*كنت مايسترو في قصص مجموعتي «مملكة مارك» أدير فرقة موسيقية
*في أحيان كثيرة أقرأ كتابات جيدة بلغة باهتة أو بإيقاع ساقط
*ما دام العالم العربي في أزمة سياسيًا وعلميًا وثقافيًا ستبقى روايتنا مجهولة عالميًا
يضم مشروع الكاتب المصري أحمد عبد اللطيف المميز ست روايات صدرت أولاها «صانع المفاتيح» عام 2010، ثم تلتها الروايات الخمس الأخرى، وحظيت بمتابعة نقدية عالية ومقروءية كبيرة وترحيب إعلامي كما فازت بعدد من الجوائز مثل جائزة الدولة التشجيعية وساويرس، وهي «عالم المندل»، و«كتاب النحات»، و«إلياس»، و«حصن التراب» التي وصلت إلى القائمة الطويلة للبوكر عام 2018، و«سيقان تعرف وحدها طريق الخروج».
لكن هذا المشروع شهد أخيراً انضمام أول مجموعة قصصية هي «مملكة مارك زوكربيرج وطيوره الخرافية»، مجموعة فيها روح أحمد عبد اللطيف، الكاتب الذي غادر أنماط الكتابة الراسخة، واختار التجريب في أراضي الفانتازيا، وطرَقَ أبواب الخيال في أبعد صوره. وبهذه المجموعة يواصل صاحبها الإيغال في عالمه المدهش الذي صار علامة مميزة في الكتابة المصرية لا تشبه سوى نفسها وكاتبها.
هنا حوار ينطلق من المجموعة لكنه لا يغفل رؤية أحمد عبد اللطيف لكثير من الأمور، من الكتابة وتحدياتها إلى الأبوة وجمالها.
دعنا نبدأ الحوار من مجموعتك «مملكة زوكربيرج وطيوره الخرافية». ينتفض بطل القصة الأولى ضد أوامر مارك زوكربيرج بوضع لايك لطائر الفولاك، كما ينتفض بطل القصة الأخيرة إبليس ضد الأمر الإلهي بالسجود.. فهل يمكن اعتبار السؤال الأساسي في هذه المجموعة له علاقة بتفسير العصيان؟
- من قبل كتابة «مملكة مارك» كنت مشغولًا بفكرة العصيان/الطاعة/السلطة، وأظن أنها فكرة مسيطرة بداية من روايتي «صانع المفاتيح» وصولًا إلى «سيقان تعرف وحدها مواعيد الخروج»، إذ أن التحول الذي يتعرض له الشخصيات هو ابن العصيان والخروج على المألوف، أو عبر رحلة يقطعها أحدهم. «مملكة مارك» هي استكمال لهذه التيمة، ومحاولة أخرى لطرح العصيان عبر قصص مختلفة. وبالمناسبة، كان العنوان المؤقت للمجموعة «المطاريد»، فأبطال القصص الخمس مطرودون من مكان ما أو من حياة شخص ما، هذا الطرد (وعادة ما يكون من فردوس ما) هو ما يخلق حالة المتاهة، حالة نشعر بها بمجرد خروجنا من المكان الآمن. فالقوس الكبير الذي فتحته بقصة مارك تغلقه قصة إبليس ضد الأمر الإلهي. ما يهمني هنا هو الفن، تناول مشاعر المطرود، لذلك فالقصة الأخيرة ليست إلا محاولة لفهم هذه الرؤية، وهي بذلك مرآة للقصة الأولى.
القصص في جانب منها توضح الطريقة التي حولتنا بها مواقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك واليوتيوب والتيندر إلى أشخاص فاقدين للقدرة على الاندماج من ناحية وكذلك الخوف من المواجهة والاكتفاء بالتلصص من خلف شاشات الكمبيوتر والموبايل.. ما رأيك؟
- ثمة تصور خاطئ بأن عالم الإنترنت مجرد واقع افتراضي، لكني أتبنى مصطلح «الواقع الممتد» الذي اقترحه الناقد الإسباني بيثنتي لويس مورا. أعني أن التكونولوجيا الجديدة ليست إلا امتداداً للواقع المعيش، بل إن عالم الإنترنت تحول ليشغل المساحة الكبرى في واقعنا، من خلاله نطلع على الأخبار ونشاهد الأفلام ونتواصل مع الآخرين، وأصبح رافدًا أساسيًا من روافد المعرفة. حتى العلاقات الإنسانية قد تبدأ منه ثم تنتقل إلى الواقع، أو لا تنتقل. لذلك، فالأدب الآن يجب أن يختلف عن أدب التسعينيات، بل وعن أدب بدايات الألفية. فالمفردات الجديدة في اللغة ليست مفردات خاوية، إنما تحمل انعكاسًا للواقع الجديد ومرآة لحياة الإنسان المعاصر. هذه الحياة الجديدة تميل إلى العزلة والدوران حول الذات، تختار «الكومفرت زون» كبديل للتجربة الواقعية والمغامرة. لذلك فإنسان الألفية الجديدة، رغم ما تتيحه كل الوسائل الجديدة من تواصل، هو أكثر انعزالًا وخوفًا من إنسان القرن الماضي. لكننا لا ينبغي أن نتحسر على هذا الوضع، علينا فحسب أن نفهمه.
القصص الأولى طويلة نوعاً ما هل كان هذا بقرار سابق على الكتابة أم أن تجربة القصص اختارت لنفسها هذه المساحة الكبيرة؟
- كل رواياتي الـ6 بدأت كقصة ثم اختارت لنفسها أن تكون رواية. هنا حدث العكس، فقصة مملكة مارك بدأت كرواية كان طموحها أن تكون جملة واحدة طويلة، ثم انتهت كقصة، وكان بوسعي أن أجعلها نوفيلا منفصلة. نفس الشيء مع قصة التيندر، التي تتناول مسألة الهجرة والتيه فيها. لكنَّ القصتين اختارتا هذا الشكل، بهذه المساحة، ودوري كمؤلف كان يشبه المايسترو الذي يدير الفرقة الموسيقية، بدون أن أتدخل إلا تنظيم الأصوات.
ما الفلسفة التي حكمتك في نزع علامات الترقيم من «مملكة زوكربيرج وطيوره الخرافية»؟
- الفلسفة الأساسية خلق موسيقى في النص، وإيقاع يخصه وحده. لكن الشكل لا ينفصل عن المضمون، إنما معبّر عنه. فالانتقالات الزمنية السريعة ومشاعر التوتر والخوف، يناسبها إيقاع سريع ولاهث، ما لا يتحقق مع علامات الترقيم التي تقف كحارس وراء كل عبارة. دعني أخبرك أيضًا بشاغلي ككاتب حول اللغة، فأنا لا أشعر بكثير من الرضا عن اللغة المتفق عليها، وأرى أن اللغة العربية أغنى بكثير مما حصروها فيها، وفي أحيان كثيرة أقرأ كتابات جيدة بلغة باهتة أو بإيقاع ساقط. وأظن أن التجديد في لغة الأدب يتطلب أن نعيد التفكير في المسلمات، مثل مفهوم «التكرار سيئ»، أو «علامات الترقيم ضرورية»، أو «الجملة الفعلية هي الأفضل»، أو «لا تبدأ بجار ومجرور»، بوسعنا أن نجرب ونعيد التجريب في بنية الجملة حتى نصل إلى أسلوبنا الخاص، وحتى نمنح نصوصنا حيوية أكبر وحياة جديدة.
ما رأيك في أن هذا العمل به رائحة من روايتك «إلياس».. هل السبب إن كنت توافقني مرجعه إلى اللغة وطريقتها وسرعتها وتدفقها والتكرار الفني فيها؟
- أتفق معك بالتأكيد، فالهاجس اللغوي الذي سيطر في «إلياس» له ما يعادله في «مملكة مارك»، لكن اللعبة اللغوية مختلفة. في «إلياس» كان ثمة تخلٍ تام على ضمائر المفعول وضمائر الملكية، وإحلال الأسماء محلها، أدى ذلك إلى التكرار وكان سمة أسلوبية ممتدة على طول الرواية. في «مملكة مارك» التخلي عن علامات الترقيم وصنع قصة طويلة من جملة واحدة طويلة بدون وقفات، وفي الوقت نفسه الدوران حول جمل مفتاحية، كلما عدت إليها يفتح السرد أفقًا إضافيًا. «إلياس» اعتمدت على الجمل القصيرة جدًا، المكررة، المتلعثمة، لأنها تعبّر عن بطل وحيد، مهزوم، يخشى على ذاكرته، فالتكرار هنا كوسيلة للحفظ. وفي «مملكة مارك» الجملة طويلة، تنتقل من زمن إلى زمن، تستحضر خوف الطفولة لتفسر خوف النضج، والراوي يتحدث بسرد يساوي خفقان قلب المرعوب. هذه المشاعر، في كلا العملين، هو ما حاولت أن أعكسه في اللغة.
هذه أول مجموعة قصصية لك كيف تصف إحساسك بكتابة القصة؟ ما المختلف بينها وبين الرواية؟ وهل يمكن أن تعود قريباً إلى كتابتها؟
- هذه أول مجموعة قصصية منشورة في كتاب مستقل، لكني كتبت الكثير من القصص التي لم أنشرها على مدار سنوات طويلة، إما لأني رأيت فيها أفقًا أبعد من أفق القصة، أو لأني لم أرض عنها. لكن الأهم من ذلك، أن رواياتي مطعمة بقصص يمكن قراءتها منفصلة، وهو التكنيك الذي أفضله في كتابة الرواية. عندما أتأمل كتابتي، أجدني ميّالًا لكتابة الرواية في شكل قصص، والقصة في شكل رواية. مع ذلك، ورغم أن كل نص يختار النوع الأدبي المناسب له، إلا أني أعترف لك أن الحكايات التي تأتيني طويلة، متشعبة، عالمها السردي يناسب الرواية أكثر من القصة، كما أن نفسي طويل في الكتابة، وأميل لتصغير الواقع الكبير لواقع صغير أفهمه، وهو ما أجده في الرواية أكثر من القصة القصيرة. في نهاية المطاف، أنا أستسلم للإلهام، أسمح للفكرة بالنضوج على مهل، وأسمع صوتي الداخلي كما أسمع صوت بطلها، وفي لحظة توحد الصوتين والعثور على اللغة المناسبة للنص، أشرع في الكتابة، وأثق أن الإلهام أهم من الصنعة.
اختلافك الكامل عن كل ما يُكتب في الأدب المصري، أعني أن تجربتك بالكامل تنبني على نوع من الفانتازيا والغرابة وأحياناً التاريخ، يحمل بالتأكيد قدراً من التمايز هل جعلك من ناحية أخرى تشعر بالعزلة وسط كتابة واقعية غالبة؟
- لا لا، لا أشعر بأي نوع من العزلة وسط الكتابة الواقعية، وأعتقد أن الكتابة الجيدة هي الكتابة الجيدة بغض النظر عن اللافتة التي تأتي تحتها أو تُقدَم بها. في النهاية، أنا أكتب تجربتي، أصنع مصغرات من الواقع، وأؤمن بالميتافيزيقا كمحرك لنفس الواقع. ومن حياتي نفسها، ومن وساوسي الشخصية ومن أحلامي ذاتها، أستخلص كتابة تعبّر عني. لذلك، لا أرى أن كتابتي بعيدة عن الواقع، وإنما تحديق فيه وفي ما ورائه. هذه الكتابة، سواء سميتها فانتازية أو غرائبية، هي امتداد لفلسفة أفلاطون، أو الفلسفة المثالية، حيث الواقع ليس ما نراه، وإنما ما يكمن خلفه. بتأثير من هذه الفلسفة، بالإضافة لتكويني الذهني، أنطلق لتأمل الحياة. بالطريقة نفسها، ومن منطلقات مختلفة، تأتي الكتابات الأكثر انغماسًا في الواقع، عبر نافذة مختلفة عن نافذتي، وبرؤية تختلف عن رؤيتي، الأكيد أن هذا النوع من الديمقراطية ما سمح للأدب بالاستمرار والتطوير، بل وإزالة الحواجز بين التيارين الأدبيين.
هل تبَّقى من روايتك «حصن التراب» التي تتبعت حياة المورسكيين في إسبانيا ما يمكن كتابته في عمل آخر أم أن التاريخ قد يأخذك إلى زمن آخر؟
- حياة الموريسكيين لا تزال ملهمة بالنسبة لي، ليس لأنها تخص اضطهاد المسلمين، وإنما لأنها تلخيص للتاريخ البشري بكل ما فيه من عنف وعنصرية. بالتالي، فهي حقبة ملهمة، وتحتاج الكتابة عنها كثيرًا لفهم تاريخنا العربي الخاص والإنساني في عمومه. لكن من وجهة نظر فنية، لن أقدم على عمل يخص هذه الفترة ما لم أقع على رؤية جديدة وحكاية تستحق أن تسرد. ثمة نقطة هامة أود الإشارة إليها، أني لا أعمل وفق برنامج أو مخطط طويل المدى، ولا أحب إخضاع أدبي لقضية بذاتها. طبيعتي ميالة للاستسلام للإلهام، للإنصات لصوتي الداخلي والتفاعل مع مشاعري، لذلك فثمة فارق بين تكرار الهواجس في كتابتي وتكرار تناول قضية ما. فلو قلت إن مصير الأشياء يشغلني، فتمثيلات هذا المصير ستختلف من عمل إلى عمل. أم الاشتغال على قضية بعينها، مهما كانت أهميتها، فيحتاج إلى شرارة تأتي في لحظة نور.
هل هناك في مصر أو في العالم العربي ما يمكن أن يشكل تياراً فانتازياً، ومن هم الكتّاب الأقرب إلى ذائقتك وفهمك ووعيك من مصر والعالم العربي؟
- ربما لو سألتني نفس السؤال منذ سنوات مضت لفكرت قليلًا وأشرت لك إلى تيار أو أسماء كتاب ينتمون إلى تيار الفانتازيا أو الكتابة الغرائبية أو حتى الواقعية السحرية. الآن لم تعد تشغلني التصنيفات، بل وأتشكك في جدوى تصنيف الأدب إلى واقعي وفانتازي، وربما أظن أنها مهمة النقاد وليس الكتاب. في ذهني تصنيف واحد للأدب: أدب مجازي أو غير مجازي، الأول أدب يلمّح ويشير، يقول أكثر مما تقوله الكلمات، وقادر على فتح أفق القارئ على احتمالات مختلفة، أما الثاني فقريب وسهل التأويل، يحكي أشياءً نعرفها. مع ذلك، فهذا التصنيف نفسه ليس ثابتًا، وثمة مراوحات كثيرة داخل العمل الواحد.
هل الرواية المصرية قادرة على المنافسة عربياً وعالمياً وما الذي ينقصها في رأيك؟
- طبعًا الرواية المصرية في مكانة متقدمة عربيًا، لكنها لم تعد الرواية الوحيدة المهمة، ولعل ذلك في مصلحة الأدب نفسه. مع ذلك، لا أحب تلقي الأدب من منظور قومي، لأني ككاتب أمثّل نفسي ولا أمثّل بلدي، فهذه التمثيلات نتركها لوزارة الخارجية. أما على المستوى العالمي، فلا الرواية المصرية ولا العربية دخلت الاختبار بعد، وهذه مسألة لا تخص الأهمية ولا الضعف والقوة، وإنما موازين أخرى سياسية أكثر منها أدبية. ما دام العالم العربي في أزمة سياسيًا وعلميًا وثقافيًا، ستبقى الرواية العربية مجهولة عالميًا، هذه مسألة تخص موازين القوى في العالم، وعلى رأسها أمريكا وأوروبا. الجوائز الكبرى محلها أوروبا، والغرب أرض القراءة الواسعة وصناعة النشر. يحتاج الأدب العربي إلى الكثير من الدعم خارج الأدب نفسه ليسطع بالمعنى العالمي الذي تقصده، ولن يتحقق ذلك ما لم تضع الأنظمة العربية خطة ترجمة من العربية إلى اللغات الأجنبية. أما لو تحدثنا عن العالمية بمعنى جودة الكتابة، فالرواية المصرية قادرة على المنافسة، لدينا كتَّاب لا يقلون عن الكتاب الأوروبيين، نفس الكلام أقوله عن الرواية العربية.
ما ملاحظاتك على جوائز الرواية خاصة البوكر؟
- بخصوص الشروط العامة المعلنة، ليس لديّ ملاحظات على الجوائز العربية. أما النتائج، ففي حدود علمي، هي اختيار لجنة التحكيم، وبالتالي ففوز عمل جيد أو سيئ يرتبط بذوق هذه اللجنة وتصوراتها الفنية. هناك من يرى أن الرواية يجب أن تتناول قضية، أو حربًا، أو تاريخًا بعينه، أو تحمل رسالة دينية، أو تنتصر لقيم الثقافة الإسلامية، في مقابل من ينتصر للفن والجمال ويدرك قيمة الرواية كفن يمكنه رؤية العالم والإنسان في تفاصيله الصغيرة. هاتان الوجهتان، المتناقضتان كما ترى، سينتج عنهما فوز عمل ربما ترضى عنه أو لا. هكذا أرى الأمر ببساطة بدون مؤامرات ولا انحيازات لبلد أو اسم كاتب، أو هكذا أحب أن أرى الأمور. قد يبدو لك كليشيهًا أن أقول إن الكتابة الجيدة هي الهدية التي يتلقاها الكاتب أولًا قبل أن يهديها إلى القارئ، لكنها الحقيقة التي أؤمن بها، وأتمنى أن يؤمن بها الكتاب والقائمون على الجوائز.
هل ترجمة الأدب العربي بهذه الصورة سواء في دور نشر صغيرة أو من خلال أقسام عربية يعني العالمية؟ متى يمكن استخدام هذا اللفظ «العالمية» الذي امتهن من فرط تكراره بمناسبة وبدون مناسبة؟
- العالمية بمعناها الأولي هي ترجمة أدب ما إلى لغة أخرى، لكن لو تأملنا قليلًا فترجمة الأدب الإنجليزي إلى العربية لا يعني العالمية، لكن العكس صحيح. ماذا يعني ذلك؟ يعني أن العالمية هي نقل عمل إلى لغة أوروبية، فلو ترجمت إلى الصينية لن تكون عالميًا. نحن هنا نتحدث عن المركزية المهيمنة على الأدب، ما تمنح للأدب المهمّش صك الاعتراف. أتيح للأدب العربي فرصة وحيدة حتى الآن: الترجمة في دور نشر صغيرة أو جامعية، مع استثناءات قليلة بالطبع. وسواء كان من حق الكاتب العربي أن يصف نفسه بالعالمية أو لا لكونه مترجَمًا، فالمسألة تحتاج إلى الوعي بأن أوروبا لا تقيّمنا، ولا نحن كتابًا بإرادتهم ولا بمعاييرهم، ولا ننتظر صك الاعتراف منهم. الكتابة في عمقها تعبير إنساني، يستطيعه الكاتب العربي والغربي، بنفس الدرجة ونفس المهارة، وكون نوبل جائزة أوروبية، لا يجب أن يشغل الكاتب العربي عن الهدف الحقيقي من الكتابة، وهو فهم أنفسنا. لذلك، فالعالمية في تعريفي هي جودة العمل، احتواؤه على أفكار وخيال، نبش حقيقي في الثقافة العربية وأسئلة المجتمع. هذا هو ما يتبقى من الكاتب، إخلاصه لموهبته.
ما الذي غيره فيك كاتباً وإنساناً كونك أباً لبنتين؟
- أظن أن الكُتّاب نوعان: كاتب أب وكاتب غير أب. الكاتب الأب يرى ماضيه أمامه، يرى ذكرياته في طفل يحمل ملامحه وجيناته، ويرى أيضًا كيف يخلق الإنسان ألمه بنفسه، كيف يصنع نقطة ضعفه وقلقه وهواجسه. تمنح الأبوة هذه القدرة على ارتداء ثياب الآخر والتفكير بمنطقه، والمساحة الواسعة للتسامح مع طمع الإنسان وضعفه، والشعور الدائم بأن قلبك الذي ينبض ليس مجرد عضو لضخ الدم. لكنها تمنح، قبل أي شيء، القدرة على العطاء. ثمة كتلة من المشاعر يحملها الأب، من منظوره كإنسان أو كاتب، تمده بخبرة طويلة مع الإنسان منذ ميلاده ومشاهدة تطوره ومعايشته، لا يعني ذلك أنها تجربة إيجابية على طول الخط، فلها سلبياتها التي من ضمنها الانشغال بتأسيس حياة شخص آخر بناء على تصوراتك أنت عن الحياة، أو الاضطرار للإجابة عن أسئلة أنت أصلًا لا تعرف إجاباتها، أو انتزاع جزء رئيسي من حريتك لمصلحة شخص آخر. هذه المشاعر المتضاربة قادرة على وضعنا في النضج ذاته، لنعيد تقييم حياتنا.
وما طموحك من الكتابة؟
- الكتابة مشروع حياتي، أولويتي الأولى، معركتي الحقيقية مع العالم. المسألة تشبه قطارًا يسير على قضيبين، هذا المصير المحتوم غير محدد الوجهة. لذلك، فكل ما في هذه الحياة لخدمة الكتابة، بداية من القراءة للترجمة لمشاهدة السينما، وليس نهاية بالذكريات والماضي والخيال والتفاصيل اليومية، في كل ذلك أجد نصًا ليُكتب، فكرة تحتاج إلى تطوير، حلمًا يمكن الإمساك به. الكتابة هي وسيلتي الوحيدة لفهم تعقيداتي الذاتية، هي الخريطة الصغيرة التي أرسمها للعالم الكبير، الماكيت المصغر للواقع. هذه هي مراحل الكتابة الممتعة: الفكرة وتطويرها وكتابتها والتوسع فيها. ما يأتي بعد ذلك لا طموح لي فيه، أحب أن يُقرأ عملي، لكن إن لم يُقرأ، ماذا بوسعي أن أفعل؟ ماذا لو وصل للقارئ الخطأ؟ ماذا لو لم يحظ بالتقدير الكافي؟ هذه الأسئلة، والله، لا تشغلني، ما يشغلني غزل الحكاية، الوصول لعمق الشخصية، العثور على اللغة المناسبة، الشعور بألم الأبطال، والتجديد في السرد عبر اللغة والخيال. طموحي، إذن، أن أكتب عملًا أحب قراءته.
*في أحيان كثيرة أقرأ كتابات جيدة بلغة باهتة أو بإيقاع ساقط
*ما دام العالم العربي في أزمة سياسيًا وعلميًا وثقافيًا ستبقى روايتنا مجهولة عالميًا
يضم مشروع الكاتب المصري أحمد عبد اللطيف المميز ست روايات صدرت أولاها «صانع المفاتيح» عام 2010، ثم تلتها الروايات الخمس الأخرى، وحظيت بمتابعة نقدية عالية ومقروءية كبيرة وترحيب إعلامي كما فازت بعدد من الجوائز مثل جائزة الدولة التشجيعية وساويرس، وهي «عالم المندل»، و«كتاب النحات»، و«إلياس»، و«حصن التراب» التي وصلت إلى القائمة الطويلة للبوكر عام 2018، و«سيقان تعرف وحدها طريق الخروج».
لكن هذا المشروع شهد أخيراً انضمام أول مجموعة قصصية هي «مملكة مارك زوكربيرج وطيوره الخرافية»، مجموعة فيها روح أحمد عبد اللطيف، الكاتب الذي غادر أنماط الكتابة الراسخة، واختار التجريب في أراضي الفانتازيا، وطرَقَ أبواب الخيال في أبعد صوره. وبهذه المجموعة يواصل صاحبها الإيغال في عالمه المدهش الذي صار علامة مميزة في الكتابة المصرية لا تشبه سوى نفسها وكاتبها.
هنا حوار ينطلق من المجموعة لكنه لا يغفل رؤية أحمد عبد اللطيف لكثير من الأمور، من الكتابة وتحدياتها إلى الأبوة وجمالها.
دعنا نبدأ الحوار من مجموعتك «مملكة زوكربيرج وطيوره الخرافية». ينتفض بطل القصة الأولى ضد أوامر مارك زوكربيرج بوضع لايك لطائر الفولاك، كما ينتفض بطل القصة الأخيرة إبليس ضد الأمر الإلهي بالسجود.. فهل يمكن اعتبار السؤال الأساسي في هذه المجموعة له علاقة بتفسير العصيان؟
- من قبل كتابة «مملكة مارك» كنت مشغولًا بفكرة العصيان/الطاعة/السلطة، وأظن أنها فكرة مسيطرة بداية من روايتي «صانع المفاتيح» وصولًا إلى «سيقان تعرف وحدها مواعيد الخروج»، إذ أن التحول الذي يتعرض له الشخصيات هو ابن العصيان والخروج على المألوف، أو عبر رحلة يقطعها أحدهم. «مملكة مارك» هي استكمال لهذه التيمة، ومحاولة أخرى لطرح العصيان عبر قصص مختلفة. وبالمناسبة، كان العنوان المؤقت للمجموعة «المطاريد»، فأبطال القصص الخمس مطرودون من مكان ما أو من حياة شخص ما، هذا الطرد (وعادة ما يكون من فردوس ما) هو ما يخلق حالة المتاهة، حالة نشعر بها بمجرد خروجنا من المكان الآمن. فالقوس الكبير الذي فتحته بقصة مارك تغلقه قصة إبليس ضد الأمر الإلهي. ما يهمني هنا هو الفن، تناول مشاعر المطرود، لذلك فالقصة الأخيرة ليست إلا محاولة لفهم هذه الرؤية، وهي بذلك مرآة للقصة الأولى.
القصص في جانب منها توضح الطريقة التي حولتنا بها مواقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك واليوتيوب والتيندر إلى أشخاص فاقدين للقدرة على الاندماج من ناحية وكذلك الخوف من المواجهة والاكتفاء بالتلصص من خلف شاشات الكمبيوتر والموبايل.. ما رأيك؟
- ثمة تصور خاطئ بأن عالم الإنترنت مجرد واقع افتراضي، لكني أتبنى مصطلح «الواقع الممتد» الذي اقترحه الناقد الإسباني بيثنتي لويس مورا. أعني أن التكونولوجيا الجديدة ليست إلا امتداداً للواقع المعيش، بل إن عالم الإنترنت تحول ليشغل المساحة الكبرى في واقعنا، من خلاله نطلع على الأخبار ونشاهد الأفلام ونتواصل مع الآخرين، وأصبح رافدًا أساسيًا من روافد المعرفة. حتى العلاقات الإنسانية قد تبدأ منه ثم تنتقل إلى الواقع، أو لا تنتقل. لذلك، فالأدب الآن يجب أن يختلف عن أدب التسعينيات، بل وعن أدب بدايات الألفية. فالمفردات الجديدة في اللغة ليست مفردات خاوية، إنما تحمل انعكاسًا للواقع الجديد ومرآة لحياة الإنسان المعاصر. هذه الحياة الجديدة تميل إلى العزلة والدوران حول الذات، تختار «الكومفرت زون» كبديل للتجربة الواقعية والمغامرة. لذلك فإنسان الألفية الجديدة، رغم ما تتيحه كل الوسائل الجديدة من تواصل، هو أكثر انعزالًا وخوفًا من إنسان القرن الماضي. لكننا لا ينبغي أن نتحسر على هذا الوضع، علينا فحسب أن نفهمه.
القصص الأولى طويلة نوعاً ما هل كان هذا بقرار سابق على الكتابة أم أن تجربة القصص اختارت لنفسها هذه المساحة الكبيرة؟
- كل رواياتي الـ6 بدأت كقصة ثم اختارت لنفسها أن تكون رواية. هنا حدث العكس، فقصة مملكة مارك بدأت كرواية كان طموحها أن تكون جملة واحدة طويلة، ثم انتهت كقصة، وكان بوسعي أن أجعلها نوفيلا منفصلة. نفس الشيء مع قصة التيندر، التي تتناول مسألة الهجرة والتيه فيها. لكنَّ القصتين اختارتا هذا الشكل، بهذه المساحة، ودوري كمؤلف كان يشبه المايسترو الذي يدير الفرقة الموسيقية، بدون أن أتدخل إلا تنظيم الأصوات.
ما الفلسفة التي حكمتك في نزع علامات الترقيم من «مملكة زوكربيرج وطيوره الخرافية»؟
- الفلسفة الأساسية خلق موسيقى في النص، وإيقاع يخصه وحده. لكن الشكل لا ينفصل عن المضمون، إنما معبّر عنه. فالانتقالات الزمنية السريعة ومشاعر التوتر والخوف، يناسبها إيقاع سريع ولاهث، ما لا يتحقق مع علامات الترقيم التي تقف كحارس وراء كل عبارة. دعني أخبرك أيضًا بشاغلي ككاتب حول اللغة، فأنا لا أشعر بكثير من الرضا عن اللغة المتفق عليها، وأرى أن اللغة العربية أغنى بكثير مما حصروها فيها، وفي أحيان كثيرة أقرأ كتابات جيدة بلغة باهتة أو بإيقاع ساقط. وأظن أن التجديد في لغة الأدب يتطلب أن نعيد التفكير في المسلمات، مثل مفهوم «التكرار سيئ»، أو «علامات الترقيم ضرورية»، أو «الجملة الفعلية هي الأفضل»، أو «لا تبدأ بجار ومجرور»، بوسعنا أن نجرب ونعيد التجريب في بنية الجملة حتى نصل إلى أسلوبنا الخاص، وحتى نمنح نصوصنا حيوية أكبر وحياة جديدة.
ما رأيك في أن هذا العمل به رائحة من روايتك «إلياس».. هل السبب إن كنت توافقني مرجعه إلى اللغة وطريقتها وسرعتها وتدفقها والتكرار الفني فيها؟
- أتفق معك بالتأكيد، فالهاجس اللغوي الذي سيطر في «إلياس» له ما يعادله في «مملكة مارك»، لكن اللعبة اللغوية مختلفة. في «إلياس» كان ثمة تخلٍ تام على ضمائر المفعول وضمائر الملكية، وإحلال الأسماء محلها، أدى ذلك إلى التكرار وكان سمة أسلوبية ممتدة على طول الرواية. في «مملكة مارك» التخلي عن علامات الترقيم وصنع قصة طويلة من جملة واحدة طويلة بدون وقفات، وفي الوقت نفسه الدوران حول جمل مفتاحية، كلما عدت إليها يفتح السرد أفقًا إضافيًا. «إلياس» اعتمدت على الجمل القصيرة جدًا، المكررة، المتلعثمة، لأنها تعبّر عن بطل وحيد، مهزوم، يخشى على ذاكرته، فالتكرار هنا كوسيلة للحفظ. وفي «مملكة مارك» الجملة طويلة، تنتقل من زمن إلى زمن، تستحضر خوف الطفولة لتفسر خوف النضج، والراوي يتحدث بسرد يساوي خفقان قلب المرعوب. هذه المشاعر، في كلا العملين، هو ما حاولت أن أعكسه في اللغة.
هذه أول مجموعة قصصية لك كيف تصف إحساسك بكتابة القصة؟ ما المختلف بينها وبين الرواية؟ وهل يمكن أن تعود قريباً إلى كتابتها؟
- هذه أول مجموعة قصصية منشورة في كتاب مستقل، لكني كتبت الكثير من القصص التي لم أنشرها على مدار سنوات طويلة، إما لأني رأيت فيها أفقًا أبعد من أفق القصة، أو لأني لم أرض عنها. لكن الأهم من ذلك، أن رواياتي مطعمة بقصص يمكن قراءتها منفصلة، وهو التكنيك الذي أفضله في كتابة الرواية. عندما أتأمل كتابتي، أجدني ميّالًا لكتابة الرواية في شكل قصص، والقصة في شكل رواية. مع ذلك، ورغم أن كل نص يختار النوع الأدبي المناسب له، إلا أني أعترف لك أن الحكايات التي تأتيني طويلة، متشعبة، عالمها السردي يناسب الرواية أكثر من القصة، كما أن نفسي طويل في الكتابة، وأميل لتصغير الواقع الكبير لواقع صغير أفهمه، وهو ما أجده في الرواية أكثر من القصة القصيرة. في نهاية المطاف، أنا أستسلم للإلهام، أسمح للفكرة بالنضوج على مهل، وأسمع صوتي الداخلي كما أسمع صوت بطلها، وفي لحظة توحد الصوتين والعثور على اللغة المناسبة للنص، أشرع في الكتابة، وأثق أن الإلهام أهم من الصنعة.
اختلافك الكامل عن كل ما يُكتب في الأدب المصري، أعني أن تجربتك بالكامل تنبني على نوع من الفانتازيا والغرابة وأحياناً التاريخ، يحمل بالتأكيد قدراً من التمايز هل جعلك من ناحية أخرى تشعر بالعزلة وسط كتابة واقعية غالبة؟
- لا لا، لا أشعر بأي نوع من العزلة وسط الكتابة الواقعية، وأعتقد أن الكتابة الجيدة هي الكتابة الجيدة بغض النظر عن اللافتة التي تأتي تحتها أو تُقدَم بها. في النهاية، أنا أكتب تجربتي، أصنع مصغرات من الواقع، وأؤمن بالميتافيزيقا كمحرك لنفس الواقع. ومن حياتي نفسها، ومن وساوسي الشخصية ومن أحلامي ذاتها، أستخلص كتابة تعبّر عني. لذلك، لا أرى أن كتابتي بعيدة عن الواقع، وإنما تحديق فيه وفي ما ورائه. هذه الكتابة، سواء سميتها فانتازية أو غرائبية، هي امتداد لفلسفة أفلاطون، أو الفلسفة المثالية، حيث الواقع ليس ما نراه، وإنما ما يكمن خلفه. بتأثير من هذه الفلسفة، بالإضافة لتكويني الذهني، أنطلق لتأمل الحياة. بالطريقة نفسها، ومن منطلقات مختلفة، تأتي الكتابات الأكثر انغماسًا في الواقع، عبر نافذة مختلفة عن نافذتي، وبرؤية تختلف عن رؤيتي، الأكيد أن هذا النوع من الديمقراطية ما سمح للأدب بالاستمرار والتطوير، بل وإزالة الحواجز بين التيارين الأدبيين.
هل تبَّقى من روايتك «حصن التراب» التي تتبعت حياة المورسكيين في إسبانيا ما يمكن كتابته في عمل آخر أم أن التاريخ قد يأخذك إلى زمن آخر؟
- حياة الموريسكيين لا تزال ملهمة بالنسبة لي، ليس لأنها تخص اضطهاد المسلمين، وإنما لأنها تلخيص للتاريخ البشري بكل ما فيه من عنف وعنصرية. بالتالي، فهي حقبة ملهمة، وتحتاج الكتابة عنها كثيرًا لفهم تاريخنا العربي الخاص والإنساني في عمومه. لكن من وجهة نظر فنية، لن أقدم على عمل يخص هذه الفترة ما لم أقع على رؤية جديدة وحكاية تستحق أن تسرد. ثمة نقطة هامة أود الإشارة إليها، أني لا أعمل وفق برنامج أو مخطط طويل المدى، ولا أحب إخضاع أدبي لقضية بذاتها. طبيعتي ميالة للاستسلام للإلهام، للإنصات لصوتي الداخلي والتفاعل مع مشاعري، لذلك فثمة فارق بين تكرار الهواجس في كتابتي وتكرار تناول قضية ما. فلو قلت إن مصير الأشياء يشغلني، فتمثيلات هذا المصير ستختلف من عمل إلى عمل. أم الاشتغال على قضية بعينها، مهما كانت أهميتها، فيحتاج إلى شرارة تأتي في لحظة نور.
هل هناك في مصر أو في العالم العربي ما يمكن أن يشكل تياراً فانتازياً، ومن هم الكتّاب الأقرب إلى ذائقتك وفهمك ووعيك من مصر والعالم العربي؟
- ربما لو سألتني نفس السؤال منذ سنوات مضت لفكرت قليلًا وأشرت لك إلى تيار أو أسماء كتاب ينتمون إلى تيار الفانتازيا أو الكتابة الغرائبية أو حتى الواقعية السحرية. الآن لم تعد تشغلني التصنيفات، بل وأتشكك في جدوى تصنيف الأدب إلى واقعي وفانتازي، وربما أظن أنها مهمة النقاد وليس الكتاب. في ذهني تصنيف واحد للأدب: أدب مجازي أو غير مجازي، الأول أدب يلمّح ويشير، يقول أكثر مما تقوله الكلمات، وقادر على فتح أفق القارئ على احتمالات مختلفة، أما الثاني فقريب وسهل التأويل، يحكي أشياءً نعرفها. مع ذلك، فهذا التصنيف نفسه ليس ثابتًا، وثمة مراوحات كثيرة داخل العمل الواحد.
هل الرواية المصرية قادرة على المنافسة عربياً وعالمياً وما الذي ينقصها في رأيك؟
- طبعًا الرواية المصرية في مكانة متقدمة عربيًا، لكنها لم تعد الرواية الوحيدة المهمة، ولعل ذلك في مصلحة الأدب نفسه. مع ذلك، لا أحب تلقي الأدب من منظور قومي، لأني ككاتب أمثّل نفسي ولا أمثّل بلدي، فهذه التمثيلات نتركها لوزارة الخارجية. أما على المستوى العالمي، فلا الرواية المصرية ولا العربية دخلت الاختبار بعد، وهذه مسألة لا تخص الأهمية ولا الضعف والقوة، وإنما موازين أخرى سياسية أكثر منها أدبية. ما دام العالم العربي في أزمة سياسيًا وعلميًا وثقافيًا، ستبقى الرواية العربية مجهولة عالميًا، هذه مسألة تخص موازين القوى في العالم، وعلى رأسها أمريكا وأوروبا. الجوائز الكبرى محلها أوروبا، والغرب أرض القراءة الواسعة وصناعة النشر. يحتاج الأدب العربي إلى الكثير من الدعم خارج الأدب نفسه ليسطع بالمعنى العالمي الذي تقصده، ولن يتحقق ذلك ما لم تضع الأنظمة العربية خطة ترجمة من العربية إلى اللغات الأجنبية. أما لو تحدثنا عن العالمية بمعنى جودة الكتابة، فالرواية المصرية قادرة على المنافسة، لدينا كتَّاب لا يقلون عن الكتاب الأوروبيين، نفس الكلام أقوله عن الرواية العربية.
ما ملاحظاتك على جوائز الرواية خاصة البوكر؟
- بخصوص الشروط العامة المعلنة، ليس لديّ ملاحظات على الجوائز العربية. أما النتائج، ففي حدود علمي، هي اختيار لجنة التحكيم، وبالتالي ففوز عمل جيد أو سيئ يرتبط بذوق هذه اللجنة وتصوراتها الفنية. هناك من يرى أن الرواية يجب أن تتناول قضية، أو حربًا، أو تاريخًا بعينه، أو تحمل رسالة دينية، أو تنتصر لقيم الثقافة الإسلامية، في مقابل من ينتصر للفن والجمال ويدرك قيمة الرواية كفن يمكنه رؤية العالم والإنسان في تفاصيله الصغيرة. هاتان الوجهتان، المتناقضتان كما ترى، سينتج عنهما فوز عمل ربما ترضى عنه أو لا. هكذا أرى الأمر ببساطة بدون مؤامرات ولا انحيازات لبلد أو اسم كاتب، أو هكذا أحب أن أرى الأمور. قد يبدو لك كليشيهًا أن أقول إن الكتابة الجيدة هي الهدية التي يتلقاها الكاتب أولًا قبل أن يهديها إلى القارئ، لكنها الحقيقة التي أؤمن بها، وأتمنى أن يؤمن بها الكتاب والقائمون على الجوائز.
هل ترجمة الأدب العربي بهذه الصورة سواء في دور نشر صغيرة أو من خلال أقسام عربية يعني العالمية؟ متى يمكن استخدام هذا اللفظ «العالمية» الذي امتهن من فرط تكراره بمناسبة وبدون مناسبة؟
- العالمية بمعناها الأولي هي ترجمة أدب ما إلى لغة أخرى، لكن لو تأملنا قليلًا فترجمة الأدب الإنجليزي إلى العربية لا يعني العالمية، لكن العكس صحيح. ماذا يعني ذلك؟ يعني أن العالمية هي نقل عمل إلى لغة أوروبية، فلو ترجمت إلى الصينية لن تكون عالميًا. نحن هنا نتحدث عن المركزية المهيمنة على الأدب، ما تمنح للأدب المهمّش صك الاعتراف. أتيح للأدب العربي فرصة وحيدة حتى الآن: الترجمة في دور نشر صغيرة أو جامعية، مع استثناءات قليلة بالطبع. وسواء كان من حق الكاتب العربي أن يصف نفسه بالعالمية أو لا لكونه مترجَمًا، فالمسألة تحتاج إلى الوعي بأن أوروبا لا تقيّمنا، ولا نحن كتابًا بإرادتهم ولا بمعاييرهم، ولا ننتظر صك الاعتراف منهم. الكتابة في عمقها تعبير إنساني، يستطيعه الكاتب العربي والغربي، بنفس الدرجة ونفس المهارة، وكون نوبل جائزة أوروبية، لا يجب أن يشغل الكاتب العربي عن الهدف الحقيقي من الكتابة، وهو فهم أنفسنا. لذلك، فالعالمية في تعريفي هي جودة العمل، احتواؤه على أفكار وخيال، نبش حقيقي في الثقافة العربية وأسئلة المجتمع. هذا هو ما يتبقى من الكاتب، إخلاصه لموهبته.
ما الذي غيره فيك كاتباً وإنساناً كونك أباً لبنتين؟
- أظن أن الكُتّاب نوعان: كاتب أب وكاتب غير أب. الكاتب الأب يرى ماضيه أمامه، يرى ذكرياته في طفل يحمل ملامحه وجيناته، ويرى أيضًا كيف يخلق الإنسان ألمه بنفسه، كيف يصنع نقطة ضعفه وقلقه وهواجسه. تمنح الأبوة هذه القدرة على ارتداء ثياب الآخر والتفكير بمنطقه، والمساحة الواسعة للتسامح مع طمع الإنسان وضعفه، والشعور الدائم بأن قلبك الذي ينبض ليس مجرد عضو لضخ الدم. لكنها تمنح، قبل أي شيء، القدرة على العطاء. ثمة كتلة من المشاعر يحملها الأب، من منظوره كإنسان أو كاتب، تمده بخبرة طويلة مع الإنسان منذ ميلاده ومشاهدة تطوره ومعايشته، لا يعني ذلك أنها تجربة إيجابية على طول الخط، فلها سلبياتها التي من ضمنها الانشغال بتأسيس حياة شخص آخر بناء على تصوراتك أنت عن الحياة، أو الاضطرار للإجابة عن أسئلة أنت أصلًا لا تعرف إجاباتها، أو انتزاع جزء رئيسي من حريتك لمصلحة شخص آخر. هذه المشاعر المتضاربة قادرة على وضعنا في النضج ذاته، لنعيد تقييم حياتنا.
وما طموحك من الكتابة؟
- الكتابة مشروع حياتي، أولويتي الأولى، معركتي الحقيقية مع العالم. المسألة تشبه قطارًا يسير على قضيبين، هذا المصير المحتوم غير محدد الوجهة. لذلك، فكل ما في هذه الحياة لخدمة الكتابة، بداية من القراءة للترجمة لمشاهدة السينما، وليس نهاية بالذكريات والماضي والخيال والتفاصيل اليومية، في كل ذلك أجد نصًا ليُكتب، فكرة تحتاج إلى تطوير، حلمًا يمكن الإمساك به. الكتابة هي وسيلتي الوحيدة لفهم تعقيداتي الذاتية، هي الخريطة الصغيرة التي أرسمها للعالم الكبير، الماكيت المصغر للواقع. هذه هي مراحل الكتابة الممتعة: الفكرة وتطويرها وكتابتها والتوسع فيها. ما يأتي بعد ذلك لا طموح لي فيه، أحب أن يُقرأ عملي، لكن إن لم يُقرأ، ماذا بوسعي أن أفعل؟ ماذا لو وصل للقارئ الخطأ؟ ماذا لو لم يحظ بالتقدير الكافي؟ هذه الأسئلة، والله، لا تشغلني، ما يشغلني غزل الحكاية، الوصول لعمق الشخصية، العثور على اللغة المناسبة، الشعور بألم الأبطال، والتجديد في السرد عبر اللغة والخيال. طموحي، إذن، أن أكتب عملًا أحب قراءته.