حوار: جون وينر

ترجمة - أحمد شافعي

أناتول ليفين هو كبير زملاء معهد كوينسي لفن الحكم المسؤول. صدر له كتاب «أوكرانيا وروسيا»، ونشرت مقالاته في جاكوبين وفايننشال تايمز وذي أمريكان بروسبكت وذي نيشن.

جون وينر: نتكلم الآن وقد مضت أكثر من خمسين يوما من حرب أوكرانيا. سحبت روسيا قواتها من محيط كييف. وبوتين يتكلم عن الانتصار في الدفاع عن الروس في دونباس ضد الفاشيين الذين يزعم أنهم كانوا يهددونهم. يبدو أن ذلك يشير إلى إمكانية التوصل إلى تسوية. في المقابل، أدت الأخبار عن قيام القوات الروسية بقتل مدنيين إلى قول بايدن: إن بوتين يجب أن يقدم إلى المحاكمة. وهذا يجعل التسوية أقل احتمالا. وأنت كتبت في نوفمبر أن لدينا بالفعل الخطوط العريضة لتسوية في أوكرانيا. ما ملامح ذلك العرض؟ وهل لا يزال شيء منه ساريا بالفعل بعد خمسين يوما من الحرب؟

أناتول ليفين: كانت مينسك 2 اتفاقية بين أوكرانيا وروسيا بوساطة فرنسا وألمانيا، وبموجبها ترجع المنطقتان الانفصاليتان في الدونباس بشرق أوكرانيا ـ وهما اللتان تمردتا على أوكرانيا بدعم روسي ـ إلى أوكرانيا، لكن على أساس حكم ذاتي محلي تام. أحاطت بمينسك 2 مشكلات من جميع الأنواع، لكن المشكلة الأساسية كانت أن الأوكرانيين رفضوا السماح باستقلال جمهوريتي الدونباس ورفضوا تمرير قوانين الحكم الذاتي اللازمة لتنفيذ اتفاقية مينسك 2 لأنهم خافوا أن يكون الحكم الذاتي في الدونباس بأوكرانيا بمثابة صدع في طريق تحرك أوكرانيا باتجاه الغرب. ولعل ذلك كان صحيحا، لكن لم يكن لشيء غير الحكم الذاتي قادرا أن يكون أساسا لذلك الموضوع بالطبع.

أقرَّت كل من الولايات المتحدة والأمم المتحدة اتفاقية مينسك في 2015، لكن الغرب لم يفعل شيئا حقا لدفع الأوكرانيين إلى تنفيذها، أو للسماح، في المقابل، بانفصال الدونباس. بالتوازي مع ذلك جاء عرض الانضمام إلى الناتو ولم يكن ذلك في الحقيقة عرضا بالانضمام إلى الناتو. ورفضت أوكرانيا أيضا عرضا بمعاهدة حياد. ولا بد أن أوضح تماما أنه ما من شيء يمكن أن يبرر الغزو الروسي لأوكرانيا. لكن لا بد من القول أيضا إننا والأوكرانيين أضعنا فرصا دبلوماسية كثيرة لاجتناب الحرب.

لنتحدث عن حيادية أوكرانيا. يعد ذلك في العادة تضحية ضخمة وخطيرة من جانب الأوكرانيين. هل ترى الأمر بهذه الطريقة؟

لا. لكن النقطة الأساسية هي ما قاله عنها الرئيس زيلينسكي. فقد ذهب في فترة ما قبل الحرب إلى زعماء الناتو والغرب قائلا: «هل بوسعكم أن تضمنوا لي أنكم في غضون خمس سنوات سوف تعرضون على أوكرانيا الانضمام إلى الناتو؟» وقالوا: «لا». لكنهم أيضا رفضوا عرض روسيا بمعاهدة حياد، ولم يكن بوسع زيلينسكي أن يعرض هذا خوفا من المعارضة الداخلية. ثم غزت روسيا. وزيلينسكي يعرض الآن معاهدة حياد. لكنه يطلب ضمانات أمنية، أي ضمانات بأن يدخل الغرب الحرب إذا تعرضت أوكرانيا للغزو من جديد. وهذا طلب مفهوم تماما من وجهة نظر الأوكرانيين.

كان البريطانيون، في بلدي، من قادة التضامن مع أوكرانيا. لكن وزيرا بريطانيا قال على الفور: «لا، لن نقدم ضمانات أمنية لأوكرانيا. نأسف». في هذه الظروف التي تشهد عدم استعداد الغرب لإدخال أوكرانيا في الناتو، وعدم استعداده تقديم ضمانات أمنية، تكون الحيادية مخرجا واضحا. ما يمكن أن يحصل عليه الأوكرانيون هو ضمان حديدي أنه في حال خرق روسيا لمعاهدة وغزوها أوكرانيا من جديد، فسوف يعيد الغرب فرض عقوبات اقتصادية كاملة. لكن ذلك يفترض مسبقا أن الغرب سيعلق العقوبات الاقتصادية في مقابل اتفاقية سلام.

المشكلة بالطبع هي أن الولايات المتحدة فرضت عقوبات على بلاد أخرى ثم تركتها قائمة لعقود: فإيران لأربعين سنة، وكوبا لستين. وكثير من ذلك له أسباب سياسية داخلية. هل بوسعك أن تتخيل تسوية للحرب دون إنهاء للعقوبات؟ هل بوسعك أن تتخيل أن أمريكا قد تتخلى عن العقوبات؟

الحديث في تلك اللحظة سيكف عن كونه بحثا عن السلام أو عن مساعدة أوكرانيا أو عن تحقيق انسحاب روسي. إنما سيصبح مزيجا من الرغبة في معاقبة بوتين وروسيا، والأجندة الجيوسياسية الأمريكية الرامية إلى إضعاف روسيا، لا لأجل أوكرانيا بل لتقوية تفوق الولايات المتحدة في العالم بتحجيم منافس وإضعاف حليف للصين على حساب حياة من لا حصر لهم من الأوكرانيين. وبصدق لا أرى طريقة لتصوير ذلك باعتباره موقفا أخلاقيا. وبخاصة لأن السبيل الوحيد لإدراج انتقام في اتفاقية سلام قائمة على معاهدة حياد هو التهديد بالعقوبات. وذلك يفترض مسبقا رفع العقوبات.

إنني أدعم عقوبات كاملة، لأنني أعارض هذا الغزو بعمق. لكن المنطق يستوجب رفعها في مقابل اتفاقية سلام مقبولة ومنطقية ومن أجل تمكين اتفاقية السلام. لو أننا نريد انسحابا روسيا فعلينا أن نعطي لروسيا حوافز للقيام به.

ما البديل لوقف إطلاق النار بناء على تفاوض ومعاهدة سلام؟ كيف يمكن أن يكون شكل الجمود العسكري المفتوح بالنسبة لأوكرانيا؟

بعيدا عن الجانب الجنائي لهذا الغزو، لقد تم التعامل معه من الروس بانعدام تام للكفاءة، يتجلى في العجز عن الاستيلاء على كييف والعجز عن تخويف الحكومة الأوكرانية ودفعها إلى الهرب أو الاستسلام، وانسحاب الروس الآن من حول كييف للتركيز على غزو كامل منطقة الدونباس. هذه نقطة مهمة: قبل الحرب لم يكن الروس يسيطرون على كامل منطقة الدونباس، لكنهم الآن يعترفون بهاتين الجمهوريتين الانفصاليتين. لذلك سيحاولون الآن غزو الدونباس كاملة. وحينئذ يكون بوسع بوتين أن يعلن الانتصار. قد يعرض الروس في هذه الحالة وقفا لإطلاق النار من جانب واحد ويقولون: «ها هي شروطنا للتفاوض»، ويتخذون موقفا دفاعيا ويتحدون الأوكرانيين أن يهاجموهم في الشرق، فحينئذ سوف يبدأ الأوكرانيون في معاناة خسائر ثقيلة للغاية.

ولو قدمنا حينئذ دبابات وطائرات حربية تتيح هجوما أوكرانيًّا شاملا، فسيكون هذا تصعيدا للحرب وانتقالا بها إلى مستوى آخر. ما قد يحدث حينئذ سيكون صراعا آخر بلا نهاية مثل الدونباس من 2014، لكن على نطاق أكبر، أو مثل كشمير، وقد يحدث بعد فترة من ذلك ألا تعود الحرب كاملة النطاق، وإنما تصبح مصادمات لا تنتهي. سيكون هذا أمرا مؤسفا للغاية لأنني أعتقد أن 90% من اتفاقية السلام قائم بالفعل، وبخاصة معاهدة الحياد ذات الضمانات، ولكنها ليست ضمانات أمنية. لكن النمساويين لم يحصلوا على ضمانات أمنية في معاهدة الدولة النمساوية الموقعة سنة 1955 في حقبة الحرب الباردة، ولا حصل الفنلنديون على أي ضمانات أيضا بعد الحرب العالمية الثانية. والنموذج الفنلندي مهم، لأن سببا أساسيا لعدم محاولة ستالين غزو فنلندا وضمَّها بالكامل إلى الاتحاد السوفييتي كان أن الفنلنديين في بداية الحرب العالمية الثانية حاربوه بمنتهى القوة. وذلك يصدق على الأوكرانيين الآن. واستبعد كثيرا أن ترغب الحكومة الروسية في تكرار هذه التجربة، فقد كانت كارثة عسكرية لروسيا، وكذلك كارثة اقتصادية.

كم سنة من العقوبات في رأيك سوف تعيد صياغة الاقتصاد والمجتمع في روسيا؟

حتم على روسيا أن تزداد اعتمادا على الصين. ستحل الصين محل أوروبا سوقا للغاز والنفط الروسيين. والصين حينئذ هي التي ستحدد سعر الغاز والنفط الروسيين. وستكون تلك شراكة بشروط الصين إلى حد كبير للغاية. في حدود روسيا، أعتقد أنه من الواضح تماما أنه سيكون فيها اقتصاد تسيطر عليه الدولة أكثر مما تسيطر عليه بالفعل، والمزيد من رأسمالية الدولة، إن شئنا القول. وستكون الدولة الروسية أكثر فأكثر نزوعا إلى القمع.

هل ترى أوروبا قادرة على المضي بغير الغاز الروسي إلى الأبد؟ يقولون الآن إنهم يريدون تخفيض واردات الغاز الطبيعي الروسي بمقدار الثلثين؟ وربما الفحم الروسي أيضا. أهذا موقف حربي عارض، أم هو أمر أكثر دواما؟

بمرور الوقت، سوف يبتعد الأوروبيون عن إمدادات الطاقة الروسية. سيستغرق هذا وقتا، لأن البدائل غير قائمة باستثناء فحم أوروبا. في تلك النقطة لا مجال لحديث جاد عن عمل معارض للتغير المناخي. في حدود ما يخص الغاز، إذا طور الأمريكيون فعليا التكسير الهيدروليكي، وأعرضوا عن أي مخاوف بيئية، حينئذ أوروبا سوف تستطيع بمرور الوقت أن تجد إمداداتها. طبعا سوف يتحتم وصول الغاز الطبيعي المسيل في حاويات عابرة للأطلنطي، بما يعني استثمارا هائلا في بنية أساسية جديدة، في حين أن الغاز الروسي يأتي كما نعلم عبر أنابيب. وإذن لا يمكن تنفيذ هذا بسرعة، وهو باهظ التكلفة، وهو مريع التأثير على التغير المناخي. وفور إنشاء بنية أساسية ضخمة جديدة للغاز الطبيعي المسيل، سيقل احتمال أن تبتعد أوروبا عن الغاز الطبيعي.

لكن إذا أعلن الروس وقفا لإطلاق النار وقبلوا بشكل أساسي الشروط الأوكرانية في ما عدا مسألة حدود الدونباس، أعتقد أننا في هذه الحالة قد نرى انشقاقا بين بعض الأوروبيين والأمريكيين حيال القبول بالشروط الروسية من عدمه.

مسألة الدونباس هي الأصعب بين عوامل اتفاقية السلام الأوكرانية، ولها المقدرة على تقويض احتمالات التسوية في المستقبل المنظور. لقد أعربت الحكومة الأوكرانية عن استعدادها لإرجاء هذه المسألة إلى مفاوضات مستقبلية، لكنها طالبت أيضا ـ وبصورة طبيعية تماما ـ بتضمين أي تسوية ما يوجب على روسيا الانسحاب من كل الأراضي الإضافية التي احتلتها منذ بدء الغزو بما في ذلك الأراضي الإضافية في الدونباس. أما روسيا فقد اعترفت باستقلال جمهوريتي الدونباس في حدود كامل أراضي مناطق الدونباس (التي لم تتمكن بعد من غزوها بالكامل).

لذلك يبدو لي أننا بحاجة إلى قرار مبكر في هذا الأمر (خلافا للقرم التي يمكن إرجاء وضعها الرسمي إلى أجل غير مسمى). يبدو لي أيضا أن الطريق الشرعي الوحيد لحل المشكلة هو إجراء استفتاء بإشراف دولي على أساس المقاطعة تلو المقاطعة في عموم المنطقة لتحدد الأغلبية في كل مقاطعة بقاء مقاطعتهم في أوكرانيا أم انضمامها إلى الجمهوريتين الانفصاليتين. من شأن حل كذلك ألا يرضي روسيا أو أوكرانيا، لكنني بصدق لا أرى بديلا يمكننا به أن ننهي الصراع على الدونباس.

مترجم عن ذي نيشن