تستحوذ المناجم والمحاجر على نحو ٥.٣% من الائتمان المصرفي.. وأبدت البنوك اهتماما بزيادة التمويل عبر مشروع واعد لاستخراج النحاس

قفز الطن المتري من النحاس إلى ما يتجاوز ١٠ آلاف دولار، ومن المرجح أن يصل إلى 12 ألف دولار خلال العام الحالي -

أدت الحرب الأوكرانية وتوسيع نطاق العقوبات الاقتصادية ضد روسيا إلى عرقلة سلاسل الإمداد بدءا من النفط والغاز ووصولا إلى قطاع المعادن -

الطلب يزيد على المعادن الفلزية التي تحتل أهمية متزايدة في العديد من قطاعات الاقتصاد الجديدة مثل وسائل النقل الكهربائية والإلكترونيات والطاقة المتجددة -


يحتل قطاع التعدين اهتماما كبيرا ضمن سياسات التنويع الاقتصادي في سلطنة عمان، ويعد هذا القطاع إحدى ركائز النمو في الخطة الخمسية العاشرة التي تسعى لرفع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي حيث ما زالت هذه المساهمة متواضعة للغاية ولا تتناسب مع حجم الثروات التعدينية في سلطنة عمان، ويتمتع قطاع التعدين بإمكانيات كبيرة تؤهله لتحقيق أهداف التنويع الاقتصادي حيث إن توفر الثروات المعدنية في سلطنة عمان يقدم فرصا جاذبة للاستثمار وتعزيز الصادرات.

وتشير الإحصائيات الصادرة عن البنك المركزي العماني إلى أن إجمالي الائتمان المصرفي في سلطنة عمان بلغ أكثر من ٢٣ مليار ريال عماني بنهاية العام الماضي، ويستحوذ قطاع التعدين (المناجم والمحاجر) على نحو ٥.٣ بالمائة من هذا الائتمان أي ما يعادل ١.٢ مليار ريال عماني، وأبدت المصارف العمانية التجارية اهتماما بزيادة تمويل هذا القطاع خلال الفترة الأخيرة من خلال تقديم التمويل لمشروع واعد لاستخراج النحاس، كما يشجع البنك المركزي البنوك على زيادة مساهمتها بشكل عام في تمويل خطط التنمية ومشروعات التنويع الاقتصادي.

وفي إطار استراتيجيات دعم نمو قطاع التعدين شهدت الفترة الماضية توقيع عدد من الاتفاقيات المهمة لمناطق الامتياز في قطاع التعدين، كما وقعت شركة تنمية معادن عمان اتفاقية للتنقيب واستكشاف المعادن الفلزية مع إحدى الشركات الكندية لتنفيذ مسوحات جيوفيزيائية جوية لمناطق الامتياز التابعة لها التي تقدر مساحتها بـ 480ر21 كيلومترا مربعا لفترة زمنية تصل إلى سنتين بدءا من شهر مايو المقبل، وتهدف هذه الاتفاقية إلى بناء قاعدة بيانات جيولوجية وجيوفيزيائية دقيقة وشاملة لمناطق الامتياز التابعة للشركة، كما تمثل خطوة مهمة في رحلة الشركة للاستكشاف والتنقيب عن المعادن الاستراتيجية في سلطنة عُمان. وتحديد مناطق الاهتمام التعديني للفلزات المعدنية كالنحاس والكروم وغيرها من المعادن الاستراتيجية ذات الجدوى الاقتصادية، وإيجاد قاعدة بيانات تسهم في استقطاب المستثمرين من قطاع التعدين لاستغلال الفرص الاستثمارية المتاحة في سلطنة عُمان.

وفي بداية العام الجاري، تم توقيع اتفاقية بين أحد البنوك التجارية المحلية وإحدى شركات القطاع الخاص لتقديم تسهيلات تمويلية بقيمة 19 مليون ريال عُماني لتنفيذ مشروع تعدين النحاس في منطقة الواشحي - المجازه بولاية المضيبي الذي يسعى إلى تطوير وتنمية قطاع التعدين في السلطنة، والمساهمة في تحقيق أهداف التنويع الاقتصادي في ظل اهتمام القطاع المصرفي العماني بقطاع التعدين تماشيًا مع توجهات الحكومة لتنويع مصادر الدخل.

ووفقا للتقديرات الأسترالية، تم اكتشاف أكثر من 16 مليون طن من النحاس في موقع المشروع، واحتياطات قابلة للتعدين يتجاوز حجمها 10 ملايين طن. وتبلغ التكلفة الإجمالية للمشروع نحو 27 مليون ريال عُماني مع عمر افتراضي لإنتاج المشروع على مدى ١٠ سنوات.

وتأتي هذه التطورات المهمة في قطاع التعدين بينما أصبح معدن النحاس، وغيره من المعادن الفلزية، تحتل أهمية متزايدة في العديد من قطاعات الاقتصاد الجديدة مثل السيارات الكهربائية، والإلكترونيات الاستهلاكية، ومشروعات الطاقة المتجددة، وهناك طلب عالمي مرتفع على النحاس الذي يطلق عليه ملك المعادن الخضراء، وشهدت السنوات الأخيرة قفزة في أسعار النحاس ومن المتوقع استمرار ارتفاع أسعاره نظرا للتوقعات التي تشير إلى انخفاض مستمر في حجم العرض مقارنة مع الطلب على النحاس.

وخلال الأسبوع الجاري، ارتفع سعر الطن المتري من النحاس إلى ما يتجاوز ١٠ آلاف دولار أمريكي، وحققت أسعار المعدن ارتفاعا بنسبة ٦ بالمائة منذ بداية هذا العام، فضلا عن مكاسب بنحو ٧٠ بالمائة خلال العامين الأخيرين في ظل تفشي الجائحة وما لحق بها حاليا من تبعات نتيجة الحرب في أوكرانيا، كما أدى التحول العالمي نحو الطاقة المتجددة واستخدام وسائل النقل الكهربائية إلى طلب كبير على المعادن الصناعية خاصة النحاس والألمنيوم حيث يتم استخدامها في ألواح الطاقة الشمسية والتوصيلات الخاصة بمحطات الرياح والطاقة الشمسية،

وتتوقع مجموعة جولدمان ساكس ارتفاع أسعار النحاس إلى مستوى قياسي يصل إلى 12 ألف دولار خلال العام الحالي 2022 كإحدى تبعات الحرب على أوكرانيا، ويواجه العالم نقصا حادا في إنتاج النحاس العالمي، وبحسب دراسات فإن ارتفاع الطلب على النحاس سيفوق العرض بأكثر من ستة ملايين طن بحلول عام 2030.

ووفق تقرير صادر عن مجموعة ساكسو بنك، فخلال الربع الأول من هذا العام، ساعدت الحرب الروسية الأوكرانية والعقوبات المرتبطة بها على تقديم أداء قوي في قطاع السلع الأساسية، حيث سجل مؤشر بلومبرج للسلع الفورية مكاسب بنسبة 24 بالمائة، ما جعله الربع السنوي الأفضل بالنسبة للقطاع في التاريخ الحديث.

وأدت الحرب الأوكرانية وتوسيع نطاق العقوبات الاقتصادية الصارمة ضد روسيا إلى عرقلة سلاسل الإمداد بدءاً من النفط والغاز ووصولاً إلى قطاع المعادن الصناعية الأساسية، إلى جانب تراجع إمدادات السلع الغذائية مثل القمح والذرة وزيت دوّار الشمس. وساهمت جميع هذه التغيرات بظهور تحديات لوجستية وارتفاع تكاليف المدخلات في الكثير من القطاعات إلى درجة دفعت بعض القطاعات التي تستهلك كميات كبيرة من الطاقة إلى خفض معدلات إنتاجها، ما يؤدي إلى توجيه المسار نحو طريق أطول وأصعب لتثبيت الأسعار عن طريق خفض مستويات الطلب.

وواصل النحاس، ملك المعادن الخضراء، تحقيق المكاسب مقابل المعادن الصناعية الأخرى. وشهد الزنك مؤخراً ارتفاعاً في أسعاره نتيجة النقص الحاصل في إمداداته ولا سيما في المنطقة الأوروبية، حيث سجلت المخزونات في بورصة لندن للمعادن تراجعاً حاداً. واقتربت تداولات النحاس لأعلى مستوى لها في شهر واحد خلال وقت سابق من الأسبوع الماضي بعد أن سجلت تشيلي، أكبر مُنتج للنحاس في العالم، انخفاضاً بنسبة 7 بالمائة على أساس سنوي في الإنتاج الذي بلغ 399,817 طناً في شهر فبراير، والذي جاء في أعقاب انخفاضه بنسبة 7.5 بالمائة على أساس سنوي في شهر يناير الماضي، واعتبر التقرير أن توقعات انخفاض العرض وجهود التحول الأخضر سيواصلان دعم أسعار المعدن خلال الأشهر القادمة وهو ما يبقي التطلعات المستقبلية المتعلقة بالنحاس إيجابية ويرجح وصول أسعار النحاس إلى مستويات قياسية جديدة خلال وقت لاحق من هذا العام.

ومن جانب آخر، تشمل موجة الارتفاعات كافة المعادن الصناعية وكانت شركة استشارات الطاقة «وود ماكنزي» قد توقعت أن يؤدي الانتقال إلى مصادر الطاقة المتجددة إلى زيادة الطلب على المعادن الأساسية في السنوات القادمة، وفي الوقت الذي تفي فيه الحكومات بالتزاماتها للحد من ظاهرة الاحتباس الحراري، فإن الاعتماد المتزايد على الطاقة الشمسية سيعزز الطلب على العديد من المعادن غير الحديدية، وأشار التقرير إلى ثلاثة معادن على وجه التحديد تستفيد من هذا النمو في الطلب، وهي الألومنيوم والنحاس والزنك، كما وضعوا ثلاثة سيناريوهات محتملة لنمو الطلب على المعادن، مع نمو الطلب لكل منها اعتماداً على نجاح الجهود الدولية للحد من ظاهرة الاحتباس الحراري. وفيما يتعلق بالألومنيوم يفترض السيناريو الأساسي للطلب أنه بحلول نهاية القرن، ستكون درجات الحرارة قد ارتفعت بمقدار 2.8 إلى 3 درجات مئوية عن أوقات ما قبل العصر الصناعي، وفي هذه الحالة، سيرتفع الطلب على الألمنيوم من قطاع الطاقة الشمسية من 2.4 مليون طن في عام 2020 إلى 4.6 مليون طن في عام 2040.

وعادة، يتم استخدام الألومنيوم في إطارات الألواح الشمسية وأجزائها الهيكلية، وترى وود ماكنزي أن الطلب على النحاس - المستخدم في كابلات نقل الجهد العالي والمنخفض ومجمعات الطاقة الشمسية الحرارية - سيحقق مكاسب ملحوظة حيث تصبح الطاقة الشمسية أكثر انتشاراً، بينما يتوقع سيناريو الحالة الأساسية للنحاس أن الطلب على النحاس الناتج عن توليد الطاقة الشمسية سيرتفع من 0.4 مليون طن في عام 2020 إلى 0.7 مليون طن سنوياً بحلول عام 2040.

وفي الوقت نفسه، أشار المحللون إلى أن طلاء الزنك فقط هو الذي يمكن أن يوفر حماية رخيصة وطويلة الأمد من التآكل مما يزيد استخدام المعدن في الأجزاء الهيكلية للألواح الشمسية وتستهلك منشآت الطاقة الشمسية حوالي 0.4 مليون طن من معروض الزنك العالمي السنوي، وفي السيناريو الأساسي لتطور الطلب على الزنك إذا كانت درجات الحرارة العالمية في طريقها للارتفاع بمقدار 2.8 إلى 3 درجات مئوية بحلول نهاية هذا القرن، فمن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى 0.8 مليون طن بحلول عام 2040.