• مرجع أساسي للاستشارات وتمكين الأسرة في التعامل مع الأطفال المكفوفين


  • عيسى الحضرمي: أعباء مالية ونفسية وتعليمية تعاني منها أسر الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية


  • أم الجوري: تربية طفلة كفيفة أمر صعب وبعد المسافة يحرم ابنتي حقها من التعليم




كشفت بيانات صادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات تعرض (197) طفلًا لإعاقة بصرية خلال العام الماضي (107) منهم من الإناث و(90) طفلًا من الذكور. وبينت الإحصائيات أسباب الإعاقة البصرية التي تعرض لها أولئك الأطفال، منها تعود لأسباب خلقية تعرض لها (89) طفلًا (39) منهم من الذكور، وبلغ عدد الأطفال الذين أصيبوا بالإعاقة البصرية أثناء الولادة (37) طفلًا، فيما أصيب (35) طفلًا نتيجة مرض أغلبهم من الذكور، بينما أصيب (29) منهم لأسباب وراثية أغلبهم من الإناث، بينما تعرض (7) أطفال للإعاقة نتيجة حادث.

وطالب مجموعة من المواطنين والمهتمين وأسر الأطفال ذوي الإعاقة البصرية بضرورة إيجاد مركز للكشف والتدخل المبكر للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية في سلطنة عُمان، لما للمركز من نتائج مرجوة تتلخص في وجود مرجع أساسي يساعد أسر الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية والمجتمع في الحصول على الاستشارات والخدمات التي يحتاجون إليها فيما يخص رعاية وتأهيل ابنهم من ذوي الإعاقة البصرية، ووجود لغة مشتركة وموحدة في التعامل مع أسر الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية من خلال وجود مقومات فريق التدخل المبكر في نفس المركز، وتمكين الأسرة في جانب تنمية مهارات التشخيص الأولية وخدمات التدخل المبكر والمهارات الحياتية، وتدريب طفلهم عليها وفق منهج تخصصي متكامل، وتمكين المعلمين والمعلمات في المدارس الحكومية والخاصة والمراكز الحاضنة للطفولة من التعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية وتدريبهم وتأهيلهم، إضافة إلى تجويد الخدمات المقدمة للأشخاص ذوي الإعاقة وأسرهم.


  • مركز تأهيلي




وشرح عيسى بن سالم بن محمد الحضرمي، مدرب في التوجه والحركة والتقنيات المساعدة للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، ومهتم بتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة، أهمية وجود هذا المشروع، حيث تعتمد فكرته على تفعيل مركز تأهيلي للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية معني بتوجيه وإرشاد وتمكين الأشخاص من ذوي الإعاقة البصرية وأسرهم، ومعلمي المراكز الخاصة والحاضنة للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية في المجتمع على مهارات الكشف المبكر والتدخل المبكر، ويقوم على مساندتهم، وتقديم كافة الخدمات الإرشادية، كالإرشاد الأسري، والمهارات التدريبية في التعامل مع أطفالهم المكفوفين، وتوجيههم إلى الجهات المعنية بتقديم الخدمة المناسبة لهم، كما تعتمد الفكرة على تجميع فريق العمل المعني بتقديم خدمات التدخل المبكر في مكان واحد من خلال توحيد لغة الفريق الواحد في تقديم الخدمات والمهارات للأسرة الحاضنة للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية والمجتمع، ومعتمدًا قدر الإمكان على الخامات البيئية في المجتمع المحيط، إضافة إلى التعاون مع المراكز الخاصة في تقديم الخدمات الصحية والتأهيلية والتدريبية لهذه الفئة في سلطنة عمان.

وأشار الحضرمي إلى الضرورة التي تحتم وجود مركز للتدخل المبكر للإعاقة البصرية، ووضع عدة مبررات لوجود هذا المركز أهمها: عدم توفر مراكز تدخل مبكر للأشخاص ذوي البصرية في سلطنة عمان، وافتقار معظم المعلمين والمعلمات في المدارس الحكومية والخاصة والمراكز الحاضنة للطفولة إلى مهارات التربية الخاصة، ومعاناة المعلمين والطلبة من ذوي الإعاقة البصرية وعدم قدرتهم على التكيَف في المدارس الحكومية الدامجة للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، والجهد والوقت المبذول في معهد عمر بن الخطاب للمكفوفين في تنمية المهارات الأولية عند المستجدين، وتشتت وسائل وقنوات المعرفة بين المؤسسات فيما يخص خدمات الفريق الخاصة بالتدخل المبكر والتأهيل، والأعباء المالية والنفسية والتعليمية التي تعاني منها أسر الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، كما تطرق الحضرمي إلى دراسات وتجارب تثبت أن الأطفال الذين لا يحصلون على تدخل مبكر يؤثر ذلك على مسارهم التعليمي وتنشئتهم في المستقبل، وقد أثبتت تجارب الدول المجاورة التي لديها تدخل مبكر على جودة المخرجات للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية.

وقال: إن هدف المشروع هو العمل في أربعة اتجاهات محددة وهي خدمات الاستشارات البصرية، وخدمات التشخيص الأولية، وخدمات الكشف والتدخل المبكر، وخدمات التأهيل والتدريب، وأضاف أن المشروع يستهدف الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية من الولادة إلى سن الخامسة، وأسر الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، والمعلمين والمعلمات في المدارس الحكومية والخاصة، وفريق العمل المختص بخدمات التأهيل والتدخل المبكر، والمؤسسات المعنية بتقديم خدمات التدخل المبكر والاستشارات للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، وأفراد المجتمع ككل.


  • ولادة طفل كفيف




إحدى أمهات الأطفال المكفوفين شرحت لنا معاناتها وأهمية وجود مركزا للتدخل المبكر، سوسن بنت سليمان السعيدية، أم الجوري البالغة من العمر (6) سنوات التي ولدت كفيفة دون أن تشتكي من أي أمراض أخرى، شرحت لنا أم الجوري مدى صعوبة ولادة طفل كفيف من حيث قدرة الأم على تربية كفيف وتقبل المجتمع له، وحالة الاستغراب التي تملكت الأطباء بعد ولادة هذه الطفلة وكأنها حالة نادرة، ولم تسفر مراجعاتها للمستشفى عن فائدة تذكر، ولا أي تقرير عن ماهية هذه الحالة الصحية، فما كان من أم الجوري سوى السفر للخارج، وكانت الصدمة أنها كفيفة لا علاج لها أبدًا، والأمر الوحيد الذي باستطاعتهم فعله هو القيام بعمليات تجميل لشكل العين فقط وهي عملية لا يتم إجرائها إلا بعدما يكبر الطفل.

واجهت السعيدية صعوبات كبيرة في تربية طفلتها الكفيفة، ورغم أنها كانت دائما تبحث عن النصيحة والاستشارة إلا أن تربيتها كانت من اجتهادها الشخصي، وقراءتها في مجال هذه الإعاقة رغم قلة الكتب التي تتحدث عن التربية وتواصلها مع المربين ذوي الشهادات العليا، لكن كثيرًا ما كانوا يعتذرون عن تقديم الاستشارة عندما تخبرهم أن الطفلة كفيفة، وقالت السعيدية: عندما بلغت الجوري (4) سنوات من العمر قررنا إلحاقها بدور العلم، ولكن لم تتقبلها أي مؤسسة تعليمية خاصة بحكم إعاقتها البصرية، كما رفضت حلقات القران الكريم تسجيلها لذات السبب، وأضافت أن كل المؤسسات التعليمية متمركزة في محافظة مسقط، ولم نتمكن من إلحاقها بها بسبب بعد المسافة، وعندما أكملت الجوري سن الخمس سنوات قمنا بإلحاقها بصف التهيئة بمعهد عمـر بن الخطاب للمكفوفين بمحافظة مسقط - وهو المركز التعليمي الوحيد في سلطنة عمان- ولم نتمكن من الانتقال لمسقط بسبب ظروفنا المادية وارتباطنا بأعمالنا في ولايتنا، واضطررنا إلى إلحاقها بالسكن الداخلي للمعهد، لكن الجوري لم تتقبل السكن بعيدًا عن أمها وكانت كثيرة البكاء، ولم تتقبل التعليم مطلقًا مما دفع بهم الحال إلى إلحاقها بالمعهد ليومين فقط بالأسبوع تكون فيهما أسرتها بمعيتها.


  • التخبط العشوائي




شرحت أم الجوري مدى حاجة الوالدين لوجود مركزًا للتدخل المبكر يخدم الأطفال المكفوفين، فالكفيف له من الحقوق كغيره من ذوي الإعاقات الأخرى وغيرهم من الأشخاص الطبيعيين، وأن هناك حاجة ماسة للإدماج بين ذوي الإعاقات البصرية وغيرهم من الأشخاص السليمين سواء في التعليم العام أو الجامعي، ومدى صعوبة بُعد المراكز بالنسبة للكفيف وللأهالي.

كانت لجنة الإدماج الشامل التابعة لجمعية النور للمكفوفين قد شرحت آليات تعليم الطفل الكفيف، ووضعتها في (3) مراحل، تتم المرحلة الأولى لتعليم الطفل الكفيف في الشهور الأولى لولادته، حيث يجب مراعاة لفت انتباه الطفل إلى بعض الحواس البديهية التي يستعملها للحصول على ما يحتاجه من تنفس أو شم أو تذوق أو تحدث، وهنا يمكن للأم أن تضع يد الطفل على فمها عند محادثته ليعرف أن الفم هو مصدر الصوت، ويكتشف بعض المعلومات بذهنه المتواضع، كما يجب الاهتمام بتكوين علاقة وثيقة بين الطفل الكفيف وباقي أفراد الأسرة، وتحفيزه على لمسهم وسماعهم طوال الوقت، مع الربط دومًا بين ملمس الشخص وصوته، وفي السياق ذاته إطلاق أسماء على الألعاب التي تلمسها أصابعه، وتعريفه بها وبطريقة عملها، وكيفية حركتها هل أنها تطير أم تمشي أم تدور أم ماذا، ولا تتوقف مرحلة التعليم البدائية تلك على مجرد ذكر الأسماء مع الملمس، ولكن يمكن للأم ربط ذلك بألعاب أو أشياء أخرى عبر إخباره أن هذه اللعبة تشبه شيئًا في شكلها وتكوينها وتحديد الهدف منها؛ بحيث لا يقتصر دور اللعبة على الترفيه فقط بقدر ما يتم استعمالها في تعليمه.

ويؤكد الأطباء دومًا على أن الأم مطالبة بإجابة استفسارات الطفل دومًا دون تأفف أو ملل خاصةً وأنه غالبًا المصدر الوحيد والرئيسي لمعلوماته وحياته، وعليها تحمل ذلك حتى لو شعرت بالضجر والصداع من كثرة كلامه وتساؤلاته حتى لا تصيبه بحالة نفسية سيئة تعزله بعدها عن العالم أجمع بجسده وروحه.

وفي المرحلة الثانية من مراحل تعليم الطفل الكفيف، يفضل محادثة الطفل ووصف الأحداث التي تدور من حوله، فبعد أن كانت عملية التعليم مقتصرة على ربط الملمس بالصوت، أصبحت عملية التعليم تعتمد على ربط الأحداث بالأشياء من حوله، كأن يتم إخباره بضرورة تبديل الملابس بهدف مغادرة المنزل والذهاب لمكان ما، أو أن تخبر الأم الطفل الكفيف بضرورة إحضار متعلقاته الشخصية أو حذاءه أو حقيبته قبل الخروج سويًا، وبهذا الربط بين الحدث والشيء يتعلم الطفل الكثير من العادات والتقاليد والأمور الخفية من حوله، وفي هذه المرحلة أيضًا يتم تعليمه أسماء الأعضاء والحواس المختلفة ووظائف كل منها.

وفي المرحلة الثالثة وبعد نمو الطفل بقدر كافٍ يتيح له النقاش والتعلم بشكل أفضل، يكون من الملائم التأكد من أن الطفل يعي كل ما يقوله وكل ما يلمسه وكل من يتحادث معه من داخل الأسرة وغيرها، وفي هذه المرحلة على الأم تعليم الأطفال كيف أن هنالك مراحل مختلفة، وأحداث تمر قبل الوصول إلى النتيجة النهائية، وعلى الأم ذكر ذلك وتوضيح بعض الخطوات مثلًا لتحضير الطعام أو لصنع شيء ما أو لتجهيز أحد متطلباته واحتياجاته المختلفة، حتى لا يظن أن الأشياء توجد نفسها بشكل تلقائي عند الحاجة إليها خاصة، وأنه لم يرَ بعينيه أن إعداد الأشياء يتطلب المرور بمراحل، كما يمكن للأم إتاحة الفرصة له للمس المنتجات والأشياء والخامات المختلفة في المطبخ وفي غرف المعيشة وغيرها للحصول على تخيل واضح حول ماهيتها. وهناك العديد من التجارب التعليمية التي تجريها جمعيات عديدة على الطفل الكفيف التي أثبتت فعاليتها في تكوين شخصيته وموهبته وذكاءه أكثر من غيره الذي لم تتاح له فرص التعرض للأشياء والمعلومات والنقاش هذا من أسرته، أما في ختام تلك المرحلة يجب تعليمه بعض الضمائر المخاطبة والمتكلم وغيرها، وتعريفه بكيفية استعمالها ومتى يستعملها ولماذا، ويمكن الاستعانة بالعديد من النصوص التدريبية لقراءتها، وتعويده على اللغة من صغره خاصةً وأنه من الصعب عليه قراءتها بوضوح وسرعة وفهم معناها إلا بعد فترة كبيرة من حياته.