- 1 -
رغم مرور ما يقرب من 45 عاماً على صدوره؛ ما زال كتاب إدوارد سعيد التأسيسي «الاستشراق» يحظى بالاهتمام والحضور، ويستقطب اهتمام المترجمين في كل اللغات، ومنها العربية.
صدرت الترجمة العربية الأولى من كتاب «الاستشراق» عن مؤسسة الأبحاث العربية (بيروت 1981) بتوقيع الناقد كمال أبو ديب، ولطالما كانت هذه الترجمة محل إشكال وإلغاز ونقاش وجدل، ما زال مستمرا حتى يومنا هذا!
فالبعض (بل الكثير على الحقيقة) يرى أنها "ترجمة تحتاج إلى ترجمة!" أو كما يصفها الناقد الراحل جابر عصفور "ترجمة باعدت بين الكتاب والذيوع المتوقع له بالعربية"، بل إن عددًا من النقاد والمفكرين المقربين إلى إدوارد سعيد في العالم العربي قد أكدوا عدم رضاه عن هذه الترجمة التي صارت (بالإضافة إلى أن النص مكتوب بإنجليزية رفيعة المستوى) قد صارت بدورها حائلًا وحاجزًا دون تلقيها التلقي الأمثل في العالم العربي.
- 2 -
وبعد مرور ما يقرب من ربع القرن على صدور ترجمة أبو ديب، قام المترجم المعروف وأستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة، الدكتور محمد عناني، بإنجاز ترجمة جديدة لكتاب «الاستشراق ـ المفاهيم الغربية للشرق» (صدرت عن دار رؤية بالقاهرة عام 2006)، وكان عناني قد ترجم قبلها بعام واحد كتابين من كتب سعيد هما «تغطية الإسلام»، و«المثقف والسلطة» صدرا عن دار النشر ذاتها في 2005.
وكأن عناني قد أراد أن يتمرس بأسلوب سعيد وطرائقه اللغوية وخياراته التعبيرية في الكتابين السابقين، كي يعد العدة ويتصدى لترجمة كتابه الأهم والعمدة بين مؤلفاته وأعماله. يقول عناني في مقدمة ترجمته لـ الاستشراق: "وكأنما كنت أحس أنني صائر حتمًا إلى ترجمة «الاستشراق» يومًا ما، فبدأت اهتمامي بترجمة إدوارد سعيد، بعد ترجماتي لشكسبير وميلتون وبايرون في الأعوام الأربعة الأخيرة، بكتابٍ يمثل الفترة الأسلوبية الصعبة عند إدوارد سعيد، وهو كتاب تغطية الإسلام في عام 2005، وأردفته بكتابٍ أيسر أسلوبًا، ويمثل مرحلة لاحقة لدى هذا الكاتب الكبير، وهو المثقف والسلطة. وعندما أقبل القراء العرب على ترجمتي لهما، وتقبلوهما بقبول حسن، أحسست أنني وجدت السبيل الصحيح لمعالجة الاستشراق، فتوفرت على ترجمته بإخلاصٍ ودأب، مؤمنا بأنني أخاطب القارئ العربي اليوم"
وجاءت الترجمة سائغة تماما، كانت في المقام الأول السهولة واليسر وبساطة التركيب والاصطلاح، ووضوح المعنى، وقد انتشرت هذه الترجمة انتشاراً كبيرا ولاقت استجابة غير متوقعة من جمهور القراء في العالم العربي، وجمهور إدوارد سعيد القارئ بالعربية بصفة خاصة.
- 3 -
ضمن فعاليات معرض أبوظبي للكتاب 2022، وعن دار الآداب بيروت؛ صدرت ترجمة جديدة من كتاب «الاستشراق» بتوقيع الدكتور محمد عصفور أستاذ الأدب الإنجليزي بالجامعة الأردنية. تأتي هذه الترجمة الجديدة، بحسب تعريف دار الآداب لها، بعد إصرار إدوارد قبل رحيله، على ضرورة أن يحظى هذا العمل بترجمةٍ ميسّرة تختزل الكثير من الصعوبات التي يمكن أن يواجهها القارئ العربي في قراءته والتعاطي معه.
المترجم محمد عصفور سبق وأن ترجم لإدوارد سعيد كتابين من أهم وأشهر كتبه؛ وهما «الإمبريالية والاستشراق» والجزء الثاني من «تأملات في المنفي».. كما اضطلع بترجمة جديدة لكتاب إدوارد «العالم والنص والناقد»، وصدرت بدورها عن دار الآداب. فلماذا هذا الاهتمام والحضور الوافر لأعمال إدوارد سعيد عمومًا و«الاستشراق» خصوصًا؟ وما الأهمية الكبرى لهذا الكتاب التي تجعله يحظى بثلاث ترجمات متمايزة لثلاثة أسماء كبيرة في مجالها على مدى نصف القرن الفائت؟
لعل مفتاح الإجابة يمكن إيجازه في قيمتين كبيرتين: تأسيسية الكتاب المنهجية والنظرية، واستراتيجيات التحليل التي اعتمدها في قراءته للنصوص، وتأثيراته الواسعة الممتدة والمستمرة حتى لحظتنا الراهنة.
- 4 -
ما «الاستشراق»؟
بحسب «قاموس الأدب العربي الحديث»؛ فإن كتاب «الاستشراق» لإدوارد سعيد (1978) يُنظر إليه على أنه يشكل إسهامه الرئيسي في الفكر المعاصر، وفيه يبحث بالتفصيل طبيعة وتركيب الخطاب الذي كرسه الغرب عن الشرق وحوله. كما يكشف عن الدور الذي لعبه ذلك الخطاب وما يزال في واقع الثقافة الأدبية والسياسية السائدة في الغرب، وعما انطوى عليه من تصورات للمهمشين والمنسيين في هذا العالم.
وقد نُظر إلى كتاب «الاستشراق» على أنه عمل تاريخي، لأنه عرض للكيفية التي رأى الرحالة فيها الشرق، بدءا من دانتي وانتهاء بحكومة واشنطن. لكن الكتاب يتسم مع ذلك بطبيعة جدلية، حيث يواجه الساسة المعاصرين والمشتغلين بالفكر والثقافة بحقيقة استغلالهم أسطورة الشرق في تسويغ تجاهلهم لما يظنونه غير قمين بالمعرفة.
وتقوم أطروحة «الاستشراق» الرئيسية على أن "الشرق" هو مفهوم من صنيعة الغرب الذي خلق صورته تخليقا اصطناعيا، ووضع له تصورا مثاليا في ذات الوقت الذي عمد فيه إلى إساءة معاملة مواطنيه، بل وتعريضهم للمذابح ومحاولة إزاحتهم ومصادرة أراضيهم أحيانًا، وقد كان لكتاب «الاستشراق» أثر بالغ على كافة دراسات الثقافة التي أعقبته، حيث لم يتم النظر إلى الشرق بحد ذاته كموضوع للاستنطاق بقدر ما انصب الاهتمام على المصاعب والمخاطر التي ينطوي عليها مفهوم «الآخرية» (Otherness)، التي عمل خطاب الاستشراق على تكريسه.
- 5 -
تأسيسية «الاستشراق»
كانت البداية المرهصة للخروج من أسرة الدائرة المركزية الجاذبة هي الاتجاه الأفرو أمريكي المقترن بنقض نزعة المركزية الأوربية-الأمريكية، وهو الاتجاه الذي لم يكن بعيدًا عن المسار الذي مضى فيه خطاب ما بعد الاستعمار ((Post Colonialism الذي كان في المرحلة الأولى من تشكله، ولكن من غير أن يتم تدشينه رسمياً إلا عام 1978 مع صدور كتاب «الاستشراق».
وقد تولى إدوارد سعيد، في كتابه تعرية هذه الأيديولوجية القمعية، والكشف عنها في تجلياتها المتباينة، في الخطاب الذي تخلل كتابات الاستشراق، خصوصًا تلك التي انطوت على نزعات التمييز والهيمنة، وذلك مع التركيز على إنطاق المضمر والمسكوت عن التصريح به في هذه الكتابات، حيث التحيّز المسبق الذي يمايز بين ثقافة المركز الراقية (ثقافة الغرب)، بالمعنى المنحاز عرقيًا وجغرافيًا، وثقافة الهوامش (الأمم والثقافات غير الأوروبية والأمريكية)، حيث التابعون، المتوحشون، منفلتو العواطف والمشاعر والانفعالات الذين يصل بهم الانفلات إلى درجات من الهمجية التي أصبحت سمة «العقل البدائي» الذي يقع -ضمن ما يقع- في «الشرق» العجيب الغريب المفرط في تخلفه!
وقد بدأ إدوارد سعيد الثورة على هذه النظرة الاستعمارية، من حيث انتهى الفيلسوف والمنظر الفرنسي ميشيل فوكو (1926-1984) في تحليله وتفكيكه لقوانين السلطة، وآليات القمع، والعلاقة بين المعرفة والقوة، وما يقترن بها من أشكال المراقبة والعقاب.
- 6 -
تأثيرات «الاستشراق»
وقد أحدث كتاب إدوارد سعيد عن «الاستشراق» هزة هائلة فور صدوره سنة 1978، كما سبقت الإشارة، وظلت هذه الهزة متواصلة في اتساع أصداء الكتاب وتراكم آثاره التي أسهمت -مع أشباهها- بشكل مباشر وغير مباشر، في تحويل مجرى دراسات الشرق، وذلك ابتداء من وضع الوعي الذي انطوت عليه أجيال الدارسين الغربيين الأحدث موضع المساءلة، وفي مواجهة التقاليد الاستشراقية التي ورثوها وظلوا -بمعنى من المعاني- متأثرين بها، ماضين في خطاها، على الأقل على مستوى اللا وعي.
رأت عقول هذه الأجيال سلبيات الصورة التي ورثتها، كما لو كانت مجلى آخر لصورة دوريان جراي الذي اجتلى حقيقته، أخيرًا، في الصورة التي كشفت له عن نفسه، لكنها الصورة التي رسمها له غيره، ليريه حقيقة ما هو عليه، أوما هو ماض فيه، واعيًا أو غير واع، وأعتقد أن أولى العلامات الجذرية الدالة على تأثير كتاب إدوارد سعيد أن عددًا غير قليل من الدارسين الغربيين وجدوا حرجًا في الإبقاء على تسمية «الاستشراق» أو «المستشرقين» التي أحاطها كتاب إدوارد سعيد بالريب والشكوك وسوء الطوية والاتهام، فاستبدلوا بها تسمية «المستعربين». وفي الوقت نفسه، استبدلوا بالنزعة الاستعمارية المتعالية، نزعة إنسانية تسعى إلى الفهم، ولا ترى فارقًا جذريًا ما بين الشرق والغرب إلا في وحدة التنوع البشري الخلاّق.
(وللحديث بقية...)
رغم مرور ما يقرب من 45 عاماً على صدوره؛ ما زال كتاب إدوارد سعيد التأسيسي «الاستشراق» يحظى بالاهتمام والحضور، ويستقطب اهتمام المترجمين في كل اللغات، ومنها العربية.
صدرت الترجمة العربية الأولى من كتاب «الاستشراق» عن مؤسسة الأبحاث العربية (بيروت 1981) بتوقيع الناقد كمال أبو ديب، ولطالما كانت هذه الترجمة محل إشكال وإلغاز ونقاش وجدل، ما زال مستمرا حتى يومنا هذا!
فالبعض (بل الكثير على الحقيقة) يرى أنها "ترجمة تحتاج إلى ترجمة!" أو كما يصفها الناقد الراحل جابر عصفور "ترجمة باعدت بين الكتاب والذيوع المتوقع له بالعربية"، بل إن عددًا من النقاد والمفكرين المقربين إلى إدوارد سعيد في العالم العربي قد أكدوا عدم رضاه عن هذه الترجمة التي صارت (بالإضافة إلى أن النص مكتوب بإنجليزية رفيعة المستوى) قد صارت بدورها حائلًا وحاجزًا دون تلقيها التلقي الأمثل في العالم العربي.
- 2 -
وبعد مرور ما يقرب من ربع القرن على صدور ترجمة أبو ديب، قام المترجم المعروف وأستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة، الدكتور محمد عناني، بإنجاز ترجمة جديدة لكتاب «الاستشراق ـ المفاهيم الغربية للشرق» (صدرت عن دار رؤية بالقاهرة عام 2006)، وكان عناني قد ترجم قبلها بعام واحد كتابين من كتب سعيد هما «تغطية الإسلام»، و«المثقف والسلطة» صدرا عن دار النشر ذاتها في 2005.
وكأن عناني قد أراد أن يتمرس بأسلوب سعيد وطرائقه اللغوية وخياراته التعبيرية في الكتابين السابقين، كي يعد العدة ويتصدى لترجمة كتابه الأهم والعمدة بين مؤلفاته وأعماله. يقول عناني في مقدمة ترجمته لـ الاستشراق: "وكأنما كنت أحس أنني صائر حتمًا إلى ترجمة «الاستشراق» يومًا ما، فبدأت اهتمامي بترجمة إدوارد سعيد، بعد ترجماتي لشكسبير وميلتون وبايرون في الأعوام الأربعة الأخيرة، بكتابٍ يمثل الفترة الأسلوبية الصعبة عند إدوارد سعيد، وهو كتاب تغطية الإسلام في عام 2005، وأردفته بكتابٍ أيسر أسلوبًا، ويمثل مرحلة لاحقة لدى هذا الكاتب الكبير، وهو المثقف والسلطة. وعندما أقبل القراء العرب على ترجمتي لهما، وتقبلوهما بقبول حسن، أحسست أنني وجدت السبيل الصحيح لمعالجة الاستشراق، فتوفرت على ترجمته بإخلاصٍ ودأب، مؤمنا بأنني أخاطب القارئ العربي اليوم"
وجاءت الترجمة سائغة تماما، كانت في المقام الأول السهولة واليسر وبساطة التركيب والاصطلاح، ووضوح المعنى، وقد انتشرت هذه الترجمة انتشاراً كبيرا ولاقت استجابة غير متوقعة من جمهور القراء في العالم العربي، وجمهور إدوارد سعيد القارئ بالعربية بصفة خاصة.
- 3 -
ضمن فعاليات معرض أبوظبي للكتاب 2022، وعن دار الآداب بيروت؛ صدرت ترجمة جديدة من كتاب «الاستشراق» بتوقيع الدكتور محمد عصفور أستاذ الأدب الإنجليزي بالجامعة الأردنية. تأتي هذه الترجمة الجديدة، بحسب تعريف دار الآداب لها، بعد إصرار إدوارد قبل رحيله، على ضرورة أن يحظى هذا العمل بترجمةٍ ميسّرة تختزل الكثير من الصعوبات التي يمكن أن يواجهها القارئ العربي في قراءته والتعاطي معه.
المترجم محمد عصفور سبق وأن ترجم لإدوارد سعيد كتابين من أهم وأشهر كتبه؛ وهما «الإمبريالية والاستشراق» والجزء الثاني من «تأملات في المنفي».. كما اضطلع بترجمة جديدة لكتاب إدوارد «العالم والنص والناقد»، وصدرت بدورها عن دار الآداب. فلماذا هذا الاهتمام والحضور الوافر لأعمال إدوارد سعيد عمومًا و«الاستشراق» خصوصًا؟ وما الأهمية الكبرى لهذا الكتاب التي تجعله يحظى بثلاث ترجمات متمايزة لثلاثة أسماء كبيرة في مجالها على مدى نصف القرن الفائت؟
لعل مفتاح الإجابة يمكن إيجازه في قيمتين كبيرتين: تأسيسية الكتاب المنهجية والنظرية، واستراتيجيات التحليل التي اعتمدها في قراءته للنصوص، وتأثيراته الواسعة الممتدة والمستمرة حتى لحظتنا الراهنة.
- 4 -
ما «الاستشراق»؟
بحسب «قاموس الأدب العربي الحديث»؛ فإن كتاب «الاستشراق» لإدوارد سعيد (1978) يُنظر إليه على أنه يشكل إسهامه الرئيسي في الفكر المعاصر، وفيه يبحث بالتفصيل طبيعة وتركيب الخطاب الذي كرسه الغرب عن الشرق وحوله. كما يكشف عن الدور الذي لعبه ذلك الخطاب وما يزال في واقع الثقافة الأدبية والسياسية السائدة في الغرب، وعما انطوى عليه من تصورات للمهمشين والمنسيين في هذا العالم.
وقد نُظر إلى كتاب «الاستشراق» على أنه عمل تاريخي، لأنه عرض للكيفية التي رأى الرحالة فيها الشرق، بدءا من دانتي وانتهاء بحكومة واشنطن. لكن الكتاب يتسم مع ذلك بطبيعة جدلية، حيث يواجه الساسة المعاصرين والمشتغلين بالفكر والثقافة بحقيقة استغلالهم أسطورة الشرق في تسويغ تجاهلهم لما يظنونه غير قمين بالمعرفة.
وتقوم أطروحة «الاستشراق» الرئيسية على أن "الشرق" هو مفهوم من صنيعة الغرب الذي خلق صورته تخليقا اصطناعيا، ووضع له تصورا مثاليا في ذات الوقت الذي عمد فيه إلى إساءة معاملة مواطنيه، بل وتعريضهم للمذابح ومحاولة إزاحتهم ومصادرة أراضيهم أحيانًا، وقد كان لكتاب «الاستشراق» أثر بالغ على كافة دراسات الثقافة التي أعقبته، حيث لم يتم النظر إلى الشرق بحد ذاته كموضوع للاستنطاق بقدر ما انصب الاهتمام على المصاعب والمخاطر التي ينطوي عليها مفهوم «الآخرية» (Otherness)، التي عمل خطاب الاستشراق على تكريسه.
- 5 -
تأسيسية «الاستشراق»
كانت البداية المرهصة للخروج من أسرة الدائرة المركزية الجاذبة هي الاتجاه الأفرو أمريكي المقترن بنقض نزعة المركزية الأوربية-الأمريكية، وهو الاتجاه الذي لم يكن بعيدًا عن المسار الذي مضى فيه خطاب ما بعد الاستعمار ((Post Colonialism الذي كان في المرحلة الأولى من تشكله، ولكن من غير أن يتم تدشينه رسمياً إلا عام 1978 مع صدور كتاب «الاستشراق».
وقد تولى إدوارد سعيد، في كتابه تعرية هذه الأيديولوجية القمعية، والكشف عنها في تجلياتها المتباينة، في الخطاب الذي تخلل كتابات الاستشراق، خصوصًا تلك التي انطوت على نزعات التمييز والهيمنة، وذلك مع التركيز على إنطاق المضمر والمسكوت عن التصريح به في هذه الكتابات، حيث التحيّز المسبق الذي يمايز بين ثقافة المركز الراقية (ثقافة الغرب)، بالمعنى المنحاز عرقيًا وجغرافيًا، وثقافة الهوامش (الأمم والثقافات غير الأوروبية والأمريكية)، حيث التابعون، المتوحشون، منفلتو العواطف والمشاعر والانفعالات الذين يصل بهم الانفلات إلى درجات من الهمجية التي أصبحت سمة «العقل البدائي» الذي يقع -ضمن ما يقع- في «الشرق» العجيب الغريب المفرط في تخلفه!
وقد بدأ إدوارد سعيد الثورة على هذه النظرة الاستعمارية، من حيث انتهى الفيلسوف والمنظر الفرنسي ميشيل فوكو (1926-1984) في تحليله وتفكيكه لقوانين السلطة، وآليات القمع، والعلاقة بين المعرفة والقوة، وما يقترن بها من أشكال المراقبة والعقاب.
- 6 -
تأثيرات «الاستشراق»
وقد أحدث كتاب إدوارد سعيد عن «الاستشراق» هزة هائلة فور صدوره سنة 1978، كما سبقت الإشارة، وظلت هذه الهزة متواصلة في اتساع أصداء الكتاب وتراكم آثاره التي أسهمت -مع أشباهها- بشكل مباشر وغير مباشر، في تحويل مجرى دراسات الشرق، وذلك ابتداء من وضع الوعي الذي انطوت عليه أجيال الدارسين الغربيين الأحدث موضع المساءلة، وفي مواجهة التقاليد الاستشراقية التي ورثوها وظلوا -بمعنى من المعاني- متأثرين بها، ماضين في خطاها، على الأقل على مستوى اللا وعي.
رأت عقول هذه الأجيال سلبيات الصورة التي ورثتها، كما لو كانت مجلى آخر لصورة دوريان جراي الذي اجتلى حقيقته، أخيرًا، في الصورة التي كشفت له عن نفسه، لكنها الصورة التي رسمها له غيره، ليريه حقيقة ما هو عليه، أوما هو ماض فيه، واعيًا أو غير واع، وأعتقد أن أولى العلامات الجذرية الدالة على تأثير كتاب إدوارد سعيد أن عددًا غير قليل من الدارسين الغربيين وجدوا حرجًا في الإبقاء على تسمية «الاستشراق» أو «المستشرقين» التي أحاطها كتاب إدوارد سعيد بالريب والشكوك وسوء الطوية والاتهام، فاستبدلوا بها تسمية «المستعربين». وفي الوقت نفسه، استبدلوا بالنزعة الاستعمارية المتعالية، نزعة إنسانية تسعى إلى الفهم، ولا ترى فارقًا جذريًا ما بين الشرق والغرب إلا في وحدة التنوع البشري الخلاّق.
(وللحديث بقية...)