ترجمة ـ قاسم مكي
كانت قد تبقَّت شهور عديدة من القتال الوحشي في أوروبا والمحيط الهادي عندما جمعت الولايات المتحدة شركاءها في «بريتون وودز» بولاية نيو هامشير الأمريكية في يوليو 1944 لصياغة النظام العالمي الذي سيعقب الحرب العالمية الثانية.
كان الحلفاء يعرفون ماهية المؤسسات التي سيحتاج إليها العالم حتى قبل أن يشهدوا الانتصار النهائي. إنها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والأمم المتحدة والتي تأسست لاحقا.
على الولايات المتحدة وحليفاتها في الناتو إبداء خيال خلاق مماثل الآن فيما تدور رحى الحرب في أوكرانيا.
قد لا يكون بمقدور قادة الغرب تحديد كيف ومتى ستنتهي الحرب البغيضة، لكنهم يعرفون أحجار بناء المستقبل، إنها الأمن والازدهار والقانون والنظام والديمقراطية، ويمكنها الشروع في إعادة البناء الآن حتى مع استمرار احتدام القتال.
سيحتفل العالم في آخر المطاف بانتصار أوكراني نهائي، لكن قد يكون ذلك بعد سنوات بل حتى عقود، ولن نشهد توقيع معاهدة سلام على السفينة الحربية ميسوري في أي وقت قريب (يشير الكاتب بذلك إلى مراسم استسلام اليابان على متن البارجة الأمريكية يو اس إس ميسوري في 2 سبتمبر 1945- المترجم).
ومن المرجح أن تكون أوكرانيا بلدا مُقسَّما جزئيا لفترة طويلة مع وجود القوات الروسية عبر ما سيكون في الغالب خطَّ وقفِ إطلاقِ نارٍ «ساخن».
هذا الانسداد والانفصال سيَتَّسِم بالقسوة، لكن على الأوكرانيين وهم يخططون للسنوات القليلة القادمة النظر في أمثلة كوريا الجنوبية وألمانيا الغربية اللتين صارتا ديمقراطيتين ناجحتين جدا في ظل حربين لم تكتملا وخصمين مستَبِدَّين.
سيكون الصبر الاستراتيجي سلاحا إلى جانب مقاومة أوكرانيا، وعلى الغرب توضيح أنه سيرفض أي اعتراف بسيادة روسيا على أرض استولت عليها، تماما مثلما رفضت الولايات المتحدة على مدى أجيال الاعتراف بالسيطرة السوفييتية على دول البلطيق، وفي النهاية ستعود الأمور إلى نصابها.
في الوقت الحاضر يجب أن يكون الهدف بالنسبة لأوكرانيا وحلفاء الناتو احتواء الهجوم الروسي داخل جنوب شرق أوكرانيا ودفع قوات بوتين إلى الخلف ما أمكن ذلك وجعل استمرار الحرب إلى ما لا نهاية أمرا غير محتمل لروسيا.
تشير أحدث التقارير الاستخبارية الأمريكية إلى أن هذا الهدف قابل للتحقيق لكنه ينطوي على مخاطر لكل من أوكرانيا وحلفائها.
قدَّمت آفْريل هَينْز مديرة الاستخبارات القومية ملخصا واضحا للتقديرات الأمريكية الحالية خلال إدلائها بشهادتها أمام مجلس الشيوخ يوم الثلاثاء (10 مايو)، فمعركة أوكرانيا «تتحول إلى حرب استنزاف»، حسبما أوضحت.
لا يزال بوتين راغبا في الهيمنة على كييف وبسط سيطرته على كل ساحل البحر الأسود الأوكراني، لكنه يفتقر إلى القوة العسكرية التقليدية الكافية لتحقيق هذه الأهداف.
وتقول هينز إن هذا التباين بين طموحاته وقدراته قد يُنتِج «مسارا تصعيديا محتملا ولا يمكن التكهن به».
تتحرَّك أوروبا دون هوادة ضد بوتين بسبب حماقة غزوه.
ففنلندا تقدمت بطلب يوم الخميس (12 مايو) للانضمام إلى حلف الناتو ويُرجَّح أن تتبعها السويد، من جانبها، هددت وزارة الخارجية الروسية بخطوات انتقامية ضد هذا التوسع من الناتو.
وحذر الرئيس السابق ديمِتري ميدفيديف من أن تشديد الخناق العسكري على روسيا قد يخاطر في النهاية «بالتحول إلى حرب نووية مكتملة الأركان».
هذا تخويف تقول هينز: نحن نعتقد أن موسكو تستمر في توظيف الحديث عن الحرب النووية لمنع الولايات المتحدة والغرب من زيادة المساعدات الحربية لأوكرانيا.
وحذرت من أن موسكو قد تصعِّد التهديدَ بإجراء تمارين نووية بالصواريخ البالستية العابرة للقارات والقاذفات والغواصات.
في الأثناء تعرِض بريطانيا على فنلندا والسويد اتفاقية دفاعية قبل انضمامهما إلى حلف الناتو، وعندما سألتُ وزير الدفاع البريطاني بن والاس يوم الخميس إذا ما كان ذلك يعني «مظلة نووية» لم يُجِب بالنفي.
يجب أن تبدأ إعادة البناء الآن في أوكرانيا حتى مع استمرار الحرب.
لقد نشر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قائمة طلبات (تحت مسمى يونايتد 24) على الإنترنت لإعادة البناء، على البلدان الغربية الشروع في تقديم تعهدات بالاستجابة لها.
ستكون الفاتورة النهائية لهذه الحرب ضخمة، أخبرني مسؤول أوكراني يوم الأربعاء أن التكلفة النهائية تتجاوز 500 بليون دولار، بحسب تقديرات أعدتها مدرسة كييف للاقتصاد.
وشرعت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ووكالات دولية أخرى سلفا في تقديم عون إنساني ومساعدات أخرى ببلايين الدولارات.
ويجب أن تشمل عملية إعادة البناء روسيا أيضا مهما بدا في ذلك من مفارقة. لكن هذا لن يحدث قريبا.
يوم الخميس قال لي آليكساندر جابويف المحلل بمركز كارنيجي في موسكو والذي غادر روسيا مؤخرا أن أغلبية كبيرة من الروس يؤيدون حرب فلاديمير بوتين.
من المحزن أن روسيا تمضي في طريق آخرين وتتحول إلى دولة خاضعة للعقوبات، لكنها لن تظل هكذا إلى الأبد، ففي النهاية، يقول جابويف «ستكون هنالك شرارة».
أفصح لي جورج روبرتسون وهو أمين عام سابق لحلف الناتو عن تعليقات بوتين في قمة الناتو مع روسيا في روما عام 2002.
قال بوتين وهو يستذكر عزلة روسيا الطويلة في الحرب الباردة: لم يتحقق شيء طيب من تلك المواجهة بيننا وباقي العالم، من المؤكد أننا لم نكسب منها شيئا، كان محقا في ذلك.
وفيما تستمر الحرب في أوكرانيا آمل أن يواصل الرئيس بايدن ترديد رسالة مضمونها الشعب الروسي ليس عدوَّنا، على الولايات المتحدة الاستمرار في إضاءة طريق العودة في آخر المطاف، ففي يوم ما ستعود روسيا المنهكة والمصدومة إلى (صفوف) الجماعة.
ديفيد إجنيشس صحفي وروائي يكتب بانتظام عن الشؤون الخارجية بواشنطن بوست
كانت قد تبقَّت شهور عديدة من القتال الوحشي في أوروبا والمحيط الهادي عندما جمعت الولايات المتحدة شركاءها في «بريتون وودز» بولاية نيو هامشير الأمريكية في يوليو 1944 لصياغة النظام العالمي الذي سيعقب الحرب العالمية الثانية.
كان الحلفاء يعرفون ماهية المؤسسات التي سيحتاج إليها العالم حتى قبل أن يشهدوا الانتصار النهائي. إنها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والأمم المتحدة والتي تأسست لاحقا.
على الولايات المتحدة وحليفاتها في الناتو إبداء خيال خلاق مماثل الآن فيما تدور رحى الحرب في أوكرانيا.
قد لا يكون بمقدور قادة الغرب تحديد كيف ومتى ستنتهي الحرب البغيضة، لكنهم يعرفون أحجار بناء المستقبل، إنها الأمن والازدهار والقانون والنظام والديمقراطية، ويمكنها الشروع في إعادة البناء الآن حتى مع استمرار احتدام القتال.
سيحتفل العالم في آخر المطاف بانتصار أوكراني نهائي، لكن قد يكون ذلك بعد سنوات بل حتى عقود، ولن نشهد توقيع معاهدة سلام على السفينة الحربية ميسوري في أي وقت قريب (يشير الكاتب بذلك إلى مراسم استسلام اليابان على متن البارجة الأمريكية يو اس إس ميسوري في 2 سبتمبر 1945- المترجم).
ومن المرجح أن تكون أوكرانيا بلدا مُقسَّما جزئيا لفترة طويلة مع وجود القوات الروسية عبر ما سيكون في الغالب خطَّ وقفِ إطلاقِ نارٍ «ساخن».
هذا الانسداد والانفصال سيَتَّسِم بالقسوة، لكن على الأوكرانيين وهم يخططون للسنوات القليلة القادمة النظر في أمثلة كوريا الجنوبية وألمانيا الغربية اللتين صارتا ديمقراطيتين ناجحتين جدا في ظل حربين لم تكتملا وخصمين مستَبِدَّين.
سيكون الصبر الاستراتيجي سلاحا إلى جانب مقاومة أوكرانيا، وعلى الغرب توضيح أنه سيرفض أي اعتراف بسيادة روسيا على أرض استولت عليها، تماما مثلما رفضت الولايات المتحدة على مدى أجيال الاعتراف بالسيطرة السوفييتية على دول البلطيق، وفي النهاية ستعود الأمور إلى نصابها.
في الوقت الحاضر يجب أن يكون الهدف بالنسبة لأوكرانيا وحلفاء الناتو احتواء الهجوم الروسي داخل جنوب شرق أوكرانيا ودفع قوات بوتين إلى الخلف ما أمكن ذلك وجعل استمرار الحرب إلى ما لا نهاية أمرا غير محتمل لروسيا.
تشير أحدث التقارير الاستخبارية الأمريكية إلى أن هذا الهدف قابل للتحقيق لكنه ينطوي على مخاطر لكل من أوكرانيا وحلفائها.
قدَّمت آفْريل هَينْز مديرة الاستخبارات القومية ملخصا واضحا للتقديرات الأمريكية الحالية خلال إدلائها بشهادتها أمام مجلس الشيوخ يوم الثلاثاء (10 مايو)، فمعركة أوكرانيا «تتحول إلى حرب استنزاف»، حسبما أوضحت.
لا يزال بوتين راغبا في الهيمنة على كييف وبسط سيطرته على كل ساحل البحر الأسود الأوكراني، لكنه يفتقر إلى القوة العسكرية التقليدية الكافية لتحقيق هذه الأهداف.
وتقول هينز إن هذا التباين بين طموحاته وقدراته قد يُنتِج «مسارا تصعيديا محتملا ولا يمكن التكهن به».
تتحرَّك أوروبا دون هوادة ضد بوتين بسبب حماقة غزوه.
ففنلندا تقدمت بطلب يوم الخميس (12 مايو) للانضمام إلى حلف الناتو ويُرجَّح أن تتبعها السويد، من جانبها، هددت وزارة الخارجية الروسية بخطوات انتقامية ضد هذا التوسع من الناتو.
وحذر الرئيس السابق ديمِتري ميدفيديف من أن تشديد الخناق العسكري على روسيا قد يخاطر في النهاية «بالتحول إلى حرب نووية مكتملة الأركان».
هذا تخويف تقول هينز: نحن نعتقد أن موسكو تستمر في توظيف الحديث عن الحرب النووية لمنع الولايات المتحدة والغرب من زيادة المساعدات الحربية لأوكرانيا.
وحذرت من أن موسكو قد تصعِّد التهديدَ بإجراء تمارين نووية بالصواريخ البالستية العابرة للقارات والقاذفات والغواصات.
في الأثناء تعرِض بريطانيا على فنلندا والسويد اتفاقية دفاعية قبل انضمامهما إلى حلف الناتو، وعندما سألتُ وزير الدفاع البريطاني بن والاس يوم الخميس إذا ما كان ذلك يعني «مظلة نووية» لم يُجِب بالنفي.
يجب أن تبدأ إعادة البناء الآن في أوكرانيا حتى مع استمرار الحرب.
لقد نشر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قائمة طلبات (تحت مسمى يونايتد 24) على الإنترنت لإعادة البناء، على البلدان الغربية الشروع في تقديم تعهدات بالاستجابة لها.
ستكون الفاتورة النهائية لهذه الحرب ضخمة، أخبرني مسؤول أوكراني يوم الأربعاء أن التكلفة النهائية تتجاوز 500 بليون دولار، بحسب تقديرات أعدتها مدرسة كييف للاقتصاد.
وشرعت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ووكالات دولية أخرى سلفا في تقديم عون إنساني ومساعدات أخرى ببلايين الدولارات.
ويجب أن تشمل عملية إعادة البناء روسيا أيضا مهما بدا في ذلك من مفارقة. لكن هذا لن يحدث قريبا.
يوم الخميس قال لي آليكساندر جابويف المحلل بمركز كارنيجي في موسكو والذي غادر روسيا مؤخرا أن أغلبية كبيرة من الروس يؤيدون حرب فلاديمير بوتين.
من المحزن أن روسيا تمضي في طريق آخرين وتتحول إلى دولة خاضعة للعقوبات، لكنها لن تظل هكذا إلى الأبد، ففي النهاية، يقول جابويف «ستكون هنالك شرارة».
أفصح لي جورج روبرتسون وهو أمين عام سابق لحلف الناتو عن تعليقات بوتين في قمة الناتو مع روسيا في روما عام 2002.
قال بوتين وهو يستذكر عزلة روسيا الطويلة في الحرب الباردة: لم يتحقق شيء طيب من تلك المواجهة بيننا وباقي العالم، من المؤكد أننا لم نكسب منها شيئا، كان محقا في ذلك.
وفيما تستمر الحرب في أوكرانيا آمل أن يواصل الرئيس بايدن ترديد رسالة مضمونها الشعب الروسي ليس عدوَّنا، على الولايات المتحدة الاستمرار في إضاءة طريق العودة في آخر المطاف، ففي يوم ما ستعود روسيا المنهكة والمصدومة إلى (صفوف) الجماعة.
ديفيد إجنيشس صحفي وروائي يكتب بانتظام عن الشؤون الخارجية بواشنطن بوست