تُعدُّ القريةُ منطلقاً أولياً في كتابة السّيَر والمذكّرات واشتغالات الذاكرة كونها المكان الأول الذي شهد على نشأة الكاتب وولادته، ومنه تنطلقُ الخيالات البكر نحو فضاءات مختلفة، ولعلّ هذا الارتباط كوَّنَ لدى العديد من الكُتّاب ارتباطاً حميمياً وحبلّ ذكرياتٍ ممتداً عبر الأزمنة ربط بين الثقافات والسلوكيات والمشاهدات المختلفة، كما قيّم الكاتبُ من خلاله التحولات التي شهدتها الأمكنة. أكتبُ ذلك وأنا أمرُّ في بلدتي باحثاً عن نخيل القرية التي ماتت ظمأً، وعن بيوت الطين التي اندثرت بفعل الزمن، وأصبحت ذاكرة في الوجدان البشري.
وانطلاقاً من كون القرية مفتتحاً لذاكرة سردية وإبداعية مستعادة فإننا نجدُ كُتّاباً لم تَفُتْهم هذه الأمكنة، فأعادوها كتابةً في نصوصهم واشتغالاتهم الأدبية، معتمدين على الذاكرة الأولى للإنسان. يأخذنا عاصم الشيدي في كتابه (لا أريد لهذه الرحلة أن تنتهي) الصادر عن بيت الغشام عام 2014م إلى عالم الاستعادة هذا حين يفتتح كتابه الذي هو في أصله مجموعة رحلات قام بها إلى عدد من دول العالم، يفتتحه بالعودة إلى المكان، إلى قريته "شيدة" بولاية صحم، وتحديداً إلى عام 1984م، عام صباه الأول. يحاول عاصم الربط بين عوالمه الخارجية ومدنه البعيدة لحظة السفر، وبين عالمه الأول لحظة الاسترجاع فيُطلق على مقدّمة كتابه عنوان: "على ذكرى السفر الأول"، مستعيداً حكاية مساء قائظ حين كان يرقب حركة طائرة تُحلّق في سماء "شيدة"، القرية المستكينة بهدوء ودعة أسفل سفوح ثلاثة جبال شاهقة كما وصفها.
وتبدأ عملية الربط بين العالَمين بالشروع في صناعة سؤال يربط بين عالم القرية وبين العالم الخارجي، يقول عاصم: "أين يمكن أن تذهب هذه الطائرة في مساء مسكون بحكايات السحرة والمغيبين وأصوات هوام الليل التي يتردد صداها في هذا السكون الموحش. كانت السماء صافية حد الكشف الصوفي؛ فلا كهرباء وصلت إليها بعد، ولا أصوات محركات يمكن أن تزعج هدوء اللحظة وتعكر قداستها التأملية. كان ذلك المساء بحسب الذاكرة هو بداية سؤال السفر، ومعرفة الآخر مكاناً وبشراً، ورغبة الخروج من سجن المكان وحتى الزمان إلى فسحة أكثر احتفاء بالتنوع المكاني والفكري من ذلك الذي يمكن أن تفرضه قرية مندسة في عمق الجبال خوفا من أي عالم آخر غير عالمها، وغير حكاياتها وحدها. تلك الحكاية التي تتشابه سياقاتها دائما حول ثيمة السحر والحروب وأشكال بشرها المتطابقين حد التماهي". (ص: 8)
تمثّل القرية عند عاصم الشيدي الفضاء الأول للحكاية، والدافع للسفر، ومكان الحكايات الأدبية التي سيخترعها لاحقا، لذا فلا بدَّ من البدء في كتاب الرحلات من ذِكْرِ الموضع الأول الذي كان شاهداً على مخيلة طفل ينظر إلى السماء وإلى الطائرة المتحركة فيها، هذه العودة أسَّستْ للكتابة في فنٍّ يجمع بين الواقع والتخيّل، وبين الوصف والسرد، وبين البحث والسؤال وهو ما قرأناه في نصوص المجموعة لا سيما رحلته إلى القدس التي جمعت العناصر السابقة كلها.
وإذا كان عاصم قد انطلق من قرية "شيدة" لتأسيس نصوص في أدب الرحلة، فإنّ حمود الشكيلي عاد إلى الذاكرة الأولى ولاستعادة ما يمكن استعادته أيضاً في تقديم نصوص سردية اتّكأ فيها على الذاكرة كونها قيمةً وفضاءً ممتداً عبر الزمن، ففي كتابه (كلعبة فوق الماء تطفو) الصادر عن دار الفراشة بالكويت، افتتح حمود كتابه بمقدمة يرى أنها مهمة في تقديم نصوصه، عنونها بـ"أرجوحة عُمْرٍ بين طفل مشاغب وصبيّ حالم" يقول فيها: "وُلِدَ هذا الجمال كتابة في أجمل مكانين هما: بسيا ومسقط، وأتت ولادة سيرة النص شاطحة بالواقعين، المكاني والزماني، لعل الشخصي إلى حد ما متأرجحٌ بين الذات وأقاربها في أعوام كتابة بدأت 2009 حتى 2011.
ثم في الأعوام الفارطة أصاب النسيان الكتابة الأولى لترتطم بولادات أخرى وقعت بين حذف وإضافة، تقديم هذا، وتأخير غيره، مشيراً إلى أن الكتابات التالية لم تسلم من تغيير تركيب جملة؛ انتصاراً لاستعارة أحياناً، أو إعلاءً من شأن جملة تحاول تشكيل صورة شعرية في قلب هذا النثر". (ص:5)
يُخبرنا حمود أنّ العودة إلى الماضي/ القرية/ الطفولة استعادةٌ مهمةٌ للكتابة في الحاضر، ومحاولة النبش في الطفولة التي ربطها دلالياً بلفظتي الأرجوحة، والمشاغبة والحلم محاولة مهمة لتقديم نصٍ يجمع بين الزمنين المتقابلين، لذا كان على حمود الانطلاق بعد مقدمته لتصدير كتابه بعبارتين مُهمّتين تُحيلان على الكتابة والتقاطع مع الذاكرة؛ فقد كانت العبارة الأولى لأبي حيان التوحيدي إذ يقول: "هذا غريب لم يتزحزح عن مسقط رأسه، ولم يتزعزع عن مهبّ أنفاسه". (ص:7)، والعبارة الثانية لبودلير إذ يقول: "العبقرية هي الطفولة المستعادة قصداً". (ص9). يلجأ حمود إلى كلتا العبارتين السابقتين لتحقيق انطلاقة نصية في سرده، هي انطلاقة البدايات الزمكانية، وانطلاقة الكتابة المتخيّلة؛ فالقرية هي الأساس الذي تقوم عليه رحلة الكتابة نحو المدينة، شأنه في ذلك شأن الكتابة نحو الفضاء البعيد عند عاصم، فقد لعبت القرية دوراً مهماً في اشتغال المخيلة، والشروع في الكتابة فكان أنْ أصبحت القرية فضاءً ممتداً من الواقع الزمني إلى كونها فضاءً ممتداً في الواقع الكتابي والفعل التخييلي، وبذلك ضمنت "شيدة" عند عاصم و"بسيا" عند حمود تشكّلاً بارزاً في الكتابة، واحتضان ذاكرة الكاتبين ونموها وتوسيعها ومقارنتها بأخرى اتّسعت لها حدقتا الكاتبين في مراحل الكتابة.
لم يكتفِ حمود بعنوان المقدمة والاستشهادات الخارجية لتوثيق العلاقة بين الكتابة وبين القرية باستعادة ما يمكن استعادته لحظة الكتابة، بل إنّ الإحالات والهوامش قد ساعدت أيضا على مثل هذه العلاقة؛ إذ يمنحنا الهامش (2) في الصفحة (22) صورة عن ذلك عندما يقول فيه: "حجب الاسم الحقيقي عن قصد، رأيتُ أن منح الشخصية اسماً آخر يفقد النص لذته للكاتب، وهذا ما سيحدث لاحقاً أيضاً، هنا لست منشغلاً بلذة القارئ، أنا مع لذتي، أرمم ذاكرتي كي أنسى". يحاول حمود في حقيقة الأمر تكوين وبناء شخوصه وأمكنته وذاكرته لا لينسى شيئاً كما كتب، بل لاستعادتها مرة أخرى، مؤثّثاً بلغته السردية مكامنها الزمنية، ومضيئاً إياها بإضاءات جديدة تنطلق معها المفردة الدلالية.
إنَّ استعادة القرية/ بسيا عند حمود فعلٌ تحديثي للذاكرة، فالقرية أول ما تشكّل في معرض ذاكرته، ولا أظنه يتخلى عنها في لحظاته الكتابية، فينطلق واصفاً الأمكنة ومستعيداً الحكايات والشخوص، بل إنه يربط بين الماضي المختزل في الذاكرة وبين الحاضر، ولا أدلّ على ذلك من حديثه عن الدراجة (ص:27-28) بدءاً من القرية ووصولا إلى المدينة كما سيأتي في المقالة القادمة عن الدراجة في (كتاب الدراجة الهوائية).
وفي نصه رقم (23) في الصفحة (63) يمزج حمود بين السرد والسيرة؛ إذ يتناول حكاية ذهابه إلى قرية الظبي، ويفتتح نصه بعبارة "يخاف أباه. ما احتمل دائما طلب إذن الخروج. ظلَّ يتسلّل خلسة من بين عيني أبيه. في هذا اليوم هرب إلى الظبي دون علم أحد. هناك استقبله أبناء عمه، استقبال القادم من وحدة غربة موحشة".
يتشكّل هذا النص وفق تصادم الأمكنة بين قرية "بسيا" وقرية "الظبي" واختلاف القريتين في التكوين والمظهر الجمالي، ويتّسع الحدث بسرد العقوبة الناتجة عن خروج الصبي من البلدة دون استئذان، وشكّ والده فيه لقيامه بحركات تتنافى مع قيم الرجولة. لم يتوانَ حمود في عرض هذه الذاكرة رغم وعورتها في الواقع وتقديمها في النص؛ فقد قدّمها للقارئ بطريقة سردية جيدة، وظّف فيها شخصية الصبي المتردد في اتخاذ قرار الخروج من المنزل دون علم والده، وشخصيات أصدقائه ومحاولة الوقوف مع صديقهم ومساعدته، كما قدّم البُعد المكاني تقديماً تتفاعل معه الذاكرة من خلال قرية الظبي، وما بها من مواقف ومشاهد، وخيالات تحويل الجمادات إلى حقيقة بتحويل السعفة إلى ناقة يمتطيها، ومن خلال شجرة البيذام داخل عرصة البيت، ومن غرفة نضد التمور قدّم صورة عن العقوبة التي تعرّض لها الصبي.
إنّ المكان الأول كان افتتاحاً لذاكرة سردية حاول الكاتب الانطلاق منها في تشكيل كتاباته السردية، وهذا ما عليه الحال عند عاصم الشيدي وحمود الشكيلي، بل هو ما عليه كُتّاب السرد العربي والعالمي إذ انطلقوا من قراهم وذاكرة طفولتهم الأولى متّخذين منها مرجعية يتشكّل منها النص الإبداعي ويتأسس عليه.
وانطلاقاً من كون القرية مفتتحاً لذاكرة سردية وإبداعية مستعادة فإننا نجدُ كُتّاباً لم تَفُتْهم هذه الأمكنة، فأعادوها كتابةً في نصوصهم واشتغالاتهم الأدبية، معتمدين على الذاكرة الأولى للإنسان. يأخذنا عاصم الشيدي في كتابه (لا أريد لهذه الرحلة أن تنتهي) الصادر عن بيت الغشام عام 2014م إلى عالم الاستعادة هذا حين يفتتح كتابه الذي هو في أصله مجموعة رحلات قام بها إلى عدد من دول العالم، يفتتحه بالعودة إلى المكان، إلى قريته "شيدة" بولاية صحم، وتحديداً إلى عام 1984م، عام صباه الأول. يحاول عاصم الربط بين عوالمه الخارجية ومدنه البعيدة لحظة السفر، وبين عالمه الأول لحظة الاسترجاع فيُطلق على مقدّمة كتابه عنوان: "على ذكرى السفر الأول"، مستعيداً حكاية مساء قائظ حين كان يرقب حركة طائرة تُحلّق في سماء "شيدة"، القرية المستكينة بهدوء ودعة أسفل سفوح ثلاثة جبال شاهقة كما وصفها.
وتبدأ عملية الربط بين العالَمين بالشروع في صناعة سؤال يربط بين عالم القرية وبين العالم الخارجي، يقول عاصم: "أين يمكن أن تذهب هذه الطائرة في مساء مسكون بحكايات السحرة والمغيبين وأصوات هوام الليل التي يتردد صداها في هذا السكون الموحش. كانت السماء صافية حد الكشف الصوفي؛ فلا كهرباء وصلت إليها بعد، ولا أصوات محركات يمكن أن تزعج هدوء اللحظة وتعكر قداستها التأملية. كان ذلك المساء بحسب الذاكرة هو بداية سؤال السفر، ومعرفة الآخر مكاناً وبشراً، ورغبة الخروج من سجن المكان وحتى الزمان إلى فسحة أكثر احتفاء بالتنوع المكاني والفكري من ذلك الذي يمكن أن تفرضه قرية مندسة في عمق الجبال خوفا من أي عالم آخر غير عالمها، وغير حكاياتها وحدها. تلك الحكاية التي تتشابه سياقاتها دائما حول ثيمة السحر والحروب وأشكال بشرها المتطابقين حد التماهي". (ص: 8)
تمثّل القرية عند عاصم الشيدي الفضاء الأول للحكاية، والدافع للسفر، ومكان الحكايات الأدبية التي سيخترعها لاحقا، لذا فلا بدَّ من البدء في كتاب الرحلات من ذِكْرِ الموضع الأول الذي كان شاهداً على مخيلة طفل ينظر إلى السماء وإلى الطائرة المتحركة فيها، هذه العودة أسَّستْ للكتابة في فنٍّ يجمع بين الواقع والتخيّل، وبين الوصف والسرد، وبين البحث والسؤال وهو ما قرأناه في نصوص المجموعة لا سيما رحلته إلى القدس التي جمعت العناصر السابقة كلها.
وإذا كان عاصم قد انطلق من قرية "شيدة" لتأسيس نصوص في أدب الرحلة، فإنّ حمود الشكيلي عاد إلى الذاكرة الأولى ولاستعادة ما يمكن استعادته أيضاً في تقديم نصوص سردية اتّكأ فيها على الذاكرة كونها قيمةً وفضاءً ممتداً عبر الزمن، ففي كتابه (كلعبة فوق الماء تطفو) الصادر عن دار الفراشة بالكويت، افتتح حمود كتابه بمقدمة يرى أنها مهمة في تقديم نصوصه، عنونها بـ"أرجوحة عُمْرٍ بين طفل مشاغب وصبيّ حالم" يقول فيها: "وُلِدَ هذا الجمال كتابة في أجمل مكانين هما: بسيا ومسقط، وأتت ولادة سيرة النص شاطحة بالواقعين، المكاني والزماني، لعل الشخصي إلى حد ما متأرجحٌ بين الذات وأقاربها في أعوام كتابة بدأت 2009 حتى 2011.
ثم في الأعوام الفارطة أصاب النسيان الكتابة الأولى لترتطم بولادات أخرى وقعت بين حذف وإضافة، تقديم هذا، وتأخير غيره، مشيراً إلى أن الكتابات التالية لم تسلم من تغيير تركيب جملة؛ انتصاراً لاستعارة أحياناً، أو إعلاءً من شأن جملة تحاول تشكيل صورة شعرية في قلب هذا النثر". (ص:5)
يُخبرنا حمود أنّ العودة إلى الماضي/ القرية/ الطفولة استعادةٌ مهمةٌ للكتابة في الحاضر، ومحاولة النبش في الطفولة التي ربطها دلالياً بلفظتي الأرجوحة، والمشاغبة والحلم محاولة مهمة لتقديم نصٍ يجمع بين الزمنين المتقابلين، لذا كان على حمود الانطلاق بعد مقدمته لتصدير كتابه بعبارتين مُهمّتين تُحيلان على الكتابة والتقاطع مع الذاكرة؛ فقد كانت العبارة الأولى لأبي حيان التوحيدي إذ يقول: "هذا غريب لم يتزحزح عن مسقط رأسه، ولم يتزعزع عن مهبّ أنفاسه". (ص:7)، والعبارة الثانية لبودلير إذ يقول: "العبقرية هي الطفولة المستعادة قصداً". (ص9). يلجأ حمود إلى كلتا العبارتين السابقتين لتحقيق انطلاقة نصية في سرده، هي انطلاقة البدايات الزمكانية، وانطلاقة الكتابة المتخيّلة؛ فالقرية هي الأساس الذي تقوم عليه رحلة الكتابة نحو المدينة، شأنه في ذلك شأن الكتابة نحو الفضاء البعيد عند عاصم، فقد لعبت القرية دوراً مهماً في اشتغال المخيلة، والشروع في الكتابة فكان أنْ أصبحت القرية فضاءً ممتداً من الواقع الزمني إلى كونها فضاءً ممتداً في الواقع الكتابي والفعل التخييلي، وبذلك ضمنت "شيدة" عند عاصم و"بسيا" عند حمود تشكّلاً بارزاً في الكتابة، واحتضان ذاكرة الكاتبين ونموها وتوسيعها ومقارنتها بأخرى اتّسعت لها حدقتا الكاتبين في مراحل الكتابة.
لم يكتفِ حمود بعنوان المقدمة والاستشهادات الخارجية لتوثيق العلاقة بين الكتابة وبين القرية باستعادة ما يمكن استعادته لحظة الكتابة، بل إنّ الإحالات والهوامش قد ساعدت أيضا على مثل هذه العلاقة؛ إذ يمنحنا الهامش (2) في الصفحة (22) صورة عن ذلك عندما يقول فيه: "حجب الاسم الحقيقي عن قصد، رأيتُ أن منح الشخصية اسماً آخر يفقد النص لذته للكاتب، وهذا ما سيحدث لاحقاً أيضاً، هنا لست منشغلاً بلذة القارئ، أنا مع لذتي، أرمم ذاكرتي كي أنسى". يحاول حمود في حقيقة الأمر تكوين وبناء شخوصه وأمكنته وذاكرته لا لينسى شيئاً كما كتب، بل لاستعادتها مرة أخرى، مؤثّثاً بلغته السردية مكامنها الزمنية، ومضيئاً إياها بإضاءات جديدة تنطلق معها المفردة الدلالية.
إنَّ استعادة القرية/ بسيا عند حمود فعلٌ تحديثي للذاكرة، فالقرية أول ما تشكّل في معرض ذاكرته، ولا أظنه يتخلى عنها في لحظاته الكتابية، فينطلق واصفاً الأمكنة ومستعيداً الحكايات والشخوص، بل إنه يربط بين الماضي المختزل في الذاكرة وبين الحاضر، ولا أدلّ على ذلك من حديثه عن الدراجة (ص:27-28) بدءاً من القرية ووصولا إلى المدينة كما سيأتي في المقالة القادمة عن الدراجة في (كتاب الدراجة الهوائية).
وفي نصه رقم (23) في الصفحة (63) يمزج حمود بين السرد والسيرة؛ إذ يتناول حكاية ذهابه إلى قرية الظبي، ويفتتح نصه بعبارة "يخاف أباه. ما احتمل دائما طلب إذن الخروج. ظلَّ يتسلّل خلسة من بين عيني أبيه. في هذا اليوم هرب إلى الظبي دون علم أحد. هناك استقبله أبناء عمه، استقبال القادم من وحدة غربة موحشة".
يتشكّل هذا النص وفق تصادم الأمكنة بين قرية "بسيا" وقرية "الظبي" واختلاف القريتين في التكوين والمظهر الجمالي، ويتّسع الحدث بسرد العقوبة الناتجة عن خروج الصبي من البلدة دون استئذان، وشكّ والده فيه لقيامه بحركات تتنافى مع قيم الرجولة. لم يتوانَ حمود في عرض هذه الذاكرة رغم وعورتها في الواقع وتقديمها في النص؛ فقد قدّمها للقارئ بطريقة سردية جيدة، وظّف فيها شخصية الصبي المتردد في اتخاذ قرار الخروج من المنزل دون علم والده، وشخصيات أصدقائه ومحاولة الوقوف مع صديقهم ومساعدته، كما قدّم البُعد المكاني تقديماً تتفاعل معه الذاكرة من خلال قرية الظبي، وما بها من مواقف ومشاهد، وخيالات تحويل الجمادات إلى حقيقة بتحويل السعفة إلى ناقة يمتطيها، ومن خلال شجرة البيذام داخل عرصة البيت، ومن غرفة نضد التمور قدّم صورة عن العقوبة التي تعرّض لها الصبي.
إنّ المكان الأول كان افتتاحاً لذاكرة سردية حاول الكاتب الانطلاق منها في تشكيل كتاباته السردية، وهذا ما عليه الحال عند عاصم الشيدي وحمود الشكيلي، بل هو ما عليه كُتّاب السرد العربي والعالمي إذ انطلقوا من قراهم وذاكرة طفولتهم الأولى متّخذين منها مرجعية يتشكّل منها النص الإبداعي ويتأسس عليه.