«شرَّفني قاسم حدَّاد بتحرير وكتابة مقدمة كتابه الأحدث «دخان البراكين: كل شيء ليس على ما يرام»، الذي صدر مؤخرًا عن دار التكوين الدمشقيَّة. بيد أن هذا الكتاب الأحدث في تسلسل أعمال كاتبه لا يعني أنه الكتاب الأكثر جِدَّة في التأليف من الناحية الزمنية، بل العكس هو الصحيح؛ إذ إن تاريخ وظروف كتابته تعود إلى فترة السجن الذي حُكم به على الشاعر في منتصف سبعينيَّات القرن الماضي ضمن خضم البعد التنظيمي النضالي من تجربته الإنسانيَّة والحياتيَّة. وكذلك فإن هذا الأثر لا يتكون من نصوص إبداعية مختلفة التجنيسات -مختومة بملحق توثيقي - فحسب، ولكنه أيضًا يشكل غابة من التأملات في تلك النصوص، ومراجعتها ونقدها الذاتي لها في ما يندر وجوده من حوار في المكتبة العربية. هذه هي الأولى من حلقات أربع تحوي مقدمة الكتاب لمن رغب من القرَّاء»

وفي هذا السياق «أي السياق الذي كتبت عنه في الحلقة المنصرمة»، حريٌّ بي ألا يفوتني القول إنه ليست كل مواد قاسم الممهورة بالعنوان العام «وقت للكتابة» التي تنقَّل بها شريدًا («مُطارَدًا» قد تكون كلمة أدق) في أكثر من منصَّة مطبوعة عبر عقود من الزمن في الصَّحافة الثقافيَّة العربيَّة بمثابة «استراحة للمحارب» كما يعتقد البعض، بل هي وعيٌ بالغٌ بالوغى، وبالطريقة التي تليق بأسلحته، وضروراته، ومواقعه (هو الذي أرشد الأعداء إلى «القلعة» حين تطلَّب الأمر، ويكتب، من باب الإيغال في الشبهة، مادة نصف شهرية في صحيفة «القدس العربي» منذ مدة).

لكننا لسنا في استرسال يخص حالة الكتب التي أتيت على بعض عناوينها آنفا «في الحلقة السابقة من هذه المادة»، بل إننا هنا بصدد كتاب مختلف ليس عن كتب قاسم الأخرى فحسب، حيث إنني لن أتردد في القول إننا على وشك كتاب جديد على/ في الثَّقافة العربيَّة (على حد علمي)؛ ومن هنا فهو كتاب يستعصي على التَّبويب ويستدعي قدرا كبيرا من الفضول، والركض بأسرع مما يفعل الضوء، والقدرة على مناوشة ما حدث ولم يحدث فيه. هو كتاب يأتي من قبيل «الروليت» الروسيَّة في آخر الحانات والمَصارِع. لماذا؟ لعدة أسباب منها أن هذا الكتاب لا يحتوي على النَّص الإبداعي فحسب، بل يتضمن أيضا الكلام عن ذلك النص، و«تأويله» (وهذه المفردة ينبغي أن تُضاف إلى بؤس الشَّاعر وبأسه معا) بمحاولة معرفة ما خفي من روافده وشعابه وما بطن، والنظر في ذلك، وإعادة النظر في النظر. ومنها أن هذا الكتاب يبسُط للخلفيَّة النقديَّة والجماليَّة التي تلهم الفعل الإبداعي بصفته الاستثنائيَّة في تساوقٍ حِواريٍّ مع الحصيلة المعرفيَّة المُنْجَزَة عبر التراكم الكمِّي والنوَّعي من ناحية، وتلك التي تراود مجسَّات الاستشعار الخاصة وأدوات الحدس المتفردة عن نفسها من ناحية أخرى؛ فهذا كتاب يقول ما يقول، ثم يستدرك ما يقول بقولٍ في قولٍ، وعلى قولٍ، باستخدام منهجيَّة إجرائيَّة صارمة ودقيقة. بصورة من الصور: هذا كتابٌ انتحاريٌّ للغاية.

يتحدد الإطار الزَّمني المباشر لهذا الكتاب -الذي يمكن اعتباره سيرة ذاتيَّة شعريَّة/ نقديَّة/ تأمليَّة- بالفترة اعتبارا من صيف 1975 وحتى مايو 1979، وذلك في إطارٍ مكانيٍّ مباشر بدوره، ومغلق؛ ألا وهو المعتقلات والسُّجون والزنازين الخشبيَّة ذات مساحة المترين في مترين التي أمضى فيها الشاعر ذلك الوقت حيث نضج في «عادة الكتابة في الظلام «التي درَّبت عنده» قدرة داخلية على السَّبر والرؤية»، وبحيث إن الفرق المناخي والمزاجي بين سجن في البحر وآخر في الصحراء كان له انعكاس معيَّن على شعريَّته التي تلتقطه برهافة؛ إذ إن «كتابة الشِّعر في المعتقل تجربة مهمة «...» من حيث هي امتحان إنسانيٌّ عميق ودقيق»، وهي -فيما يخص رؤية قاسم للأمر- تدشين لمرحلة جديدة من التجربة في إثر انقضاء المرحلة السابقة. وأما الفضاء الجماليُّ والفنيُّ لهذا الكتاب فمعروف أيضا، وإن لم يكن مباشرا ولا مغلقا: كل ما لم يتمكن ذلك الوقت وتلك الأمكنة من كسره حين يتعلق الأمر بصلابة الروح، ووفرة المخيلة، واختبار اللغة، وشسوع الحلم (حقًّا، يحضرني جوزيبي أونغاريتي في هذه اللحظة بالتحديد وبالضبط: «تضيئني الشَّساعة»).

لكن ما قد يكون جديرا بالذكر هنا أيضا هو أننا هنا بصدد كتابٍ «كافكاويٍّ» (ويعلم الله وحده كم ترددتُ في إيراد كلمة «كافكاوي» هذه، وذلك من باب احترام كفاف الناس عن الضَّجر والعفاف، ولكن بدا لي أن كافكا لم يستنفد كل أغراض عبوره بنا بعد)، لكن بصورة مختلفة، ومُضاعَفة، وقد تكون حرجة أكثر مما قاساه السيَّد غريغور سامسا؛ فقد حاكم كافكا أباه/ المؤسسة بما فيه الكفاية، وصرنا نعرف الحكاية جيدا في تاريخ الأدب الذي دخل إليه الولد العاقُّ الرجيم دخولا كابوسيَّا باهرا حتى أصبحت مسألة السُّخط والحُنق على الأب الرَّمزي من قبيل المتطلبات الرَّسميَّة للضَّجر المؤسساتي، والسيميولوجي، في قاعات الدروس والمحاضرات بصورة خاصة. بكلمات أخرى، نحن هنا بصدد قاسم وهو يتهجَّى بواكيرنا اللاحقة نيابة عنا في يفوعه وذلك بأن يحاكِم نفسه (وليس غيره -- ليس «آباءه» قطعا وعلى سبيل المثال) بأدق التَّفاصيل الجُرميَّة الشعرِّية (تصل مرَّة إلى درجة التَّرف الباذخ والمعذَّب في التَّأمل بين رفع كلمة «كون» أو جرِّها)، ويعترف غير آبه بحكم الإدانة الذاتيَّة أمام قرّائه (والحقيقة أن كلمة «المحاكمة» من أوائل المفردات المفتاحيَّة التي ترد في هذا الأثر، ولا شك أن البعض سيتفرَّس في احتمال أن يكون للظرف الذاتيِّ والموضوعيِّ السِّجنيِّ العسير علاقة بذلك). لقد قال كافكا في إحدى مأثوراته: «إن المُلقى على عاتقنا هو تحقيق السالب، لأن الموجب قد تم تحقيقه وانتهى الأمر». ولدى قاسم نجد أن الوازع السِّري والطاقة الخفيَّة المحرِّكة في هذا الأثر هو نفسه الكامن بصورة واعية، أو غير ذلك، في أعماق المبدعين الكبار وأغوار تلك الأرواح غير الطارئة على مسعى الخلق: منافسة السَّماء (التي ما انفكَّت تزداد نأيا) وتحقيق الكمال والمِثال (هنا على هذه الأرض الأقرب من الحلقوم وحبل الوريد لشاعرنا الذي تحشرج ذات نص: «لم يعد الخلق كاملا ولا جميلا ولا عدل فيه»). ولا عجب، ثمَّ، أن النُّطق السَّماوي الذي يستدعيه قاسم في كتابه هذا: «في البدء كانت الكلمة» إنما يمتزج بحالة يتمغنط فيها مع كافكا الأرضيِّ (لدرجة «المسخ» الضروري) في مسألة «السَّالب» و»الموجب» حين يقول -- أعني قاسِمنا وقاسَمنا: «التوجُّه الرئيس «لهذا الكتاب» هو الإمساك بسلبيَّات التجربة» كي لا يتحول الشَّاعر إلى «دجَّال لطيف».