدارة السياسة المالية لضمان الكفاءة والشفافية. لقد أكدت الأزمة الصحية والمالية التي واجهتها البشرية خلال الفترة الأخيرة الدور الحيوي والمهيمن للسياسة المالية في تمكين الشعوب والحفاظ على مصالحها. فدور السياسة المالية لا يقتصر على تمويل النفقات العامة الاعتيادية بل هو ركيزة محورية في توفير نظم صحية وتعليمية وبنية أساسية ذات جودة عالية تكفل تنافسية الاقتصادات الوطنية. بل أن السياسة المالية هي وحدها القادرة على ضمان قدرة منظومة الحماية الاجتماعية على مساندة شرائح المجتمع ومؤسسات الأعمال في مواجهة تحدي البقاء والعيش الكريم في ظل أزمات عاصفة. وعليه، فإن المطلوب في هذا الجانب هو خطط عمل واضحة لضمان الاستدامة المالية مع توفر منظومة عمل كفؤة وقديرة ضمن منظومة العمل المالي.
وثانيهما: التأكيد على أن غاية المبادرات والتوجهات التي يتم تبنيها هو ضمان أن تحرز البلاد تقدما ملموسا في السعي نحو تنويع مصادر الدخل القومي، وذلك وفق برنامج زمني واضح المعالم وقابل للقياس والمقارنة والتعديل. وعلى هذا الصعيد، فقد يكمن التحدي في تأطير دور السياسة المالية ضمن خارطة السياسة الاقتصادية العامة، بحيث تنصرف مهمة الأولى نحو دعم ومساندة العمل الهادف إلى تعزيز وتيرة النمو في بعض القطاعات الإنتاجية أو إيجاد قطاعات جديدة. وبجانب تسريع الجهود المبذولة لتحسين بيئة الأعمال وتسهيل الإجراءات، فإنه يمكن تحفيز النشاط الاقتصادي من خلال منظومة التعاقدات والمشتريات الحكومية ومن خلال الإسهام في رفد الاقتصاد بالكوادر البشرية المؤهلة وتوفير المنح البحثية والتحفيزية وغير ذلك من أدوار حيوية لا غنى عنها في تمكين الصناعات الوطنية من الارتقاء بقدرتها التنافسية في اقتصاد عالمي متداخل لا تتوانى الحكومات فيه عن إيجاد وسائل تكفل لها تقديم الدعم والمساندة للمؤسسات الإنتاجية والخدمية العاملة فيها. وبدورها، فإن الأنشطة المذكورة سوف تسهم في تعزيز استقرار الأوضاع المالية من خلال زيادة إيرادات الخزينة العامة من الضرائب والرسوم وغيرها من جانب، وتوفير فرص عمل جيدة للمواطنين والإسهام في توسيع طاقة الاقتصاد الوطني وزيادة تنافسية منظومة الإنتاج المحلي وغيرها من جانب آخر.
د.محمد الجهوري باحث اقتصادي عماني
وقد أشارت الكثير من التجارب المعاصرة (مثل دول عدة في أمريكا اللاتينية وإفريقيا في الثمانينيات من القرن المنصرم وبعض الدول الآسيوية وروسيا وتركيا في أواخر التسعينيات ومطلع القرن الحالي) إلى أن ضعف همة الحكومات عن تشخيص المعضلة وعدم الإقدام على تعاطي الدواء الضروري في الوقت المناسب قد يقود إلى اضطرار الدولة للخضوع لمشرط الجراحين المتخصصين في المؤسسات المالية الأجنبية وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، وذلك عندما تُقفل الأبواب أمام طلبات الدولة للمزيد من القروض اللازمة لتأجيل مواجهة الأزمة. وبذلك، تذعن الدولة لضوابط برامج التقشف المفروضة والتي تكون أثمانها -عادة- ثقيلة.
تسقط الدول في منحدر الضائقة المالية لأسباب عدة منها الالتزام بنفقات مالية كبيرة - لفترة زمنية ممتدة نسبيا- تتجاوز قدرة منظومتها الاقتصادية على جني إيرادات مالية للخزينة العامة توازي أو تفيض عن مقدار الإنفاق الملتزم به. ويحدث ذلك مثلا نتيجة للدخول في حروب وصراعات باهظة الكلفة ماليا، طبعا بجانب كلفة الفقد الإنساني والاجتماعي. ومن الأمثلة على ذلك، حرب فيتنام التي جعلت الخزينة العامة الأمريكية ترزح تحت أعباء خلل مالي ثقيل هز كيان الدولة الاقتصادي والسياسي، وكاد أن يقوّض قدرة المنظومة الرأسمالية كلها على البقاء. وقبل ذلك، فإن التكاليف المالية للحرب العالمية الثانية قد أسفرت عن خروج بريطانيا منها مفلسة ضعيفة وآذنت بزوال الإمبراطورية التي كانت لا تغيب عنها الشمس. أما بالنسبة للبلدان النامية، خاصة تلك التي ما زالت قواعدها الاقتصادية تعتمد على تصدير المواد الأولية (الخام)، فإن التغيّرات في مقدار الطلب الخارجي على تلك السلع الخام وانعكاس ذلك على أسعار بيعها تقود إلى أن تتقلب تلك البلدان بين حالين: رخاء هش يتبعه تقشف خانق، وهكذا. وبحكم أن استمرار اعتماد اقتصاد أي دولة على تصدير المواد الخام يعكس طبيعة هيكلها الإنتاجي ومرحلة التنمية التي تمر بها، فإن ذلك أصبح مؤشرا على عدم تقديم التضحيات اللازمة لإدارة تغيير حقيقي يسمح للدولة بالانطلاق بعيدا عن بوتقة الدول النامية ذات الأسس الاقتصادية الهشة.
ورغم أن مرور عقود من الزمن من الاعتماد شبه المطلق على عوائد الريع، يتوقع أن يقود إلى إدراك أن أسعار الخام محكومة بدورة متصلة من الصعود والهبوط، وأن الحكمة تقتضي أن لا تغتر الدول بفترة الطفرة في الأسعار وأن لا تلزم نفسها بنفقات مالية من الصعب الوفاء بها عند انحدار أسعار النفط، إلا أن الواقع يشهد ذلك. كما أنه أصبح من المعتاد التعامل مع تراجع أسعار الخام على أنه مجرد حدث عابر سوف يتبعه ارتفاع قريب في أسعار الخام. وإبقاء الأمور مستقرة من خلال الإجراءات المعتادة المتمثلة في خفض النفقات، وخاصة الإنفاق الرأسمالي الذي ترتفع مخصصاته في سنوات ارتفاع أسعار الخام. وقد أثبتت التجارب أن غالبية الإنفاق المذكور لا ينجم عنه تنويع فعلي للقاعدة الإنتاجية في الاقتصاد. بل يكون -في الغالب- عبارة عن مشاريع في البنية الأساسية لا تدر عوائد جديدة للدولة بشكل مباشر أو مشاريع إنتاجية متفرقة محدودة الأثر أو تكون مجرد «أفيال بيضاء» وفق مصطلحات علوم اقتصاديات التنمية والإدارة. أي أنها مشاريع ذات صبغة تطويرية ليس لها أثر اقتصادي مواز لكلفتها الاستثمارية من ناحية تنويع مصادر الدخل وتوفير فرص العمل. وبالتأكيد فإنها لا تسهم في دعم صلابة الوضع المالي للدولة في الدورة التالية من انحدار الأسعار. بل قد تتحول تكاليفها التشغيلية إلى عبء إضافي على موارد الدولة. وبذلك تغذي هذه النوعية من الممارسات صورة «الدولة الرخوة» وفق تعريف الاقتصادي السويدي جونار ميردال أي الدولة غير القادرة على الدفاع عن المصالح العليا لشعوبها.
وإذا استطال ليل الأزمة المالية وتبدى ثقلها، فإنه يتم الاضطرار إلى إجراء مراجعات في بعض النفقات الجارية بانتظار الشروق القريب في أسعار الخام. وسرعان ما يتم الارتداد عن مجمل سياسات الترشيد التي اتبعت في فترة الأزمة مع تصاعد إيرادات بيع برميل الخام، وتسجيل الاقتصاد معدلات نمو إيجابية تحظى بإشادات المنظمات الدولية. وبدورها، تتصاعد وتيرة الإنفاق العام . وحينها، يتم التغافل عن حقيقة أن كل الرخاء المعاش (وهم الثراء) لا يعكس تغيّرا فعليا في القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الوطني.
إن الالتزام بإجراء إصلاح جذري في الوضع المالي لا يتطلب -في جوهره- إلا قرارا حازما مسندا بفريق من الفنيين المختصين يقوم بتحديد البنود القابلة للترشيق في جزئية الإنفاق والمتاحة للتحصيل في جزئية الإيرادات غير الريعية. وتكمن الصعوبة في القرارات ذات العلاقة بالسياسة المالية في ضرورة توفر درجة عالية من الجرأة لدى متخذ القرار في الوقت الحرج. وبالتأكيد فإن مدى ثقل وصعوبة تبني التوجه المذكور قد لا ينعكس بوضوح بعد أن يرى الجميع ثمار القرار لاحقا والمتمثل في ما تمكنت الدولة من تحقيقه من مكاسب. وما نراه اليوم في دول مثل لبنان وسيريلانكا وما عانته من قبل شعوب الأرجنتين وتركيا واليونان وغيرها إلا مشهدا منظورا من بعيد بينما المعاناة الواقعية -بلا شك- تكون أشد مرارة ومأساوية.
وفي المقابل، فإن صعوبة إصلاح وضع الهيكل الاقتصادي تنحصر أساسا في الصعوبة الفنية في التنفيذ والتمكن من إدارة التغيير باقتدار ومهارة. ولو كان الأمر يسيرا لرأينا أمما عديدة تتزاحم ليس فقط في الانضمام إلى ركب الاقتصادات ذات الأداء العالي المتواصل لعقدين وأكثر بل كذلك في الوصول سريعا إلى مرحلة التنمية المستدامة التي ينشدها الجميع. فاستراتيجيات وخطط التحول الاقتصادي أصبحت فصولا رئيسية في البرامج السياسية المألوفة لحكومات دول نامية ومتقدمة على السواء. إلا أن إرادة النهوض وتغيير مسيرة التنمية تتطلب الكثير من التضحيات المؤطرة برؤى واقعية والمبنية على ممارسات واعية وحصيفة. ولذا لا ينال حظوة الوصول إلا الأمم الراسخة في العزيمة والعمل والعلم.
وقد أثبتت التجارب التنموية الناجحة أهمية وجود قيادة حاضرة بقوة في المشهد العملي. كما يتطلب الأمر أن تكون تحت يد القيادة منظومة إدارية فاعلة لا تقوم بوضع الرؤى والأطر العامة لمستقبل البلدان والمجتمعات فحسب، بل الأهم أن يمتلك فريق العمل التنفيذي المعرفة والبصيرة والحزم للدخول في تفاصيل الخطط التنفيذية والإجرائية والتدخل الفوري لحل المعضلات ومواجهة التحديات المتوالية وتوظيف ذلك بشكل مؤسسي في توسيع طاقات العمل والإنتاج. وأن يكون الفريق المذكور قادرا على متابعة خطوط متوازية ومتقاطعة من منظومات العمل الأساسية المتناغمة، يترافق ذلك مع تفعيل منظومة الممكنات التي تتوزع على خريطة واسعة من الأنشطة، حيث تشمل تقييم آليات وطرق الإنتاج الراهنة في مختلف القطاعات ومنها القطاعات ذات المصادر الريعية والعمل على رفع كفاءتها وتحسين القيمة المحلية المضافة من خلال ربطها وتشبيكها مع أنشطة رديفة تتغذى منها في مرحلة الولادة والنشأة حتى يشتد عودها وتزاحم لتأكيد دورها. فمنظومة الإنتاج اليوم تعتمد بشكل متزايد على العلاقات التشابكية أي الروابط الأمامية والخلفية بين الصناعات والخدمات المختلفة لتخلق سلاسل تزويد وتوظيف خلاقة وكفؤة. فمن النادر أن تكون هناك سلعة معمرة واحدة يتم تصنيعها من قبل وحدة إنتاجية مكتفية بذاتها بل تتم عملية التصنيع من خلال الاعتماد على منتجات وخدمات مزودين متعددين (على سبيل المثال، فإن شركة التقنية الأمريكية المعروفة أبل تستخدم في أجهزتها منتجات أكثر من 200 مزود يمتلكون أكثر من 650 موقعا إنتاجيا تتوزع في بقاع الأرض. والأمر نفسه بالنسبة لشركة صناعة السيارات الكورية كيا التي تعتمد على 450 مزودا). وبالتأكيد، فإن التمكن من إدماج شركات محلية في سلاسل الإنتاج والتزويد الدولية سوف يكون مدخلا حيويا في مسار التنويع المأمول.
وبجانب وجود فريق العمل التنفيذي المنتقى والمُمكّن والخاضع للمساءلة، فإن الركن الأهم يتمثل في التمكن من استشراف حاجة التنمية من القوى العاملة الوطنية المؤهلة. وقد أشارت عدة مراجعات ودراسات علمية وطنية ودولية إلى أن نقص الكوادر البشرية المؤهلة كان التحدي الأكبر في وجه نجاح جهود تنموية سابقة.
وعليه، فإن توفر بيانات دقيقة وآليات استشراف ممنهجة عن التحولات الديموغرافية للسكان وأوضاع رأس المال البشري المتوفر في البلاد وإمكانياته وتوجهاته ومواءمتها مع توجهات الاقتصاد سوف لن يكفل تحقيق مستوى عال من التشغيل الكامل للقوة البشرية فقط بل يضمن تنافسية وكفاءة الاقتصاد الوطني ككل ودفعه قدما في مسار التنمية المستدامة. ويستكمل ذلك بالعمل الجاد في بناء القدرات البحثية وتسخير الموارد لها وربطها باحتياجات الاقتصاد ومؤسساته المنتجة، وتفعيل علاقات الجوار والشراكة بهدف تعظيم القدرة الإنتاجية التنافسية وجني أرباح اقتصادية، وتقييم إمكانيات جذب الاستثمار وجهود نقل وتوطين التقنية لتصب في خلق روافد جديدة للدخل القومي. إضافة إلى ذلك، فإنه من المهم تأطير عمل مؤسسات القطاع الخاص من أجل الحد من النزعة الريعية وتجاوز الطبيعة الطفيلية التي اعتاد أن يقتات ملاكه من خلالها، كما أنه من المهم المضي في العمل نحو تحسين كفاءة وحوكمة المؤسسات المملوكة للدولة لتشكل نقاط انطلاق في قطاعات ومنتجات جديدة بعيدا عن التقليدية والريعية.
إن تمكن الوطن من تجاوز المحنة المالية الثقيلة بقدر محسوب من الخسائر يعكس إرادة سياسية حازمة. وبلا شك، فإن الارتفاع الراهن في أسعار الخام لن يحد من الالتزام بمواجهة تبعات فترة الأزمة وعلى رأسها التصاعد المتسارع الذي حدث في أعباء الدين الخارجي وما يعنيه من استنزاف لقدر ملحوظ من موارد البلاد المالية. ومن أجل تجفيف منابع المديونية الخارجية الخطرة، فإنه قد يكون مطلوبا أن تتوفر آليات حوكمة تكبح تسجيل عجوزات مالية متراكمة في المدى المتوسط. إلا أن التحدي اليوم ليس محصورا على ذلك، بل من المهم أن يتم توظيف ما يتم العمل عليه من مبادرات تغيير وتطوير لتصب في مسارين متوازيين من البناء المؤسسي. أولهما: مواصلة العمل الحثيث على إحداث نقلة نوعية في حوكمة وإدارة السياسة المالية لضمان الكفاءة والشفافية. لقد أكدت الأزمة الصحية والمالية التي واجهتها البشرية خلال الفترة الأخيرة الدور الحيوي والمهيمن للسياسة المالية في تمكين الشعوب والحفاظ على مصالحها. فدور السياسة المالية لا يقتصر على تمويل النفقات العامة الاعتيادية بل هو ركيزة محورية في توفير نظم صحية وتعليمية وبنية أساسية ذات جودة عالية تكفل تنافسية الاقتصادات الوطنية. بل أن السياسة المالية هي وحدها القادرة على ضمان قدرة منظومة الحماية الاجتماعية على مساندة شرائح المجتمع ومؤسسات الأعمال في مواجهة تحدي البقاء والعيش الكريم في ظل أزمات عاصفة. وعليه، فإن المطلوب في هذا الجانب هو خطط عمل واضحة لضمان الاستدامة المالية مع توفر منظومة عمل كفؤة وقديرة ضمن منظومة العمل المالي.
وثانيهما: التأكيد على أن غاية المبادرات والتوجهات التي يتم تبنيها هو ضمان أن تحرز البلاد تقدما ملموسا في السعي نحو تنويع مصادر الدخل القومي، وذلك وفق برنامج زمني واضح المعالم وقابل للقياس والمقارنة والتعديل. وعلى هذا الصعيد، فقد يكمن التحدي في تأطير دور السياسة المالية ضمن خارطة السياسة الاقتصادية العامة، بحيث تنصرف مهمة الأولى نحو دعم ومساندة العمل الهادف إلى تعزيز وتيرة النمو في بعض القطاعات الإنتاجية أو إيجاد قطاعات جديدة. وبجانب تسريع الجهود المبذولة لتحسين بيئة الأعمال وتسهيل الإجراءات، فإنه يمكن تحفيز النشاط الاقتصادي من خلال منظومة التعاقدات والمشتريات الحكومية ومن خلال الإسهام في رفد الاقتصاد بالكوادر البشرية المؤهلة وتوفير المنح البحثية والتحفيزية وغير ذلك من أدوار حيوية لا غنى عنها في تمكين الصناعات الوطنية من الارتقاء بقدرتها التنافسية في اقتصاد عالمي متداخل لا تتوانى الحكومات فيه عن إيجاد وسائل تكفل لها تقديم الدعم والمساندة للمؤسسات الإنتاجية والخدمية العاملة فيها. وبدورها، فإن الأنشطة المذكورة سوف تسهم في تعزيز استقرار الأوضاع المالية من خلال زيادة إيرادات الخزينة العامة من الضرائب والرسوم وغيرها من جانب، وتوفير فرص عمل جيدة للمواطنين والإسهام في توسيع طاقة الاقتصاد الوطني وزيادة تنافسية منظومة الإنتاج المحلي وغيرها من جانب آخر.
د.محمد الجهوري باحث اقتصادي عماني