الحرب هي الحرب، سواء وقعت في شمال الكرة الأرضية أم في جنوبها، وسواء دارت رحاها في الشرق أم في الغرب. وألم ضحايا الحرب ونكالهم نفسه سواء كانت عيون الضحية سوداء أم زرقاء، واسعة أم ضيقة. وخوف الحرب هو الخوف نفسه، أيضا، سواء كان الذي تشنها روسيا أم أمريكا أم إسرائيل. ومن جرب الحرب يعرف معاناة ضحاياها جيدا، ومن يترقب الموت فيها يعرف حجم الغصة التي تواجه النساء والأطفال والشيوخ والمدنيين الذين لا ذنب لهم، في الغالب، ولا مصلحة ولا مكسب حتى في حالة النصر. ومن هجّرته الحربُ يعرف معنى أن يكون ضحية ولاجئا بعيدا عن وطنه وأسرته وأطفاله. ومن شارك في بناء وطنه وفي إعماره ثم فجأة يراه خرابا ودمارا يدرك جيدا معنى الدمار في الحرب.

وإذا كانت الأجيال الكثيرة من الغرب لم تجرب أن تكون في موضع الضحية جراء الحروب أو في موضع انتظارها والانكواء بآثارها النفسية والاقتصادية والاجتماعية فإن الحرب الأوكرانية التي تدور رحاها في الجوار من الغرب وفي قلب تأثيراتها النفسية والاقتصادية والسياسية، مناسبة ليدرك الجميع، هناك، مرارة الحروب، ومرارة ما تتعرض له الكثير من البلدان والشعوب في الشرق أو في في أفريقيا من وجع الحرب ومرارتها.

فالإنسان في كل مكان هو الإنسان، ووجعه في لحظة ما هو الوجع نفسه، لا فرق أبدا.. وأمام كل هذا فإن الشعور الذي يجتاح الإنسان عندما يقرأ رواية أو قصيدة شعرية عن معاناة الفلسطيني المغتصبة أرضه والمشرد في أصقاع الأرض أو يقرأ رواية عن مرارة ما لقيه العراقيون من الغزو الأمريكي على بلادهم، لن يختلف كثيرا في كل معانيه عما كتبه أفغانستاني أو ياباني أو كوري أو أوكراني أو بوسني ضاق مرارة الحرب والتشريد وهدم الأوطان مهما كان دواعي الحرب أو شعاراتها الجوفاء.

هذا الأمر يدعو أن تضغط الكثير من الشعوب إلى حكوماتها وقياداتها من أجل وقف دعم الحروب أو دعم المعتدين، فلا أحد يمكن أن يكون في مأمن عن الحرب وويلاتها على الدوام. فأوروبا كانت تعتقد أنها وصلت إلى مرحلة لا يمكن معها أن تعيش رهاب الحرب أو أن تسمع أزيز الطائرات تحلق فوقها أو أن ترى ملايين الناس من أصحاب العيون الزرقاء لاجئة في الشوارع ومشردة في كل مكان.

وإذا كان ثمة نظام عالمي جديد يتشكل، وهو كذلك، فعلى الشعوب أن تسعى وتضغط ليكون نظاما لا يشرعن الحرب ولا الظلم ولا استعباد الشعوب الضعيفة.. لا يشرعنها ضد أوكرانيا ولا يشرعنها ضد العراق ولا ضد الفلسطينيين ولا ضد الإيرانيين.