سيطرت مصطلحات مثل الاستدامة في السنوات الأخيرة على الخطاب الأكاديمي والإعلامي والبحثي عالميا، حيث نجد في العقود الأخيرة ما يشبه الكشف البشري عن نافذة تتنفس من خلالها البشرية، وتطل عن طريقها لمساحات أكثر رحابة، ولفضاءات كانت موصدة أمامها. وهذا الانتشار لا يقتصر فقط على الجانب النفعي من تسخير المصادر الطبيعية المتجددة لتوليد واستخراج الطاقة فقط، بل يعني أيضا إعادة النظر في علاقة الفرد/ المواطن بالطبيعة، وكيفية التعامل معها. كما نجد ذلك على المستوى المحلي أيضا، حيث تصدرت الطاقة المتجددة، على سبيل المثال، قائمة المشاريع المستقبلية المهمة في البلاد والمنطقة الخليجية بشكل عام، كما زاد معدل حضورها على المستويين الأكاديمي والبحثي بشكل كبير، وهو ما جعل هذه الجهود البحثية تطرح الكثير من الحلول العملية والتطبيقية للخروج من الكثير من الأزمات الاقتصادية والبيئية المختلفة.

من هنا، يسعى هذا المقال في الجزئية الأولى لمعرفة الجهود الرسمية المحلية في مجال الطاقة المتجددة والاستدامة البيئية والدواعي التي جعلت هذا الجانب يتصدر الجانب التخطيطي، وبشكل خاص بعد اختتام أسبوع عُمان للاستدامة في السلطنة في منتصف مارس 2022م، كما يسعى ثانيا للتشديد على أن الاهتمام بالجانب البيئي (الإيكولوجي) ليس مجالا جديدا، بالرغم من اتخاذه أدوات وتقنيات جديدة، إلا أنه مطروح على طاولة البحث وفي عمق النظرية الفلسفية منذ فترات زمنية طويلة. في حين أن الجانب الثالث لهذا المقال يسعى للتأكيد أن الطاقة المتجددة ليست مشاريع تقنية فقط بالرغم من أهمية ذلك، بل هي علاقة وثيقة بين الفرد والطبيعة تتمثل في الالتزام بقيم ومثل عُليا في التعامل معها والحفاظ عليها.

1) الطاقة المتجددة والاستدامة:

لا شك أن حقل الطاقة المتجددة يعتبر حقلا خاضعا للبحث والتطوير والاكتشاف أيضا ليس على المستوى المحلي فقط، بل على المستوى العالمي أيضا. ففي مجال البحوث والدراسات نجد فتوحات متزايدة في هذا المجال، واختراعات لا متناهية، وعلى مستويات متعددة، منها ما يُستخدم بشكل يومي ومستمر، وعلى المستويات الصغيرة (Macro Level) كالمصابيح التي تعمل بالطاقة الشمسية، والسيارات التي تعمل بالطاقة الكهربائية، وغيرها من الاختراعات التي تلامس الحياة اليومية في كل بقاع العالم. كما نجد أيضا على المستويات الكبيرة (Macro Level) في المحطات والمدن التي تعتمد على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لتوليد الطاقة الكهربائية وتزويد المستهلك بهذه الطاقة النظيفة للحفاظ على البيئة من جهة، وبسبب الارتفاع المستمر في تكلفة الطاقة الكهربائية التقليدية من النواحي المادية والإيكولوجية أيضا.

في هذا الإطار، تتزايد المشاريع والجهود المحلية للتأقلم مع التوجه العالمي عن طريق قيام هذه المشاريع التي نُفذ منها مؤخرا - على سبيل المثال - مشروع عبري 2 بقيمة مالية تُقدر بـ417 مليار دولار وذلك لتوليد 500 ميجاوات من الطاقة المتجددة (1). كما تم مؤخرا تدشين مشروع الهيدروجين الأخضر بالتعاون بين شركة النفط البريطانية بي بي عن طريق احتجاز الكربون وتخزينه بالسلطنة (2).

بالرغم من أن هذه المشاريع ذات تكلفة مالية عالية، تجعلها محاطة بالتحديات المختلفة، كوجود أيد عاملة محلية ماهرة تستطيع إدارتها بما يتناسب مع خطط التعمين من الجهة الأولى، وبقاء هذه المشاريع ضمن نطاق الخطط والبرامج وعدم تنفيذها بما يتناسب مع الاستخدام التجاري والسكني من الجهة الثانية، وعدم وجود مراكز بحثية محلية متخصصة ومستقلة تُعنى بتصنيع المواد اللازمة لتسريع عملية التحول من الطاقة التقليدية للطاقة المتجددة من الجهة الثالثة، وعدم تضمين هذا الاتجاه في المناهج الدراسية الحكومية والخاصة وربطه بجوانب أخلاقية، واقتصادية، واجتماعية مختلفة تساعد على تبنيها، إلا أن هذه المشاريع وبالدعم والتعاون من الاستثمارات الخارجية وعدم اقتصارها على الجهود الحكومية والمستثمر المحلي من الممكن أن تُحدث تحولا مهما كان بطيئا في هذا المجال، على مستوى الممارسات اليومية المختلفة.

بجانب ذلك، فإن الحديث عن الطاقة المتجددة من جانب المشاريع والبنية المادية، يستدعي الحديث بنسبة موازية التطرق للاستدامة Sustainability مع الأخذ بعين الاعتبار أن مصادر الطاقة المتجددة أو البديلة ليست ذات كفاءة واحدة، ومستمرة، بل هي في الكثير من الحالات خاضعة للظروف الطبيعية غير المنُتظمة. فالاستدامة بالرغم من تداول وشيوع هذا المصطلح مؤخرا بشكل كبير، إلا أنه يهتم ببقاء الموارد الطبيعية للأجيال القادمة والمحافظة عليها من جهة، ويشدد على المجالات الاقتصادية، الاجتماعية والبيئية من الجهة الأخرى (3). وهذا يعني بأن الاستدامة ليست ببُعد اقتصادي فقط يتوجه للطاقة بشكل عام، والطاقة المتجددة بشكل خاص، بل تحتوي على دوائر متداخلة، تؤثر كل واحدة منها على الأخرى. وبحسب خطط وبرامج الأمم المتحدة UN فإن الأهداف الأساسية من برامج الاستدامة المختلفة هي تقليل الفقر، والمرض، والجهل والعنف ضد النساء، والأقليات وغيرها من الأهداف التي تتجاوز جانب الطاقة فقط. غير أن الطاقة في هذا السياق تعتبر ركيزة أساسية من ركائز الاستدامة، فبدون توفرها للجميع بشكل مستمر، آمن، وموثوق، سوف تتعطل بقية مفاصل الحياة المختلفة.أضف لذلك، فإن الاتجاه للطاقة المتجددة أو النظيفة لم يعد خيارا من الممكن تجاهله في ظل تنامي الطلب عليها من جهة، وتزايد الاختراعات من الجهة الأخرى.

من هنا يأتي السؤال الثاني لهذه المقالة، حول أن الاهتمام بالجانب البيئي (الإيكولوجي) ليس اتجاها جديدا، أو يندرج في الترف الفكري مثل الكثير من الموضات الدارجة، أو انتعش لسد حاجات عملية، واقتصادية عاجلة، بل يجد مصدره في الاهتمام الفلسفي المتزايد يوما بعد يوم، وذلك لما يمُثله الترابط الوجودي بين الكائنات المختلفة.

2) الجانب البيئي(الإيكولوجي) والمنعطف الفلسفي:

بالرغم من أن الاهتمام بالبيئة ليس جديدا على الفكر البشري، فهي تقع ضمن المحيط الطبيعي Nature الذي يعيش، ويتفاعل، وينتج فيه الإنسان كل أنشطته المختلفة بشكل يومي، إلا أن المصطلح -ecology الذي يشير إلى البيئة وتفاعلاتها المختلفة، قد صاغه عالم الحيوان الألماني إرنست هيكل Ernst Haecke عام 1866م(4). فالإيكولوجي ليست مجالا أحاديا منفردا، بل تتكون من مجالات وتخصصات مختلفة ومتداخلة، بما فيها الإيكولوجيا السكانية population ecology، بيئة المجتمع، بيئة الحفظ Conservation ecology، بيئة النظام الإيكولوجي، وعلم البيئة السلوكي، وغيرها من التخصصات والفروع المعرفية المتداخلة. فالرابط بين كل هذه التخصصات، هو التفاعل بين الكائنات الحية المختلفة بشكل يمكن وصفه بدقة كافية ليتسنى دراستها في المقام الأول، كما تُمهد هذه التفاعلات لحدوث تطور بين هذه الكائنات في المقام الثاني لتتلاءم مع العوامل الخارجية.

توافق هذا الاهتمام المتزايد بالبيئة مع ظهور مصطلح يصف حقبة التأثير البشري على البيئة، أو الأنثروبوسين Anthropocene، حيث أعاد هذا المصطلح الاعتبار للبيئة بعدما تجاهلتها الأنشطة البشرية المختلفة في الحقب البشرية السابقة. وبعيدا عن الجدل الدائر منذ فترة طويلة حول بداية هذا العصر، فبعضهم يرى بأنه بدأ مع بداية الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر، كما يذهب لذلك كروتزن الحائز على جائزة نوبل للكيمياء في عام 1995م، في حين يرى آخرون بأنه بدأ مع تطوير النظام الزراعي منذ حوالي 7000 سنة أو 8000 سنة. غير أن الكثير من الدراسات ترى بأنه بدأ في العام 1945م وهي تلك السنة التي بدأ فيها استخدام المواد المشعة بشكل كبير.

وبالرغم من تعدد التعريفات لهذه الحقبة الجديدة، إلا أنها تشترك في أهمية التاريخ الجيولوجي للأرض عن طريق دراسة طبقات الأرض التي يستطيعون من خلالها التوصل لنقاط التحول الجيولوجية الرئيسية بواسطة الأدلة الصخرية والحفريات في المقام الأول. في حين أن التعريف المشترك الثاني يمزج بين علم نظام الأرض Earth system science وهو مجال يجمع بين الكثير من التخصصات المختلفة كعلم المناخ، الايكولوجيا العالمية، الكيمياء الجيولوجية، علم المحيطات، والغلاف الجوي وغيرها من التخصصات التي تسمح بجمع بيانات دقيقة عن الأرض والتغيرات التي تطرأ عليها، مثل الارتفاع في مستوى سطح البحر، والمعدلات السريعة للانقراض الطبيعي.كما يشترك التعريف الثالث في تأثير الإنسان على الكوكب بما يشمل ذلك التصحر، التخطيط العُمراني، التعامل مع النفايات، التحولات في الطبيعة وغيرها(5).

بناء على هذه الخلفية المعرفية المتداخلة، دخل الجانب البيئي (الإيكولوجي) الاهتمام من أوسع أبوابه، وبشكل خاص بهدف معرفة وقياس السلوكيات البشرية وتأثيرها على نظام الأرض بشكل كامل من جهة، وبهدف وضع البُعد الوجودي (الأنطولوجي) في صدارة الاهتمام البشري من الجهة الأخرى.الأمر الذي جعل الحديث يتزايد مؤخرا عن السياسة البيئية والتي تهتم بالجانب الأخلاقي والفلسفي التي تسعى للحفاظ على التنوع البيولوجي biodiversity، والاهتمام ببقية المخلوقات في الكوكب، والتعامل معها من جانب أخلاقي وليس من جانب نفعي فقط.

بهذا المعنى، يحيلنا الحديث عن أن الطاقة المتجددة بشكل خاص، والاستدامة بشكل عام، بما أفرزته من مصطلحات وأدوات ناعمة، ومادية، ومناهج علمية، ومقاييس بحثية، ليست عبارة عن أدوات مادية، والآلات تستورد وتُباع وتشترى، بل هي علاقة بين الفرد والطبيعة كما توضح ذلك الفقرة القادمة.

3) الاستدامة وعلاقة الفرد بالطبيعة:

تتجاوز علاقة الإنسان بالطبيعة الوضع العمودي، الصاعد أو النازل، لتحل محلها العلاقة التفاعلية، أو الدائرية، التي تؤثر في الفرد وتتأثر به وبمشاريعه وتعاملاته اليومية وسلوكياته العشوائية والمنظمة على حد سواء. وهو الأمر الذي جعل الحديث - كما سبق - عن عصر الأنثربوسين وتأثير السلوكيات البشرية على بقية الكائنات في المحيط الطبيعي، مهُما ويأخذ حيزا كبيرا من التفكير والبحوث المختلفة.غير أن وجود الأدوات المختلفة والصناعات الكثيرة لم يسهم في تحسين السلوك البشري تجاهها، بل كان وما يزال عاملا من عوامل التهديد المستمر للنظام البيئي العالمي. كما أن المشاريع المختلفة سواء تجارية أو حكومية لم تصل - وبشكل خاص على المستوى المحلي - لمستوى الطموح من جهة، وللاكتفاء بالطاقات البديلة من الجهة الأخرى. وهذا يعني أن هناك حلقة مفقودة تتسع شيئا فشيئا بين هذه العناصر المترابطة، وذلك على عكس الآمال والتوقعات والخطط والاستراتيجيات المأمولة. الأمر الذي يجعل الحديث عن القيم والأخلاقيات المصاحبة أو الضرورية للصناعات والاختراعات ضروريا في المراحل القادمة.

فبالرغم من توفر الكثير من الأدوات والبدائل التي تساعد في الحفاظ على البيئة وتعزيز الاستدامة بما يشمله من طاقة متجددة، إلا أن هذه البدائل لم تجد القيم التي تحتضنها أو تعززها. وهذا يعني أن الفرد العاقل الواعي هنا هو الحلقة الأضعف في هذه العلاقة، ذلك أن الطبيعة ليست غائية مقارنة مع الإنسان، فهي بدون غايات أو أهداف آجلة أو عاجلة، في حين أن الإنسان على العكس من ذلك بشكل نهائي. فهو يتعامل مع الطبيعة بكل مكوناتها وعناصرها المختلفة أو المتناقضة من منطلق غائي، نفعي، يستطيع عن طريق الأنماط الفكرية المختلفة إعادة صياغتها من جديد والتفاعل معها بما يخدم مقاصده وأهدافه المختلفة.

من هنا، تأتي القيم كبوصلة تقود الفعل البشري ليس للمحافظة على البيئة فقط، بل لجعل هذه الموارد متوفرة وبشكل منُصف للأجيال القادمة، ومن الممكن أن استثمارها والوصول إليها بكل حرية، ويُسر لمختلف الطبقات الاجتماعية التي تتشكل في السنوات القادمة.

بناء على ما سبق، تصبح الاستدامة فعلا بشريا مخططا له، وليست مرتهنة للصدفة والعشوائية، ذلك أن المصادر الطبيعية التي تُستهلك بشكل مستمر من قبل البشر، تحتاج للحفاظ عليها والعناية بها، وهي في ذلك تقتسم هذه العناية مع النفس البشرية التي تحتاج للحفاظ عليها طرقا ومستويات مختلفة لتعاملها مثلما هو الحال في بقية الكائنات الحية المختلفة. كما أن الاستدامة وما ينتج عنها ليست مجرد نظريات وخطط، بالرغم من أهمية ذلك، بل هي سلوكيات بشرية يومية، يتفاعل فيها المرء مع محيطه وبيئته وكل ما يحيط به من مفردات طبيعية.

هوامش:

1- https://ara.tv/2h3uf.

2- سلطنة عمان تحجز مكانا عالميا بمشروعات الطاقة النظيفة والهيدروجين - الطاقة (attaqa.net).

3- SUSTAINABLE DEVELOPMENT REPORT 2021, Cambridge University Press,2021.

4- موسوعة ستانفورد الفلسفية (Ecology (Stanford Encyclopedia of Philosophy).

5- Ibid, Page: 4.

علي بن سليمان الرواحي كاتب عماني مهتم بالقضايا الفكرية والفلسفية