الترجمة عن الروسية: يوسف نبيل -

ليست أوكرانيا وحدها عدوة روسيا.

كان عصر اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية إبان جورباتشوف عدوًا لروسيا. لقد كان نظامًا غير مسؤول يتسم بالروسيا فوبيا.

كان النظام الروسي في التسعينات؛ في عصر يلتسين، عدوًا لروسيا أيضًا، وهو نظام مجرم ويتسم بالروسيا فوبيا أيضًا. كان هذا العصر هو عصر التسليم الكامل للهيمنة الغربية. وصلت سيادة روسيا حينها إلى مستوى الصفر حيث مثّلت فيها النخبة الإرادة الاستعمارية. أطلقت هذه النخبة حينها على نفسها: «المصلحون الليبراليون». منذ فترة قريبة فر زعيم هؤلاء الإصلاحيين أناتول تشوبايس من روسيا؛ منذ فترة قريبة وحسب!

لا يزال كثيرون من ممثلي هذا النظام يشغلون مناصب كبيرة، دون أن يوضحوا شيئًا أو يعتذروا عن شيء، وكأن شيئًا لم يحدث!

وكانت أعوام التسعينات مجرمة بكل معنى الكلمة، وكانت هذه فترة معاداة روسيا الكاملة، وكل الظروف التي اجتمعت في هذا الوقت، وكل المناصب التي شُغِلت، وكل الاتصالات التي أُجرِيت خائنة وتتسم بالروسيا فوبيا بعمق. في هذه الفترة توجهت كل العمليات الأساسية في مجال السياسة والاقتصاد والدبلوماسية والثقافة والتعليم إلى الغرب مباشرة. اخترق العملاء الغربيون كل المجالات وصولا إلى السيلوفيك (1) والخدمات الخاصة. تم تشجيع ذلك من القمة. لم ينعم هؤلاء القادة الأطلنطيون بالراحة فقط في روسيا، بل تجولوا في كل أنحائها بحرية تامة. كلمة السر التي فتحت كل الأبواب كانت «روسيا فوبيا». لم يقتصر ذلك على الدوائر الخاصة، بل شمل أيضًا الإدارة الرئاسية والحكومة. جرت معاداة روسيا بأفضل ما يمكن أن يكون.

بدأ بوتين الخروج من مجال معاداة روسيا، وتقدّم صوب روسيا الحقيقية. حينها فقد اتضح تدريجيًا المغزى الحقيقي من أعوام التسعينات. لم تبدأ روسيا في فهم ماذا تعني معاداة روسيا إلا عندما صارت روسيا حقًا.

يمكننا أن نقول إن الطريق من معاداة روسيا إلى روسيا في أعوام الألفينات متعرج بعض الشيء؛ خطوة إلى الأمام وخطوتين إلى الخلف، ثم ثلاث إلى الأمام وواحدة إلى الخلف... لا تبدو هذه الرقصة جذابة، بل مشوهة؛ كأن رجلا مخمورًا يترنح في زقاق مظلم.

لم يظهر عدو روسيا في الخارج إلا حينما اقتربنا من روسيا الحقيقية بدرجة كافية. تعرفنا على عدو روسيا ممثلا في أوكرانيا. لقد فر بعض المناهضين لروسيا حينما قرصت روسيا ذيولهم قليلا وتركزوا هناك في كرة من الأفاعي الكارهة لروسيا.

في هذا الوقت تحديدًا ولدت النازية الأوكرانية في صورة روسيا فوبيا ثلاثية:

1- بانديروفا (2) محلية غير مكتملة.

2- غرب المحيط الأطلنطي الأبدي.

3- المهاجرون الجدد اللاجئون منذ أعوام التسعينات.

في 22 فبراير 2022 انخرطنا في صراع مميت ضد مناهضي روسيا.

لكننا أطلقنا عملية عسكرية خاصة قبل أن نقضي على أعداء روسيا في الداخل. حتى لُطخ «الروسيا فوبيا» التي تناثرت في إسرائيل والغرب في الأيام الأولى بعد العملية العسكرية الخاصة لم تكن سوى غبار شاحب. جوهر مناهضة روسيا في الداخل لا يزال على حاله.

بإدراكه إن نهايته قد حانت يقاوم عدو روسيا بيأس. يفعل ذلك بشراسة بالانخراط في أي أعمال إرهابية دموية ضد السكان المدنيين، ويزمجر «النازيون» في ماريوبول وخاركوف وبوشا وأوديسا وكييف. تدافع أيضًا النخبة القديمة الفاسدة في روسيا عن نفسها بشراسة لا تقل عن دفاع عدو روسيا عن نفسه. إنها تفهم تمامًا حقيقة وجودها في مرجل سوف يُغلق عليها. في البداية هرب تشوبايس وأورجانت وسوبتشاك وفينيديكتوف وآخرون، حينما كانت الفرصة لا تزال سانحة، إنهم يمثلون الطابور الخامس، تبين أن الطابور السادس في المرجل الآن ولا يمكنه الخروج. بالنسبة للغرب هم «مجرمون» لأنهم تضامنوا مع العملية العسكرية الخاصة ولم يمنعوها، وبالنسبة لروسيا هم بقية أعداء روسيا من جذور أعوام التسعينات وخونة. ويتوجب عليهم الآن أن يتظاهروا بأنهم نائمون، لكن هذا لا يغيّر جوهرهم؛ فهم يكرهون الروس ويخافون منهم ويحتقرونهم كما يفعل عدو روسيا عمومًا. إنهم يبذلون اليوم كل جهودهم لوقف العملية العسكرية الخاصة ومصالحة العدو تحت أي ذريعة من الذرائع وقبول أقل ترضية ممكنة. إذا حلت نهاية عدو روسيا متمثلا في أوكرانيا، سيحل عدو روسيا في الداخل، وهذا أمر لا مفر منه.

وهناك حزب النصر، وهو يتمثل في الرئيس والسيلوفيك والشعب، وهو يمثل روسيا الحقيقية.

وهناك حزب عدو روسيا، وهو يضم الجزء الغالب من الصفوة الروسيا المعاصرة المتحدرة من أعوام التسعينات. قليلون منها فروا، أما الجوهر الأساسي لعدو روسيا فلا يزال يختبئ كامنًا في الانتظار، وهو يحاول الآن تخريب العملية العسكرية الخاصة بقدر استطاعته.

في مثل هذا الوقت ليست هناك أهمية للأيدولوجية مؤقتًا. لا يُفرّق حزب النصر الآن بين يمين ويسار.

لكن حزب عدو روسيا المقابل يلعب على جميع المتناقضات، ويحاول إشعال الخلافات الأيدولوجية بشكل مصطنع ويزرع بذور الشقاق، ويقلّب الناس على الرئيس كما لو إنه هو من يتخذ تلك القرارات التي يعتبرها الشعب بصراحة خائنة.

لا يمكن أبدًا الاستسلام لذلك؛ فهذا هو حزب عدو روسيا، وهو العدو الداخلي.

وجد حزب النصر نفسه مجبرًا على القتال على جبهتين: جبهة داخلية وأخرى خارجية. علاوة على ذلك تضم الجبهة الخارجية الأوكرانية والغرب المعولم الكاره لروسيا. أما الجبهة الداخلية فتتمثل في النخبة الكارهة لروسيا.

هل لديكم أدنى فكرة عن صعوبة ذلك الصراع على القائد الأعلى؟ تنمو قائمة الخونة المكتشفين ككرة ثلج.

لن نحقق النصر إلا عندما تصير لنا اليد العليا في الجبهتين. تسعى الصفوة - تمامًا كما تفعل جماعة مقاتلي آزوف المحظورة في الاتحاد الروسي - إلى هدم الجسور الواصلة بين الشعب والرئيس، وعرقلة أي اتصالات بينهما وعزل السلطة العليا عن إدراك الصورة الحقيقية للتغيرات الدراماتيكية الحادثة في المجتمع. تبذل النخبة قصارى جهدها لمنع روسيا من أن تصير دولة شعبية؛ أي أن تصير روسيا حقيقية كاملا بصورة نهائية. وسيصير انتصار روسيا هزيمة لهذه النخبة وحلولا لآوان دفع الحساب. الطابور السادس محاصر الآن، ولذلك هو اليوم أخطر من أي وقت مضى.الناس يؤمنون بروسيا وبالرئيس وبالعملية العسكرية الخاصة، وهم مستعدون لدفع أي ثمن في مثل هذه الظروف - وهذا أمر مؤكد - بشرط أن يتحقق النصر وحسب. لن يقبلوا بشيء آخر؛ لا بنصف انتصار أو ربع انتصار؛ بل بالنصر الكامل على عدو روسيا.

ألكسندر دوغين فيلسوف روسي ومُحلل سياسي واستراتيجي، صاحب النظرية السياسية الرابعة والنظرية الاوراسية يؤمن بوجوب اتحاد وتحالف الشرق بقيادة روسيا والصين، يوصف بأنه عقل بوتين المفكر.

هوامش:

1- في المصطلح السياسي الروسي، Silovik هو سياسي دخل في السياسة من الأجهزة الأمنية أو العسكرية أو الخدمات المماثلة، وغالبًا ما يكون ضباط KGB السابقين أو GRU أو FSB أو SVR أو FSO أو خدمة مكافحة المخدرات الفيدرالية أو غيرها من الأجهزة المسلحة الخدمات التي وصلت إلى السلطة.

2- أعضاء في مجموعة متنوعة من المنظمات اليمينية في أوكرانيا. ومصطلح مشتق من اسم ستيبان بانديرا، رئيس منظمة القوميين الأوكرانيين التي تشكلت في عام 1929 كدمج بين الحركات بما في ذلك اتحاد الفاشيين الأوكرانيين.