بنهاية 2021 تخطى الاقتصاد تبعات الجائحة ويستعد لمواصلة نمو إيجابي يفوق ما قبل الجائحة ويصل بالناتج المحلي إلى مستوى قياسي

ترصد الإحصائيات النمو الكبير لمختلف الأنشطة الصناعية بدعم من الصناعات التحويلية وصناعة البتروكيماويات مع دخول مشروعات مهمة حيز التشغيل

باستثناء قطاعي الإنشاءات والخدمات المالية المقدرة بطريقة غير مباشرة، شهدت كافة الأنشطة والقطاعات الاقتصادية الأخرى نموا بمعدلات مرتفعة

توقع تواصل نمو قطاع الخدمات في ظل تعافي السياحة وجاذبيتها للاستثمارات الأجنبية والاستراتيجيات التي تستهدف زيادة مساهمة أنشطة مثل اللوجستيات


مع ارتفاع الناتج المحلي إلى 9.5 مليار ريال عماني بنهاية الربع الأول من العام الجاري، يمهد هذا الارتفاع لتحقيق وربما تجاوز معدلات النمو الاقتصادي المتوقعة لهذا العام بناء على التطورات الإيجابية التي يشهدها الاقتصاد في سلطنة عمان، والتي ساهمت في تضاعف معدل النمو المتوقع هذا العام، وفي حال استمرار النمو بنفس معدلاته الحالية قد يقترب الناتج المحلي الإجمالي من أعلى مستوى له على الإطلاق بنهاية العام الجاري.

وسجل إجمالي الناتج المحلي بالأسعار الجارية لسلطنة عمان نحو 33 مليار ريال بنهاية العام الماضي، وقد حقق نموا فعليا بنحو 3 بالمائة ونموا بالأسعار الجارية بنسبة 16 بالمائة ونجح من خلال نسبة النمو هذه في التعافي الملموس من تبعات الجائحة وتأثيرات التراجع الحاد للنفط وهما عاملان أساسيان دفعا الاقتصاد للتراجع خلال عام 2020، ووفق إحصائيات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات سجل الناتج المحلي في عام الجائحة تراجعا بنسبة 16 بالمائة بالأسعار الجارية وبنسبة 3.2 بالمائة بالأسعار الثابتة، وانخفض نمو القيمة المضافة للأنشطة غير النفطية بالأسعار الجارية بنسبة 10.4 بالمائة. ومع النمو المحقق العام الماضي فقد تخطى الاقتصاد بالفعل تبعات الجائحة ويستعد لمواصلة النمو الإيجابي إلى مستويات تفوق معدل النمو ما قبل الجائحة وتصل به إلى مستوى قياسي.

وترصد الإحصائيات الخاصة بالنمو خلال الربع الأول من هذا العام عددا من التغيرات المهمة منها النمو الكبير لمختلف الأنشطة الصناعية بدعم من الصناعات التحويلية وصناعة البتروكيماويات، والنمو الجيد أيضا للأنشطة الخدمية والتي تشمل قطاعات مثل السياحة والنقل والاتصالات وغير ذلك من الخدمات ومن المتوقع أن يتواصل نمو قطاع الخدمات في ظل تعافي قطاع السياحة وجاذبية القطاع الكبيرة للاستثمارات الأجنبية فضلا عن الاستراتيجيات التي تستهدف رفع مساهمة قطاع اللوجستيات في النمو الاقتصادي بما ينعكس إيجابا على قطاع النقل والمواصلات.

وحسب بيانات النمو للربع الأول، تعادل مساهمة الأنشطة النفطية في الناتج المحلي 3.4 مليار ريال وارتفع نموها بنسبة 69 بالمائة مقارنة مع نفس الفترة من العام الماضي، وذلك على خلفية الارتفاع الكبير في أسعار النفط العالمية والذي أدى إلى تحسن كبير في الوضع المالي والتصنيف الائتماني لسلطنة عمان، وأتاح توجيه جانب من فائض العائدات النفطية لتحفيز الاقتصاد ودعم النمو، وترصد الإحصائيات أيضا مساهمة كبيرة للأنشطة غير النفطية في النمو، وقد ارتفعت مساهمتها في الناتج المحلي إلى ما يعادل 6.3 مليار ريال عماني بنسبة نمو 8.9 بالمائة، وباستثناء قطاعي الإنشاءات والخدمات المالية المقدرة بطريقة غير مباشرة، شهدت كافة الأنشطة والقطاعات الاقتصادية الأخرى نموا بمعدلات مرتفعة، وكان قطاع الصناعة من بين الأفضل أداء إذ حقق نموا بنسبة 19 بالمائة مقارنة مع نفس الفترة من العام الماضي، وارتفعت القيمة المضافة للقطاع إلى 1.8 مليار ريال عماني بزيادة نحو 293 مليون ريال عماني مقارنة مع نفس الفترة من العام الماضي، وضمن هذه الأنشطة الصناعية صعدت مساهمة الصناعات التحويلية إلى مليار و51 مليون ريال عماني بنسبة نمو 46 بالمائة والصناعات التحويلية الأخرى، وتشمل مصافي تكرير المنتجات النفطية، إلى 585 مليون ريال عماني بنمو 32 بالمائة، وصناعة المواد الكيماوية الأساسية 465 مليون ريال عماني بنمو 70 بالمائة، كما زادت مساهمة أنشطة التعدين والمحاجر إلى 47 مليون ريال عماني بنمو 65 بالمائة، وزادت مساهمة إمدادات الكهرباء والمياه وأنشطة الصرف الصحي إلى 167 مليون ريال عماني بنسبة نمو 7.2 بالمائة، في حين انخفضت مساهمة الإنشاءات بنسبة 11.4 بالمائة بمساهمة 567 مليون ريال عماني في الناتج المحلي الإجمالي.

وسجلت الأنشطة الخدمية نموا بنسبة 5.1 بالمائة بمساهمة 4.2 مليار ريال عماني في الناتج الإجمالي وهي نسبة نمو جيدة للغاية بالنظر إلى حجم المساهمة الكبيرة لهذه الأنشطة، بينما انخفضت مساهمة خدمات الوساطة المالية المقدرة بطريقة غير المباشرة بنسبة 5.8 بالمائة إلى 213 مليون ريال عماني.

جاء زخم النمو خلال العام الماضي من ارتفاع أسعار النفط وحزم التحفيز الاقتصادي والعديد من الإجراءات التي استهدفت تعزيز بيئة الأعمال وزيادة جاذبيتها لدى المستثمرين، وفضلا عما أدى إليه ذلك من تعافي الاقتصاد العام الماضي فقد شهدت الاستثمارات الأجنبية نموا في عام 2021، وحقق نموها صعودا جيدا جدا خلال الربع الأول من هذا العام، حيث زاد حجم الاستثمارات الأجنبية المتراكمة بنسبة 19 بالمائة ليصل إجمالي هذه الاستثمارات إلى ما يقرب من 18 مليار ريال عُماني بنهاية الربع الأول من العام الجاري وهو ما يؤكد التحسن المستمر في بيئة العمال واهتمام الشركات الأجنبية بالاستثمار في القطاعات المختلفة بسلطنة عمان، وهناك ارتفاع جيد في حجم الاستثمارات الجديدة في قطاعات خارج قطاع النفط خاصة السياحة والطاقة المتجددة، وتسعى سلطنة عمان إلى مزيد من تحسين بيئة الأعمال وترويج اكبر للاستثمار، ومن جانبها تعمل وحدة متابعة تنفيذ رؤية عمان 2040 بالتعاون مع الجهات الحكومية المختصة على تطوير ومتابعة تنفيذ عدد كبير من المبادرات والمشروعات في إطار تفعيل أولويات رؤية عمان 2040م والمرتبطة بمحوري "الاقتصاد والتنمية، والحوكمة والأداء المؤسسي" ضمن ثلاثة برامج لتحسين بيئة الأعمال. وتهدف تلك البرامج في مجملها إلى جعل بيئة الأعمال في سلطنة عمان جاذبة ومحفزة لجلب الاستثمارات الوطنية والأجنبية من كافة الجوانب التشريعية والإجرائية. وحسب ما أعلنته وحدة متابعة تنفيذ رؤية عمان 2040م ترتبط برامج تحسين بيئة الأعمال الثلاثة بأولويتي "القطاع الخاص والاستثمار والتعاون الدولي" و"القضاء والتشريع والرقابة". وتتمثل البرامج في "تخطيط وتطوير أدوات الاستثمار وفتح الأسواق" و"تبسيط الخدمات الحكومية ورقمنتها" و"التشريعات والقضاء والرقابة".

والى جانب الاستثمارات الأجنبية والمحلية من قبل القطاع الخاص، تقدم الاستثمارات الحكومية تحفيزا جيدا للنمو الاقتصادي، وحسب التقديرات الأولية التي أعلنتها وزارة المالية في بداية العام الجاري، من المتوقع أن يصل الإنفاق الاستثماري خلال عام 2022 إلى نحو 5 مليارات ريال عماني ويشمل الميزانية الإنمائية للدولة والإنفاق الاستثماري للشركات التابعة لجهاز الاستثمار العُماني وشركة تنمية طاقة عمان، وتتوزع ما بين 900 مليون ريال مخصصات الميزانية الإنمائية، و2.9 مليار ريال عماني من قبل جهاز الاستثمار العماني، و1.2 مليار ريال عماني من قبل شركة تنمية طاقة عمان إضافة إلى الاستثمارات الأخرى التي تتم من قبل القطاع الخاص، وقد رفعت سلطنة عمان ميزانيتها الإنمائية للعام الجاري إلى 1.2 مليار ريال عماني بتوجيهات سامية من جلالة السلطان- حفظه الله- بهدف تحفيز النمو الاقتصادي في إطار التوجه لاستغلال الفوائض المالية المتحققة من ارتفاع النفط في خفض الدين العام وتحفيز الاقتصاد عبر المشروعات الإنمائية ذات الأولوية، ومن المؤمل أن المشروعات الاستراتيجية في سلطنة عُمان ستقود قاطرة النمو خلال المرحلة القادمة خاصة في المناطق الحرة والمنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم بما تتضمنه من مشروعات واعدة إضافة إلى المشروعات المهمة الجديدة في قطاع السياحة خلال العام الجاري والتقدم الكبير في مجال الطاقة المتجددة والطاقة النظيفة البديلة والهيدروجين الأخضر وغيرها من المشروعات التي تحقق التنويع الاقتصادي وتقلل من الاعتماد على الإيرادات النفطية.

ويجد النمو خلال العام الجاري دعما كبيرا من دخول عدد من المشروعات الكبرى حيز العمل من أهمها مجمع لوى للصناعات البلاستيكية ضمن 13 مشروعا افتتحها جهاز الاستثمار العماني عبر شركاته التابعة وتقترب القيمة الاستثمارية للمشاريع من 3.5 مليار ريال عماني، وتتوزع على مجموعة من القطاعات هي الطاقة واللوجستيات والأمن الغذائي والصناعة التحويلية والتعدين والخدمات الصحية والسياحة.

وعلى صعيد الأفاق المستقبلية لنمو الاقتصاد في سلطنة عمان، تبدو النظرة متفائلة من قبل المؤسسات الدولية، وخلال زيارتها الأخيرة لسلطنة عمان أعربت بعثة صندوق النقد الدولي عن تقديرها للجهود التي بذلتها حكومة سلطنة عُمان للتخفيف من آثار جائحة كورونا، ومضيها نحو التعافي والتدابير المالية الموجهة للدعم الاجتماعي ومساعدة الشركات على التعافي الاقتصادي من آثار الجائحة، مثمنة دور إجراءات الضبط التي اتخذتها الحكومة على صعيد المالية العامة، وقد أشار الصندوق إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لسلطنة عمان سجل نموا قدره 3 بالمائة في عام 2021م، وتوقع الصندوق أن يحقق الاقتصاد العماني نموا بمعدل 4.5 بالمائة في عام 2022، وقد سبق ذلك صدور توقعات من البنك الدولي حول نمو متوقع لاقتصاد سلطنة عمان، حيث رفع البنك توقعاته إلى 5.6 بالمائة بحلول نهاية العام الجاري، وقد أشارت وزارة الاقتصاد خلال الأيام الماضية إلى أن الاقتصاد العُماني يتطور وينمو بوتيرة متسارعة نظرا للإجراءات والسياسات المالية والنقدية التوسّعية التي اتخذتها الحكومة مشفوعة بارتفاع إيرادات النفط وقد سجل النمو بالأسعار الجارية نحو 25 بالمائة بنهاية الربع الأول، ومن المتوقع تحقيق نمو حقيقي بنسبة 5 بالمائة بنهاية العام الجاري، وأكدت وزارة الاقتصاد على عدد من التوجهات الثابتة للسياسات الاقتصادية الاستراتيجية منها التركيز على تنويع القاعدة الاقتصادية عبر دعم القطاعات الحالية وإيجاد قطاعات جديدة تعزز النمو، وتوسيع نطاق مشاركة القطاع الخاص ليقود قاطرة النمو الاقتصادي.

وفي إطار تعزيز دور القطاع الخاص في النمو الاقتصادي فقد أعلن جهاز الاستثمار العماني مؤخرا عن بدء مرحلة أولية للتخارج من ستة استثمارات وطنية في قطاعات متنوعة إسهاما منه في تنفيذ أولويات "رؤية عُمان 2040" الرامية إلى تحقيق التنويع الاقتصادي وتقليل الاعتماد على النفط ومواكبةً للتوجه الحكومي نحو تمكين القطاع الخاص من قيادة الاقتصاد العُماني وتعزيز مشاركته في دفع عجلة التنمية.