طرابس «د..ب.أ»: إذا وصلت إلى إحدى المدن الليبية مبكراً في الصباح؛ ووجدت الطرق والساحات شبه خالية؛ اعْلَم أن شهر رمضان قد حل. ففي العادة، لا يفيق الليبيون باكراً مع الصيام. حتى الدراسة تتوقف عادة في رمضان، ودوام العمل الحكومي لا يبدأ قبل العاشرة، ولا يستمر بعد الثالثة ظهرا، ومع هذا يصر كثيرون على طلب إجازاتهم السنوية خلال الشهر.

يقول عامل صيانة خطوط كهرباء، محمد الجبالي: «لم أعمل في رمضان طيلة الخمسة عشر سنة الأخيرة. وأتحول في هذا الشهر إلى ما يشبه الكائن الليلي».

وفي حديثه لـوكالة الأنباء الألمانية (د. ب.ا) يعزي العامل ذلك لـ «شدة الحرارة، والشعور بالعطش والإرهاق»، فرمضان كان يَهِلُّ صيفاً خلال السنين الأخيرة، ولا يَخفى تأثير ذلك على بلد تحاصره كبرى صحاري العالم من الجنوب.

استمرت العادة، أو ترسخت كما يبدو، حتى مع دورة السنة القمرية، وتَحَوُّلِ رمضان لفصل الربيع، ولا زال أفضل توقيت للعبور السريع من أحد الشوارع التي اعتادت الزحام، هو ساعات الصباح الرمضانية.

قبيل الظهيرة تبدأ مراسم الشهر في الظهور، وتستطيع وقتها التصديق بأن مدينة كطرابلس يقطنها نحو 2 مليون نسمة، فالأسواق والدكاكين مفتوحة، والشوارع مزدحمة، وكلٌ في طريقٍ يريد غايةً تكون مرتبطة على الأرجح بشهر الصيام. أغلب الزحام يتركز في أسواق الخضار واللحوم، فالمطبخ الرمضاني بالبلاد لا يستغني عن الغلال المحلية الطازجة، مثل البصل والبطاطس والطماطم والشبت والبقدونس والفلفل والليمون والسلك (السلق) والجرجير والخس، والتمر والبرتقال والفراولة.

في العادة، تتصدر لحوم الماشية والأبقار والمعلبات الغذائية قوائم الشراء في رمضان، وكذلك السمك الطازج بالنسبة لسكان الساحل، بالإضافة للألبان ومشتقاتها. ولكن أزمة الغذاء العالمية المصاحبة للحرب في أوكرانيا أثرت كثيراً على اقتصاد ليبيا التي تستورد جل غذائها، وتعتمد بشكل شبه كلي على تصدير البترول، دون وجود نشاطات إنتاجية تذكر في مجال الغذاء، باستثناء زراعة الخضروات وبعض الفواكه، وتربية الماشية والدواجن، فضلا عن مصانع التعليب المحتشمة. والإجمالي العام للإنتاج الغذائي لا يغطي 10% من الاستهلاك المحلي «بحسب تصريح رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة الليبية، محمد الرعيض، لـ (د. ب. ا) دفعت كل تلك العوامل إلى ارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق، وزاد من أثرها الجشع المعتاد من التجار قبيل رمضان، الأمر الذي أدى للتدخل الحكومي عبر صرف مستعجل لمنحة الأبناء والزوجات غير العاملات.

تقول إحدى السيدات الليبيات، نجاة الطاهر، لـ (د.ب. ا) «لقد اعتادت ليبيا على نوائب الدهر، ومع الأزمة أو بدونها ستستمر طقوس رمضان بما يجود به الزمن. وكما يحاول الرجال اقتناء أفضل المشتريات بما يتوفر من مال، ستتفنن النساء دائما في تحويل ما يجدن بمطابخهن لأشهى الوجبات، وعلى الأقل أكثرها قدرة على إطفاء الجوع وبث الطاقة.

ومع الأطباق المتوسطية المعتادة في رمضان، مثل أنواع الشوربة، والبوريك، والبيتزا، والكباب والكفتة وغيرها، يفضل الليبيون الأطباق المحلية مثل: المُبطّن (بطاطس مقرمشة ومبطنة باللحم) والعصبان، والضولمة، والمبكبكة، والكسكسي، والبازين، والفتات، والحرايمي (حساء سمك) والأرز مع الخلطة، والطواجن بأنواعها.

ويشتهي الليبيون الحلويات في رمضان، وعلى رأسها: البقلاوة الطرابلسية، والزلابية، والعسلة، ولقمة القاضي، والبسبوسة، والكنافة والمقروض.

مع كل هذه الأطعمة، وبدون عمل يذكر خلال شهر كامل، لا يوجد ما يحرق هذه الطاقة إلا الحركة، ولهذا تمتلئ في فترتي: بعد الظهر وخلال الليل كل الساحات الرياضية بالنشاطات المتعددة كالمشي والركض وممارسة التمارين. وفي العادة تنظم أغلب الأحياء دوريات كرة قدم تدعو لها فرق من الأحياء الأخرى. وفاقت شهرة بعض الدوريات الرمضانية مسابقات رسمية تنظمها الاتحادية الرياضية، بل كان بعضها سبباً في شهرة لاعبين كِبار مثل «طارق التائب» وغيره، وكانت سبباً في تكوين منتخب ليبيا للكرة الخماسية الذي نال بطولات عربية وأفريقية.

مع اقتراب أذان المغرب؛ يبدأ ما يسميه الليبيون على سبيل الفكاهة «سباق الشربة» حيث تزداد وتيرة سرعة السيارات من أجل إدراك الإفطار بالمنزل. وفي العادة لا تفتح أغلب المطاعم قبيل وأثناء الإفطار، فالليبيون اعتادوا الاجتماع على مائدة رمضان، ولكن الأمر يختلف مع المقاهي التي يُستحسن الابتعاد عن الزحام أمامها قبيل الأذان، والسبب هو عشق الليبيين لقهوة المكياتو، أو «المكياتة» كما يسمونها محلياً.

ويقول صاحب مقهى في طرابلس، محمد صالح: «لا يوجد من يتفنن في المكياتة مثلنا، ولم أرَ من يتلذذ بها ويعشقها بهذا الوله، ولذا يتهافت الكثيرون على المقهى قبيل الإفطار، يأخذ كل منهم قهوته المغلفة حتى تحافظ على حرارتها، ويمضون لبيوتهم».

عند الإفطار تخلو الطرق إلا من تجمعات صغيرة ستجدها حتما بمداخل المدن والقرى، حيث اعتاد الليبيون إقامة موائد رمضانية لعابري السبيل. وإن تصادف مرورك من هناك؛ توقّع أن يغلبك مقيمو المائدة بسيف الحياء لكي تتناول الإفطار برفقتهم، حتى لو كان لك وجهة أخرى.

في البيوت تجتمع كل العائلة على المأدبة، فلا أعذار في رمضان. وحسب المعتاد يبدأ الليبيون إفطارهم بالتمر واللبن وبعض الحلويات. وبعد الصلوات الجماعية في البيت؛ تُقَدَّم المأدبة على نغمات الأغاني والمسلسلات الرمضانية المحلية.

لا ينفض مجلس المائدة إلا مع أذان العشاء، حين يتوجه أغلب الرجال وجزء كبير من النساء إلى المساجد لأداء صلاة القيام، وبعد الصلاة تبدأ الأمسيات، سواء بالاجتماعات الأسرية، أو بالتوجه إلى المدن القديمة حيث تقام أمسيات خاصة برمضان، أو إلى المنتزهات والأسواق من أجل التجهيز المُسبق للملابس وما يلزم لحلويات العيد.

لا تروق لأحد الطرابلسيين «امحمد بن سالم» أجواء رمضان الحالية. ويشير الحاج المقيم بمنطقة الظهراء وسط المدينة إلى قصر الملك الليبي السابق، ويقول لـ (د. ب. ا) بصوت ذي حرقة: «هناك عاش الطرابلسيون أجمل أيام رمضان، حيث كان يتوسط ملك البلاد الشُرفة، وإلى جانبه الشيخ المنشاوي ومقرؤون آخرون يتلون آيات القرآن، بأعذب الأصوات وأشجاها، أمام الأهالي الجلوس بالأسفل، والمدعوين للأمسية عامة دون تمييز».

يضيف الشيخ الطاعن بالسن واصفاً تلك الأجواء: «كانت أكثر روحانية، تجمع بين العبادة والسمر، في بلد بسيط، لكنه مُوَحَّد ومُطمئن. أما في أيامنا هذه، فقد بِتنا نخشى حتى الهدوء، لأن عاصفة ما قد تعقبه، وتُشعِلَ حروباً ذاق الليبيون ويلاتها حتى في رمضان».