كتبت: خلود الفزارية - عرف العرب الشعر وتدوينه قبل توجههم للتأليف، وحين اتسعت رقعة العرب مع الفتوحات الإسلامية وأتيح لهم الاحتكاك بالثقافات الأخرى، تمكنوا من تقديم كتبهم الخاصة إلا أن معظمها توجه إلى نقد الشعر، وكأن تعويذة الشعر لا يمكن التملص منها. وفي هذه الأسطر نتوقف عند قدامة بن جعفر وكتابه نقد الشعر. هو قدامة بن جعفر بن زياد البغدادي. ولد سنة: 260 أو 276 هـ، الموافق عام: 889 م، ونشأ في بغداد، وكان نصرانيا ثم أسلم على يد الخليفة العباسي المكتفي بالله، وهو صاحب أول كتاب وأثر نقدي علمي مشهور في الأدب العربي. يقدم قدامة عرضه مقرونا بالاستشهاد للتدليل على فكرته، وهو مطلع تمام الاطلاع على الشعر كما هو متعارف عليه في زمنه، ومتمكن من اللغة وعلى قدر كبير من الاطلاع في المعاني ومواصفاتها، ويحدد في كتابه أن المعاني تعبر عن المادة المعروضة، والشعر هو صورتها. أما نقده فقد راعى فيه أنه لا بد للشاعر أن يتوخى في شعره سلامة الوزن والمعنى، وما دام تنوع الأغراض يتعدد فإن المعاني تتفاوت، ويجب ألا يخالف الوصف مقتضى الغرض، مشيرا في مقدمته إلى أن فحش المعنى لا يضر بالجودة الشعرية، كما لا يعيب النجارة رداءة الخشب، فتجويد الصياغة لن تعيب الشاعر إن أحسن المدح أو الذم مستشهدا بكتاب «الخطاب» لأرسطو والنقد عند اليونانيين. ويعرف قدامة الشعر بأنه «قول موزون مقفى يدل على معنى»، ويقصد بالقول: دال على أصل الكلام الذي هو بمنزلة الجنس للشعر، وموزون: مما ليس موزنا، من الكلام ما هو موزون وغير موزون، ومقفى: يفصل ما بين الكلام الموزون الذي له قواف والذي ليس له، وما يدل على معنى: ما له دلالة في المعنى، كما ركز في تعريفه على المكونات الشكلية في الشعر والمعاني. أما مواصفات الشعر لديه فتتجلى في اللفظ وهي الكلمة، والتركيب، والوزن، والقافية، وأما المعنى فشكل القصيدة، والتمام الأجزاء، والتزام النعوت، واجتناب العيوب. ويركز قدامة على اللفظ باشتراطات محددة هي نعت اللفظ ويشترط في جودة اللفظ الفصاحة والسماحة وخلوه من البشاعة، ونعت الوزن واشترط فيه أن يكون سهل العروض، ونعت القوافي ويشترط فيها أن تكون عذبة الحرف سلسة المخرج، وكذلك جعل من نعوتها التصريع وهو إلحاق العروض بالضرب وزنا وتقفية، سواء بزيادة أو نقصان. أما المعنى فصحة المعنى وهي وضع كلمات في قوالب ملائمة للمحل والحال، فعلى الشاعر مراعاة نفسية المتلقي، وأن يتجنب الإحالة والإغراق المفضيين إلى التشويش على المتلقي، وعدم تمكن المعنى من ذهنه، والتناسب الغرضي ويعني به مطابقة الغرض للمعنى، واختيار الألفاظ التي تلائم الغرض الذي يقول فيه، وتتسم بالابتكار، والسبك الجيد. وتطرق قدامة في كتابه إلى قضية المبالغة والغلو وقسمها لثلاثة اتجاهات هي: من يعتقد أن أحسن الشعر أصدقه، ومن يعتقد أن أصدق الشعر أكذبه، ومن اتخذ الوسطية في منهج الشعر. ومن الأمثلة التي طرقها قدامة بن جعفر البيت المشهور: لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى وأسيافنا يقطرن من نجدة دما فالنقاد -وبينهم النابغة- يرون موضع الطعن على حسان قوله: الغر.. ويقدم قدامة بأنه كان ممكنا أن يقول البيض لأن الغرة بياض قليل في لون آخر غيره كثير، بحيث يروي وقالوا: فلو قال البيض لكان أكثر من الغر، وفي قوله: يلمعن بالضحى ولو قال بالدجى لكان أحسن، وفي قوله: وأسيافنا يقطرن من نجدة دما، قالوا: ولو قال يجرين لكان أحسن إذ كان الجري أكثر من القطر، ويوضح قدامة أن مقصد حسان في البيت أنه لم يرد بقوله: الغر أن يجعل الجفان بيضا، فإذا قصر عن تصيير جميعها أبيض نقص ما أراده، وإنما أراد بقوله الغر: المشهورات كما يقال يوم أغر ويد غراء، ولا يراد به البياض وإنما الشهرة، وأما قول النابغة في: يلمعن بالضحى أنه لو قال بالدجى، لكان أحسن من قوله بالضحى، إذ كل شيء يلمع بالضحى، فهو خلاف الحق، لأنه ليس يكاد يلمع بالنهار من الأشياء إلا الساطع النور شديد الضياء، فأما الليل فأكثر الأشياء تلمع فيه، وأما قول النابغة في السيوف: يجرين خير من قوله يقطرن لأن الجري أكثر من القطر، فلم يرد حسان الكثرة، وإنما ذهب إلى ما يلفظ به الناس من وصف الشجاع الباسل والبطل الفاتك بأن يقولوا: سيفه يقطر دما. وحصر قدامة الأغراض الشعرية في المدح والهجاء، والنسيب، والمراثي، والوصف، والتشبيه. وأما معايير الرداءة في الشعر عند قدامة بن جعفر فتتلخص في مخالفة الشاعر لقوانين الجودة وشرائطها. والمعايير التي أسماها عيوبا هي اللفظ بأن يكون ملحونا أو به عيب في الإعراب أو اللغة أو قد يشذ عن منهاج الشعراء، والمعنى ألا بد أن يرتبط باللفظ المستعمل، والوزن العروضي، والقافية. ففي اللفظ يحدد عيب اللفظ كالمعاضلة وهي مداخلة الشيء في الشيء، وعيب الوزن كالتخلع أن يكون قبيح الوزن قد أفرط تزحيفه، وعيب القافية كالتجميع وهو أن تكون قافية المصراع الأول من البيت الأول على روي متهيئ لأنْ تكون قافية آخر البيت، فتأتي بخلافه، أما المعنى ففي فساد الأقسام كالتكرير وذلك يكون إما بأن يكررها الشاعر، أو يأتي بقسمين أحدهما داخل تحت الآخر في الوقت الحاضر، أو يجوز أن يدخل أحدهما في الآخر في المستأنف، وأن يدع بعضها فلا يأتي به، وفساد المقابلات وهو أن يضع الشاعر معنى يريد أن يقابله بآخر إما على جهة الموافقة أو المخالفة، فيكون أحد المعنيين لا يخالف الآخر أو يوافقه، ومخالفة العرف والإتيان بما ليس في العادة والطبع. هذه باختصار النقاط التي ارتكز عليها قدامة بن جعفر في نقده وقد أسهب فيها كما تطرق إلى قضايا مشابهة ومتنوعة. والسؤال الذي يتبادر إلينا هل يعد ذلك نقدا موضوعيا، فنحن نلاحظ أن قدامة بن جعفر في كتابه «نقد الشعر» ينتقد القصيدة بيتا بيتا، ويستعين بشواهد نصية وشعرية في استشهاده، ويفسرها، ويشرح رأيه ويبين لماذا اتجه لهذا الاستنتاج، وتباينت مواقف العلماء تجاه نقد الشعر لابن جعفر، فمنهم من أثنوا عليه وتصدوا لنصرته، من أمثال عبداللطيف البغدادي في تأليفه «كشف الظلامة عن قدامة»، وابن أبي الإصبع في كتابه «الميزان»، ومنهم من رفضوا رأيه الذي تبناه في كتابه مثل الآمدي، وألف كتابا سماه «تبيين غلط قدامة»، وابن رشيق في كتابه «تزييف نقد قدامة»، ومن النقاد من كان لهم اتجاه وسطي؛ لأن كتابه شكل بناء هندسيا انشغل فيه بتقسيم الأجزاء والأركان، فبعد أن أتم هذا التقسيم ملأ هذه الأركان بنقد الشعر. إلا أنه يعتبر من الرواد الذين انتهجوا منهج النقد الأدبي في عصره وعصر التأليف عند العرب، وسار على منهجه العديد من المؤلفين، كما أنه تصدى لقضايا كان العرب منصبين عليها وأهمها أسس الشعر ومعانيه.