في زاوية أقلام وآراء كتب الشيخ نافذ عزام مقالا بعنوان: يوم عرفة.. مطلوب مراجعة أمينة للنفس..، جاء فيه:
يوم عرفة من خير الأيام يشعر الإنسان فيه بخشوع كبير، سواء كان من الذين يسّر الله لهم أداء فريضة الحج، أم كان من الذين ينتظرون ذلك الشرف، هو اليوم الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة»، وهي الغاية الأسمى لكل إنسان منذ أن وُجد الإنسان على وجه الأرض أن يفوز برضوان الله والعتق من النار، لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه هنا: ما هو السبيل للعتق من النار؟، كيف هو الفوز برضوان الله؟ وهل يتحقق ذلك الهدف الكبير بالدعاء وحده؟.
في مثل هذا اليوم، والذي نراه بحق منهاج عمل للأمة.. واختصارا لما يريده هذا الدين من الإنسان.. لقد حج النبي -صلى الله عليه وسلم- حجة وحيدة عُرفت في كتب السيرة والتاريخ باسم «حجة الوداع»، وألقى خطبته الأشهر في تاريخ الإسلام كله، والتي عرفت أيضا باسم خطبة الوداع.
كان عليه الصلاة والسلام يلتقي للمرة الأولى بهذا العدد الكبير من أتباعه وأنصاره الذين جاءوا ليشهدوا الحج معه، حيث تقول كتب السيرة إن عددهم جاوز المائة ألف أراد النبي أن يلخص أمامهم أهم ما جاء به وكافح من أجله على مدار 23 عاما، وقف بين أيديهم في عرفات وشفق الغروب يلقي على جبهته الشريفة مزيدا من الألق والنور والمهابة والجلال، وراح يلقي كلماته للمائة ألف ولكل الذين سيأتون، ومن ورائه رجل جهوري الصوت، يصرخ بكلمات الرسول ليسمعها ألوف الحجيج.. خطبة يجب الوقوف أمامها طويلا لأنها تكشف واقعنا، وتزيد ألمنا كما تعيشه الأمة اليوم: «أيها الناس، اسمعوا قولي فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً، أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم –وقد بلغت- فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، وإن كل ربا موضوع، لكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلمون، قضى الله أنه لا ربا، وأن ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله، وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع، وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب «الذي قتلته هذيل»، فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية، أما بعد أيها الناس فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا، ولكنه إن يُطع فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم، أيها الناس: «إنما النسيء زيادة في الكفر، يُضل به الذين كفروا، يحلونه عاما ويحرمونه عاما، ليواطئوا عدة ما حرّم الله، فيحلوا ما حرّم الله»، ويحرموا ما أحلّ الله، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض. يعود النبي ليؤكد على شبكة العلاقات الداخلية «إن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين أخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه، إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمن أنفسكم».
المسلمون إخوة! هذا كلام النبي، لكن نحن لنا كلام آخر... «المسلم أخ المسلم...» هذا كلام النبي لكننا ندوس على كلامه، ونتعرف كما نريد وكما تريد أهواؤنا وأجنداتنا ومصالحنا، نمزق الأمة ونضع الحواجز بين مكوناتها وأبنائها.. وما النتيجة المتوقعة؟! إنها هذا التعنت وهذا الشقاء وهذا العنف وهذه الكراهية.. فكيف سنطلب من الله المغفرة في يوم عرفة هذا؟ كيف سنحلم برضوانه والعتق من النار في اليوم الأكثر إعتاقا من النار ونحن نخالف كتاب الله وسنة نبيه؟!.