ظلت هذه الكلمات تتردد على مسامعنا في الوثائقيات مذ كنا أطفالا، ثم رافقتنا في قراءتنا للأدب والسياسة وشتى أفرع علوم الاجتماع والإنسان. والكتاب الذي بين أيدينا اليوم هو كتاب الأمير للسياسي الإيطالي نيكولو ماكيافيللي -حسب نطقه بالإيطالية- بترجمة محمد لطفي جمعة مرفقا بتقديم ودراسة للدكتور ياسر عبدالحسين والذي طبعته دار الرافدين للنشر والتوزيع.

يُشار إلى كتاب الأمير دوما بأنه أحد الكتب الرئيسة في المجتمعات الإنسانية منذ عهد تأليفه إلى يومنا الحاضر، وبدقة أكبر فإنه يشار إلى هذا الكتاب بأنه الكتاب الذي لا غنى عنه لكل من يريد أن يفهم السياسة، حتى أضحت السياسة كعلم وتاريخ مقسّمة إلى عهدين؛ ما قبل الأمير، وما بعده.

استمعت إلى كتاب الأمير مقروءا من إنتاج "المجمع الثقافي في أبوظبي" بقراءة الإعلامي الكبير الراحل "أحمد حمزة" مرات عديدة، كنت خلالها أمسك رأسي دهشة من تطبيق ذلك الكلام القديم في هذا العهد الحديث!. وكانت الأغلفة تتبدل، ولكن السياسات الحقيقية تظل باقية مستمرة. ففي السياسات التي ينبغي على الفاتح (المستعمِر/الغازي) اتباعها مثلا، نجد أن مكيافيللي يقسمها إلى ثلاثة أنواع بأن يقوم الغازي بتدمير البلد المقهور تماما ثم يعيد بناءه، أو أن ينتقل إلى العيش فيه بعد غزوه -الأندلس مثالا-، أو أن يمنحه حرية صورية مقابل جزية يدفعها المقهور للمستعمِر -وهو ما تفعله حاليا القوى العظمى كأمريكا ونظيراتها- فيجد القارئ هذه السياسات حقيقية ماثلة أمام ناظريه.

وإن المرء ليصعق من التشابه البالغ حد التطابق فيما يفعله طغاة الأمس واليوم، حتى ليصدق أن يكون هذا الكتاب منهاجا ومنارا لكل ظالم وديكتاتور يهتدي ويسترشد به. ولكنني رغم ذلك كله، أجد أن قراءة هذا الكتاب صغير الحجم جليل الفائدة قراءة مغايرة، لَتَصِلُ بالمرء إلى الدرجات العلا والمكانة الأسمى؛ ولا يظنن ظان أنني أقول ذلك وأقصد به ما قصده مكيافيللي -وما اشتُهِرَ عنه وبه- بل إنني أقول ذلك لما في الكتاب من أمثلة جيدة تجعل المرء يفهم التاريخ والمجتمع، وكذلك للصفات التي تمنح الأمير وصاحب الهدف النبيل الفضيلةَ وترتقي به. فهو إذن مع ما يصحبه من سوء السمعة؛ إلا أنه يجدر بكل رجل يسعى وتسمو نفسه وروحه إلى الأعمال العظيمة الخالدة أن يقرأ ويُنعم النظر في الكتاب ليستخلص منه ما ينفعه ويترك الضار. ثم إن مكيافيللي نفسه وصف إحدى الشخصيات بقوله أنه لا يستطيع اعتباره من العظماء بسبب أفعاله التي كانت مفتقرة إلى الفضيلة رغم تحقيقه مآربه وأهدافه.

إنني من القائلين بأن على المرء أن يغربل كل شيء تقريبا، فرَغم أننا نسمع دائما المقولة "الغاية تبرر الوسيلة" مرتبطة بمكيافيللي، والصورة المرسومة عنه بأنه ليس سوى وجه آخر للشر؛ إلا أن القارئ المحايد سيخرج من الكتاب بمعارف حقيقية مغايرة للتصورات البدئية، وسيتفهم السبب الذي دعا مكيافيللي إلى كتابة ما كتبه. ولا يمكن بحال أن يُجتزأ النص من موضعه وسياقه، أو أن ننسى الفترة الزمنية التي كُتِبَ فيها النص، أو أن نجهل المؤلِّف والمؤلَّف لأجله الكتابُ أو الموجه إليه.

على العموم ، فإن على المرء الذي يسعى لفهم ما يدور الآن في ساحة السياسة أن يقرأ هذا الكتاب، وعلى من يجد في نفسه توقا إلى الأعمال العظيمة الخالدة أن يقرأه مرتين؛ قراءة تمحيص وفحص، وقراءة استفادة من المفيد النافع له ولأهله ودولته وينبذ الضار نبذا لا رجعة فيه.

ولنتذكر دائما بأن مكيافيللي لم يبتدع تلك الأفعال ، ولا هو من فعلها أو أشار إلى فعلها؛ إنما هو رجلٌ فقيه بالسياسة والتاريخ، درس الوقائع التي عايش وعاصر كثيرا منها وسبكها في كتابه ليحرر دولته من الغاصبين والطامعين.

بعبارة أخرى؛ هو كتاب رجل غيور على وطنه رام نفع وطنه بما يجيده ويحسنه، فانتفع بذلك رجال كثر وأولهم رجال وطنه الذين وُضِع لأجلهم الكتاب. ولا ذنب على من ابتدع شيئا، بما استُعمِلَ فيه ذلك الشيء. ولربما كان هدف من اخترع البندقية -مثلا- أن يحمي وطنه ويطهره من رجس الأعداء، فلا يقع عليه وزر من استعمل البندقية فيما يضر به الآخرين، وهذا ينطبق على كل مبدأ تقريبا.

بعد كتابتي لما سبق، عدت إلى قراءة مقدمة الكتاب والدراسة المرفقة به لياسر عبدالحسين.

وكما ذكرت في مقالي السابق "واسطة العِقد هل لمقدمات الكتب أهمية؟" فإنني دائما ما أعود إلى قراءة المقدمة -حين لا تكون مقدمة المؤلف نفسه- بعد قراءة النص الأصلي والكامل للكتاب. أنقذتني هذه الطريقة دائما من مغبّة قراءة الكتب بعين محققيها/ دارسيها/ مترجميها/ ناشريها وهو ما يجعلنا نقرأ الكتاب من المؤلف مباشرة وكما أراده المؤلف لا أن نقرأه بعينٍ أخرى تخبرنا بما استفادته واستنتجته منه؛ وكما ينصحنا شوبنهاور بقوله "فالأفكار الفلسفية يمكن أن نتلقاها فقط من العقول التي أبدعتها" وهذا ينطبق على كل كتاب في أي مجال كان، فأن تقرأ للمرء خيرٌ من أن تقرأَ عنه.

أقول إن الدراسة الملحقة بالكتاب ذات أهمية ، ولكنها لا تخلو من الأهواء -وهذا مصير كل عمل ثقافي تقريبا- وقد تمنيت لو أن الدراسة جُعِلَت في آخر الكتاب لا في أوله؛ وذلك كي يتسنى للقرّاء أن يقرؤوا الكتاب الذي كتبه مكيافيللي لا الكتاب الذي تمت دراسته بعد أكثر من خمسة قرون. رَغم هذا، فإنني أجدني أتفق وأذهب إلى ما ذهب إليه دارس الكتاب في كثير من النتائج.

تجدر الإشادة بالترجمة الرائعة للكتاب والطباعة الممتازة -وإن كانت لا تخلو من أخطاء لغوية- وبالدراسة المرفقة التي تنقسم إلى عمل جاد تماما وآخر فيه شيء من التحيّز.

* علاء الدين الدغيشي كاتب عماني