وصلتني منذ مدة رسائل تحتوي إشارة إلى منشور على الفيسبوك يتهم فيها شخص ما عدة كتاب بالسرقة الأدبية.

لفت الموضوع انتباهي، خاصة وأني قرأت بعضًا من تلك الروايات المشار إليها، فأخذت أقرأ ملخصات الأصول التي يدعى أنه أخذت منها، وكان استنتاجي الأولي أن المدعي يتهم الكتاب بانتحال الأفكار لا الكتب، ووجدت ذلك واردا، لكنه ورودٌ لا يلزم فيه الاتهام.

يقول رولان بارت أنه "لم يعد هناك ما نستطيع أن نطلق عليه الكاتب العبقري الذي يبدع كل شيء"، فنحن كلنا نتأثر بمصادر مشتركة، بل بيننا مشتركات لا تنتهي سواء، تلك التي نمر فيها من أحوال وعواطف على الصعيد الشخصي أو قضايا عامة لم تعد حكرا على مجتمع بعينه، بل صارت بفضل وسائل التواصل والعولمة الثقافية شأنا عالميا.

الأفكار على قارعة الطريق، وإن أردنا الأخذ الحرفي عن الجاحظ فهو يقول: "المعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العجمي والعربي والبدوي والحضري والقروي والمدني، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتميز اللفظ وسهولة المخرج".

طبعا كان العرب يهتمون بالشعر ونقدهم منصب عليه، أما السرد فهو مجال حديث، وبالتأكيد لم يكن مما أشار الجاحظ إليه، كما أنه فن أوروبي في الأساس ووصلنا متأخرا بعض الشيء، لذا سنجد صعوبة -إلا في حالات السرقات الفاضحة- أن نتعرف على المتشابه بين الرواية العربية وتلك المكتوبة بلغات أخرى.

أقول المتشابه، وقد يكون هناك تأثير فعلا، لكنا لو طبقنا مقولة الجاحظ هنا لوجدنا أن ذلك طبيعي فعلا، إذ إن الانتحال لا يكون في تشابه الأفكار بل في تشابه زوايا النظر والمعالجة الفنية واللغة والأخذ الحرفي وغيرها.

في كتابها "حياة سحرية" تورد الكاتبة الأمريكية إليزيبث جيلبرت المعروفة بكتابها الأشهر "أكل، وصلاة وحب"، حادثة لها دلالاتها، فلقد بدأت في التخطيط لكتابة رواية، وبالفعل وضعت القصة وعناصر الرواية من زمان ومكان ورسمت الشخوص الرئيسية، لكنها ولأسباب خاصة تعطلت عن البدء في مشروعها فأهملته، وحدث أن التقت بعد مدة بصديقة في مدينة أخرى، فجرهما الكلام للحديث عن مشاريعهما.

فوجئت جيلبرت بأن صديقتها على وشك الانتهاء من كتابة رواية، المفاجأة ليست هنا، بل إن فكرة الرواية التي تكتبها صديقتها تشبه إلى حد كبير فكرة الرواية التي كانت قد أهملتها.

لم تتهم جيلبرت صديقتها بالسرقة، فذلك أقرب للمستحيل لكنها علقت على الحادثة بـ"أن الأفكار مخلوقات حرة إن لم تحسن القبض عليها وإكرام وفادتها فرت منك إلى من يجيد ذلك".

إنه من البديهي أن نستقبل نفس الأفكار، لكن حتى ننجو من فخاخ الكلاشيهات الفكرية، علينا ككتاب أن ننتبه للزوايا التي ننظر من خلالها للأفكار، أن تكون كتابتنا تعبير أصيل عن مجمل تجربتنا الإنسانية، رؤيتنا للعالم، معرفتنا المتراكمة، وهكذا فقط نستطيع العثور على صوتنا الخاص، الصوت الذي نتمنى أن يستدل به علينا ككتاب يقدرون الأدب ويحترمون فنهم.