لقد تمت كتابة هذا المقال مع انتهاء العمل بكافة الإجراءات المتعلقة بانتشار فيروس كورونا، إشادة بالدور الحيوي الذي أداه الزملاء في مركز التواصل الحكومي بشكل خاص، والزملاء في المنظومة الإعلامية بشكل عام، نظرا ليقين الكاتب بأنهم لن يقدموا على الحديث عن ما بذلوه من جهود وتضحيات خلال أكثر من 26 شهرا من العمل المستمر.
لم يكن باستطاعة أفضل المتفائلين من أصحاب نظرية «أسبوعان، فإما انتشار وإما انحسار»، ولا أسوأ المتشائمين من أصحاب فرضية «كورونا سيتسبب في نهاية العالم» تحديد طبيعة موقف البشرية وإمكاناتها في مواجهة الفيروس الغامض على الميدان قبل تسارع انتشاره حول العالم خلال الربع الأول من العام 2020م. لقد كان السواد الأعظم من أصحاب ذَيْنِكَ الموقفين المتطرفين - وما بينهما - يبني قناعاته البسيطة تجاه فيروس كورونا بناء على ما يتعرض له من معلومات شحيحة عن الفيروس تتداولها وسائل الإعلام ويتناقلها الناس بمستويات متفاوتة من التحريف، أو ما ترسب في الذاكرة من مشاهد وحبكات هوليوود بين Contagion و Bird Box. إذن فإنه وعلى الرغم من أن مواجهتنا لانتشار فيروس كورونا كانت طبية/ ميدانية، إلا أنه يمكننا القول إن مواجهتنا الإدراكية له كان ميدانها الوعي الذي نشكله جراء تعرضنا للمحتوى الإعلامي منذ قبل ظهور الجائحة بسنوات - أو بعقود - مرورا بفترة بدايات ظهورها في الصين، وانتهاء باكتساحها العالم دون اعتراف بحدود أو قيود.
لكن ما يمكن قوله في هذا المقام أيضا أنه لم يكن كافيا بالنسبة لوسائل التواصل والإعلام أن تتحمل مسؤولية تشكيل الوعي تجاه الفيروس، بل إن للقارئ أن يتخيل ضغطا أكبر على القائمين على تلك الوسائل لكونهم «حامل الأخبار السيئة» The Bearer of the Bad News بدءا من إعلان أول حالتي إصابة بالفيروس في سلطنة عمان، وليس انتهاء بإعلان أول حالة وفاة بسبب الفيروس. إذن فإنه ليس من الغريب أن تكون أكبر أولويات الفرق القائمة على وسائل التواصل والإعلام مبدأ «حفظ الأرواح»، وأن يتم تسخير كل الطاقات والجهود في سبيل ذلك. لذا فإنه وإضافة إلى جانب نقل الأخبار كدور أساسي للمنظومة الإعلامية، فقد برزت أهمية الجانب التوعوي حول الفيروس الذي لم نتمكن حتى قبل أشهر قليلة من كتابة هذا المقال تشكيل الصورة الكاملة حوله.
لم تسهم الأوامر السامية بتشكيل اللجنة العليا للتعامل مع التطورات الناتجة عن انتشار فيروس كورونا (كوفيد 19) في توحيد جهود منظومة مؤسسات الدولة للتصدي للفيروس على مستوى القطاعات المختلفة فحسب، بل إنها أيضا وفرت أرضية مثالية للعمل بروح الفريق الواحد على مستوى الجهات المعنية بقطاع التواصل والإعلام - كما كان دأبها في فترات الأزمات والقضايا الوطنية الكبرى - التي كانت مسبقا تعمل بمزيج من الاستقلالية والتعاون بسبب البيئة التنظيمية والهيكلية آنذاك.
وقد تجلت روح الفريق الواحد عبر تشكيل الفريق الإعلامي المنبثق عن اللجنة العليا الذي يضم تحت مظلته الجهات المعنية وأبرزها وزارة الإعلام ووكالة الأنباء العمانية وإذاعة وتلفزيون سلطنة عمان ومركز التواصل الحكومي - قبل إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة - وفرق التواصل والإعلام والتوعية بوزارة الصحة. لقد جسدت طريقة عمل الفريق الإعلامي المنبثق عن اللجنة العليا منهجية الإدارة المسطحة Flat Structure وبمستويات عالية من التمكين والمرونة إداريا وماليا وإبداعيا، واتسمت الفرق العاملة في المؤسسات المنضوية تحت مظلة الفريق بروح وطنية عالية وحس المسؤولية ما دفع أعضاءها إلى العمل بأنظمة مغايرة لساعات وأيام الدوام الرسمي، وقد سهلت ذلك التقنية التي أتاحت منصات وأساليب جديدة للعمل التشاركي بالرغم من إجراءات الإغلاق والتباعد.
لقد حدا تسارع الأحداث ووقع عقرب الثواني في ساعات مركز التواصل الحكومي مع تسجيل أول بضع إصابات بالفيروس إلى اتخاذ خطوة فتح منصة مخصصة للتوعية بكل ما يتعلق بانتشار الفيروس عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وكان أول التساؤلات بين فريق إدارة المركز - وقد يبدو أبسطها - التسمية التي يجب أن تحملها تلك المنصة، أو بالأحرى: ما الشعور الذي يجب أن تنقله هذه المنصة إلى المتلقي؟ وفي ظل غموض طبيعة العدو الذي كان أمامنا، فإن الخيار الوحيد بطبيعة الحال هو أن ننقل شعور «المواجهة» على مستوى «عُمان» ككل؛ حكومة ومؤسسات ومجتمع. وفي خضم تلك المواجهة وسرعة انتشار الفيروس، كان لا بد أن يوازي ذلك كم هائل من المحتوى التوعوي أكبر من الطاقة الاستيعابية لموظفي الدوام الكامل في المركز، لذا قام الزملاء في المركز بدعوة المتطوعين في مجالات صناعة المحتوى والرصد والتحليل والتصوير والترجمة والتنسيق والنشر والتدقيق اللغوي، إلى جانب التعاقد مع شركة عمانية صاعدة في إنتاج المحتوى وابتكار منهجية للعمل المشترك معها تقوم على تعهيد المشروعات إلى شركات مشابهة من أجل التكيف مع النظم الإدارية والمالية التي قد لا تخدم العمل بمرونة وسرعة أثناء الأزمات.
لقد ركز محتوى منصة «عمان تواجه كورونا» على الاستمالات المنطقية Cognitive Appeals والاستمالات العاطفية Emotional Appeals الذي تنوع بين سرد الحقائق والترهيب في حملة «وقّف عشان يوقّف» وإثارة مشاعر التعاطف في حملتي «لنلتزم، لأجلنا، لأجلهم» و«عمان تواجه كورونا بالعطاء» والكوميديا في حملات التوعية بالشائعات والفانتازيا في حملة «عشان نرجع طبيعي» والوطنية في حملة «أنت البطل». لكن الأهم من كل تلك التصنيفات أن التوجهات الإبداعية لتلك الحملات كانت تصاغ من الأسفل للأعلى Bottom-up في هيكل الفريق، حيث تفانى أعضاء الفريق والمتطوعون في الخروج بأفكار إبداعية كان لها الأثر في نشر التوعية بأساليب غير تقليدية. وبالحديث عن ذلك فإن من المهم الإشارة إلى الاهتمام باستهداف مختلف شرائح المجتمع، ووضع الأدلة الاسترشادية التي أصدرها مركز التواصل الحكومي تحت الاختبار الحقيقي، حيث تم إنتاج محتوى خاص للناطقين بغير العربية عبر متطوعين من السفارات والجاليات، وفئات ذوي الإعاقة عبر متطوعي لغة الإشارة وتقنيات المحتوى البديل، والفئات العمرية المختلفة عبر تنويع القنوات والمحتوى.
لقد أسست تجربة «عمان تواجه كورونا» لمستوى عال من كفاءة العمل الإعلامي والجاهزية لمواجهة الأزمات إعلاميا - إلى جانب جهود المواجهة الميدانية من قبل الجهات المختلفة - بدءا من ترسيخ ممارسات دحض الشائعات والأخبار الكاذبة والمضللة ومرورا بأساليب تخطيط وصناعة ونشر المحتوى وانتهاء بأدق عمليات رصد الرأي العام لرفد المسؤولين بالمعلومات التي تفيد عملية صنع القرار، كما أن من المؤكد أن هذه التجربة تؤكد أهمية دور العاملين في مختلف جوانب العمل الإعلامي في الأولويات الوطنية وتحقيق المصلحة العامة حتى ولو كانوا من الجنود المجهولين.
بدر بن عبدالله الهنائي مهتم بالاتصالات الاستراتيجية والهوية المؤسسية
لم يكن باستطاعة أفضل المتفائلين من أصحاب نظرية «أسبوعان، فإما انتشار وإما انحسار»، ولا أسوأ المتشائمين من أصحاب فرضية «كورونا سيتسبب في نهاية العالم» تحديد طبيعة موقف البشرية وإمكاناتها في مواجهة الفيروس الغامض على الميدان قبل تسارع انتشاره حول العالم خلال الربع الأول من العام 2020م. لقد كان السواد الأعظم من أصحاب ذَيْنِكَ الموقفين المتطرفين - وما بينهما - يبني قناعاته البسيطة تجاه فيروس كورونا بناء على ما يتعرض له من معلومات شحيحة عن الفيروس تتداولها وسائل الإعلام ويتناقلها الناس بمستويات متفاوتة من التحريف، أو ما ترسب في الذاكرة من مشاهد وحبكات هوليوود بين Contagion و Bird Box. إذن فإنه وعلى الرغم من أن مواجهتنا لانتشار فيروس كورونا كانت طبية/ ميدانية، إلا أنه يمكننا القول إن مواجهتنا الإدراكية له كان ميدانها الوعي الذي نشكله جراء تعرضنا للمحتوى الإعلامي منذ قبل ظهور الجائحة بسنوات - أو بعقود - مرورا بفترة بدايات ظهورها في الصين، وانتهاء باكتساحها العالم دون اعتراف بحدود أو قيود.
لكن ما يمكن قوله في هذا المقام أيضا أنه لم يكن كافيا بالنسبة لوسائل التواصل والإعلام أن تتحمل مسؤولية تشكيل الوعي تجاه الفيروس، بل إن للقارئ أن يتخيل ضغطا أكبر على القائمين على تلك الوسائل لكونهم «حامل الأخبار السيئة» The Bearer of the Bad News بدءا من إعلان أول حالتي إصابة بالفيروس في سلطنة عمان، وليس انتهاء بإعلان أول حالة وفاة بسبب الفيروس. إذن فإنه ليس من الغريب أن تكون أكبر أولويات الفرق القائمة على وسائل التواصل والإعلام مبدأ «حفظ الأرواح»، وأن يتم تسخير كل الطاقات والجهود في سبيل ذلك. لذا فإنه وإضافة إلى جانب نقل الأخبار كدور أساسي للمنظومة الإعلامية، فقد برزت أهمية الجانب التوعوي حول الفيروس الذي لم نتمكن حتى قبل أشهر قليلة من كتابة هذا المقال تشكيل الصورة الكاملة حوله.
لم تسهم الأوامر السامية بتشكيل اللجنة العليا للتعامل مع التطورات الناتجة عن انتشار فيروس كورونا (كوفيد 19) في توحيد جهود منظومة مؤسسات الدولة للتصدي للفيروس على مستوى القطاعات المختلفة فحسب، بل إنها أيضا وفرت أرضية مثالية للعمل بروح الفريق الواحد على مستوى الجهات المعنية بقطاع التواصل والإعلام - كما كان دأبها في فترات الأزمات والقضايا الوطنية الكبرى - التي كانت مسبقا تعمل بمزيج من الاستقلالية والتعاون بسبب البيئة التنظيمية والهيكلية آنذاك.
وقد تجلت روح الفريق الواحد عبر تشكيل الفريق الإعلامي المنبثق عن اللجنة العليا الذي يضم تحت مظلته الجهات المعنية وأبرزها وزارة الإعلام ووكالة الأنباء العمانية وإذاعة وتلفزيون سلطنة عمان ومركز التواصل الحكومي - قبل إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة - وفرق التواصل والإعلام والتوعية بوزارة الصحة. لقد جسدت طريقة عمل الفريق الإعلامي المنبثق عن اللجنة العليا منهجية الإدارة المسطحة Flat Structure وبمستويات عالية من التمكين والمرونة إداريا وماليا وإبداعيا، واتسمت الفرق العاملة في المؤسسات المنضوية تحت مظلة الفريق بروح وطنية عالية وحس المسؤولية ما دفع أعضاءها إلى العمل بأنظمة مغايرة لساعات وأيام الدوام الرسمي، وقد سهلت ذلك التقنية التي أتاحت منصات وأساليب جديدة للعمل التشاركي بالرغم من إجراءات الإغلاق والتباعد.
لقد حدا تسارع الأحداث ووقع عقرب الثواني في ساعات مركز التواصل الحكومي مع تسجيل أول بضع إصابات بالفيروس إلى اتخاذ خطوة فتح منصة مخصصة للتوعية بكل ما يتعلق بانتشار الفيروس عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وكان أول التساؤلات بين فريق إدارة المركز - وقد يبدو أبسطها - التسمية التي يجب أن تحملها تلك المنصة، أو بالأحرى: ما الشعور الذي يجب أن تنقله هذه المنصة إلى المتلقي؟ وفي ظل غموض طبيعة العدو الذي كان أمامنا، فإن الخيار الوحيد بطبيعة الحال هو أن ننقل شعور «المواجهة» على مستوى «عُمان» ككل؛ حكومة ومؤسسات ومجتمع. وفي خضم تلك المواجهة وسرعة انتشار الفيروس، كان لا بد أن يوازي ذلك كم هائل من المحتوى التوعوي أكبر من الطاقة الاستيعابية لموظفي الدوام الكامل في المركز، لذا قام الزملاء في المركز بدعوة المتطوعين في مجالات صناعة المحتوى والرصد والتحليل والتصوير والترجمة والتنسيق والنشر والتدقيق اللغوي، إلى جانب التعاقد مع شركة عمانية صاعدة في إنتاج المحتوى وابتكار منهجية للعمل المشترك معها تقوم على تعهيد المشروعات إلى شركات مشابهة من أجل التكيف مع النظم الإدارية والمالية التي قد لا تخدم العمل بمرونة وسرعة أثناء الأزمات.
لقد ركز محتوى منصة «عمان تواجه كورونا» على الاستمالات المنطقية Cognitive Appeals والاستمالات العاطفية Emotional Appeals الذي تنوع بين سرد الحقائق والترهيب في حملة «وقّف عشان يوقّف» وإثارة مشاعر التعاطف في حملتي «لنلتزم، لأجلنا، لأجلهم» و«عمان تواجه كورونا بالعطاء» والكوميديا في حملات التوعية بالشائعات والفانتازيا في حملة «عشان نرجع طبيعي» والوطنية في حملة «أنت البطل». لكن الأهم من كل تلك التصنيفات أن التوجهات الإبداعية لتلك الحملات كانت تصاغ من الأسفل للأعلى Bottom-up في هيكل الفريق، حيث تفانى أعضاء الفريق والمتطوعون في الخروج بأفكار إبداعية كان لها الأثر في نشر التوعية بأساليب غير تقليدية. وبالحديث عن ذلك فإن من المهم الإشارة إلى الاهتمام باستهداف مختلف شرائح المجتمع، ووضع الأدلة الاسترشادية التي أصدرها مركز التواصل الحكومي تحت الاختبار الحقيقي، حيث تم إنتاج محتوى خاص للناطقين بغير العربية عبر متطوعين من السفارات والجاليات، وفئات ذوي الإعاقة عبر متطوعي لغة الإشارة وتقنيات المحتوى البديل، والفئات العمرية المختلفة عبر تنويع القنوات والمحتوى.
لقد أسست تجربة «عمان تواجه كورونا» لمستوى عال من كفاءة العمل الإعلامي والجاهزية لمواجهة الأزمات إعلاميا - إلى جانب جهود المواجهة الميدانية من قبل الجهات المختلفة - بدءا من ترسيخ ممارسات دحض الشائعات والأخبار الكاذبة والمضللة ومرورا بأساليب تخطيط وصناعة ونشر المحتوى وانتهاء بأدق عمليات رصد الرأي العام لرفد المسؤولين بالمعلومات التي تفيد عملية صنع القرار، كما أن من المؤكد أن هذه التجربة تؤكد أهمية دور العاملين في مختلف جوانب العمل الإعلامي في الأولويات الوطنية وتحقيق المصلحة العامة حتى ولو كانوا من الجنود المجهولين.
بدر بن عبدالله الهنائي مهتم بالاتصالات الاستراتيجية والهوية المؤسسية