يُحيلنا السؤال الدائم "مَن أنت؟" على الارتباط المستمر بالهُوية Identity فعندما تريد التعريف عن نفسك فإنك تقدّم صورة واضحة لهويتك التي أنت عليها. وعليه تُعدُّ الهُوية مكونا أساسيا للأفراد والمجتمعات؛ فهم يتمايزون عن غيرهم بسمات محدّدة.
وتعرّف الهُوية عادةً بأنها مجموعة من الخصائص والسمات التي تميّز الفرد أو الجماعة عن غيرهم من الأفراد والجماعات، وتعمل على النهوض بأفكارهم وآرائهم المستمدة من واقعهم الشخصي، كما إنها -أي الهُوية- مجموعة من العلاقات الثقافية المتشكّلة لدى الفرد والجماعة، تظهر في سياقات متعدّدة ومتنوعة ومتغيّرة حسب المكان والزمان والأحداث.
لذا يمكن القول إنّ رواية (دفاتر فارهو) لليلى عبدالله الصادرة عن منشورات المتوسط 2018م تقوم على موضوع الهُوية بدرجة كبيرة، وعلى تعدّد هُويات شخصيات الرواية، كما تتأسّس الهُوية في الرواية من خلال سرد الاعتراف من الشخصيات التي تتّضح سماتُها الشخصية وخصائصها المكانية وتكوينها وثقافتها في السرد. إنّ شخصياتٍ مثل فارهو وعبدالصمد وقاسم وسيف وعائشة تعتمد سردها من التفاصيل الدقيقة لالتقاطات المكان والشخوص المحيطة بها، فينطلق السرد مقدّماً اعترافا لكل شخصية ينبني عليها الحدث الروائي.
تنطلق الرواية من شخصية فارهو، الشخصية المحورية في الرواية، الذي وُلدَ في ظروفٍ معيشية صعبة لأبٍ صومالي وأمٍ أثيوبية، وبعد موت والده صار يعيش في مخيم اللاجئين في الصومال مع والدته وأخته، تنطلق الأحداث بهجرته مع أسرته إلى دولة خليجية وهناك التقى في المدرسة بأصدقائه الذين يحملون في ذاكرتهم جراحاً موزّعة على سنوات عمرهم القصيرة، فكان لكل واحدٍ منهم حكاية تعبّر عن هُويةٍ متنامية تقوم عليها شخصياتهم.
تقوم الرواية على قضايا الهُوية إذن، ويقوم السرد بالتأسيس لها في الأحداث من خلال طرح أسئلة هوياتية متعدّدة تتغلغل في الأحداث، إننا نلمح ذلك من التعريف بقضايا المكان وأزمات الشخصيات، فتؤصل الرواية لذلك، وتعمل على تناول صراعات الذات والآخر. إنّ المتأمل في الرواية يجد أنها في تناولها قضايا الهُوية تستحضر مكونين رئيسين: أولهما ارتباط الهُوية بالمكان، وثانيهما صراع الذات والآخر وتمثّلات هذا الصراع المتشكّل من ثقافة مكانية، مما دفع الرواية إلى إظهار سمات الشخصيات والإفصاح عن دواخلها وتوتّراتها، كذلك دفعتها إلى إظهار السمات المكانية بصورة أوضح بما تنطوي عليه من إرث تاريخي وتقاليد عامة للمجتمعات.
أولا: الهوية والمكان
تعكس الروايةُ هُوية المكان في الأحداث، والعادات التي أكسبتْها أفرادها، ثم تُظهرُ الحسَّ الخفيَّ للشخصيات بما استمدّتْه من المكان. إنّ عبدالصمد في اعترافاته يعكس الهُوية المستمدة من الواقع المكاني التي تتشكّل في مخيلة الطفل الهارب من أحداث تهيمن على الواقع هناك. إنّ باكستان في مخيلة عبدالصمد انعكاسٌ لمجتمع تتشكّل فيه العصابات والسرقات والفساد، ويظهر ذلك في سرد الأحداث في حديث عبدالصمد عن هجوم اللصوص على والدته وقطع يدها وسرقة ذهبها، وعن التاجر الذي تصدّى لرجل الشرطة الذي حاول الاعتداء على فتاة في السوق، فألقي القبض عليه، وعوقبَ حتى خرج من السجن شخصًا مغايرًا عن السابق. تُسرد الأحداث من منظور عبدالصمد متناولا الصورة المكانية لبلده وتغلغل العادات والتقاليد وسيطرتها على الفكر هناك أكثر من أي شيء آخر. الأمر نفسه عند قاسم في أفغانستان إذ يردُ الحكي عن واقعٍ يعيشه الطفل وتستنطقه الرواية لإخراج ما بباطنه من أخبار وحكايات وإبراز الهُويات الكامنة والمطموسة بفعل العادات.
يحكي قاسم عن مجتمع منغلق، لا يؤمن بحقوق أبنائه لا سيما الفتيات، وحقّهن في التعليم والقراءة والكتابة. إنها أنساقٌ مجتمعية تحاول الرواية الكشف عنها، وإبرازها للقارئ، وما الواقع الذي في مخيلة فارهو ببعيد عن واقع قاسم وعبدالصمد؛ إذ تظهر الأمكنة ملتبسة بالحروب والأمراض والفقر، يحكي فارهو قائلا: "حين كان عبدالصمد ينقل لنا بعربيته الركيكة أوضاع بلده، لم تكن تفاصيلها تُدهشنا أنا وقاسم، فقد كانت أوضاعنا شبيهة، وإن غدت مسميات أوطاننا مختلفة، لغة الحرب والدم في كل مكان واحدة، لها طعم البشاعة نفسها، والوجع نفسه، وضحايا أبرياء يطاردون مناماتكَ، وأنتَ عاجز عن مدّ يد العون لهم، وتكاد تكون جزءاً من الجريمة حين تغدو صامتاً، كسيراً، وجباناً. كان مصيرنا واحداً، وأعداؤنا متوحدين". (ص 81)
إنّ فارهو وعبدالصمد وقاسم وسيف وعائشة شخصيات روائية تفوق سنّها العمري حين تتحدّث بلسان الأوطان، وتبرز الوضع المأساوي الذي تعيشه، متمنيةً غدا وحياة أفضل لمن شرّدتْهم الخطوب، وهُجّروا باسم الموروث والعادات، فتتشكّل المقارنة بين عالمين مختلفين؛ عالم الفقر والفساد والظلم ويمثّله فارهو وقاسم وعبدالصمد وبين عالم الأثرياء -كما يرى فارهو- ويمثّله سيف الذي تنقل الرواية عنه أنه يعيش في وطن ثريّ، وأسرة ثرية، لكنه مريض بالصرع ويدفع أموالاً طائلة للعلاج منه.
إنّ المقارنة عنا دفعتْ فارهو لتمثّل صورة الوطن، واللجوء، إذ إن سيف وبحسب تعبير فارهو "أكثر مَنْ كان يشعرني بالفارق بين أوطاننا"، الفارق بين فارهو والفقر ويقابله سيف والثراء. إنّ هذه الجملة الرئيسة في سياق الحكي شكّلت انطلاقة لتأسيس هُوياتي مهم في الرواية؛ إذ انتقلت بالحكي إلى تشكّلات الذات المفجوعة، ودفعت بفارهو للحكي عن وطنه متناولا جُملاً تشير إلى ذلك من قبيل:
-وكلما خلعتُ نفسي عن ذاكرتي الثقيلة، كنت أسألُني عن معنى الوطن..؟ (ص162)
-نحن الجوعى نحن المُعدمون، نحن البدون، نعم، البدون، بدون أوطان حقيقية فأوطاننا تبرّأت منّا. (ص165)
-لقد تركنا أوطاننا، لأنها خالية من الأمان رغم أنها فائضة بالأسلحة، في صغرنا، كنا نعتقد أنّ السلاح وُجدَ لحمايتنا، ليحميَ الإنسان من الأشرار، لكنْ، عندما كبرنا قليلاً كبرنا بمرور الأوغاد، بمرور المصائب والكوارث والمجاعات، لا بمرور الزمن، تكاثر السلاح، وصار بأيدينا، بأيدي الكبار منّا، صار يجلب لنا الشرور، يجلب لنا الجوع، ويهدم بيوتنا، ويبيد مَنْ نحبّهم، هذا السلاح هو مَنْ دمّر وطني، ووراء خراب الأوطان كلها. (ص166)
إنّ الرواية تفضح المسكوت عنه للأوطان والمجتمعات باعترافات تردُ على لسان الأطفال، وكأنّ الرواية تريد أن تضع الطفولة معياراً للحكم على المضمرات النسقية للمجتمعات، إنهم يُبصرون أكثر من غيرهم وآراؤهم قادرة على الوصول إلى النفس البشرية بلغتها وتصويرها ونقلها للواقع حين تبلغ ذروة تشكّلات الهُوية المكانية مبلغاً كبيراً يمكن أن نلمسها من حديث فارهو حين يقول: "لقد كنتُ أعتقد أنّ الأطفال في أفريقيا وحدهم مَن يعاني من ويلات الأوبئة، وأنّ أطفال هذا البلد والبلدان المرفّهة أصحّاء، ويمتلكون فائضا من المال يجعلهم في غنى عن العالم، يجعلهم منتصرين أبداً حتى على المرض نفسه، ولكنْ، حين رأيتُ حالة سيف والأعراض التي انتابته، يومها أدركتُ أنّ المال ليس مناعة أمام العلل التي تلحق الجسد والروح كذلك". (ص197)
ثانيا: الهُوية صراعات الذات والآخر
مثلما أوجدت الروايةُ ارتباطا بين الهُوية والمكان فإنها أظهرت الارتباط بين الهُوية وصراع الذات والآخر، وأعني بالآخر هنا الذات الأنثوية في مواجهة الآخر الذكوري، وكأنّ الرواية تفترض في سياق أحداثها صراعا مضمرا بين الهُويتين، اشتغلتْ عليه وقدّمتْه رؤية منبثقة من هُوية الشخصيات والمكان؛ فتظهر صورة المرأة في مواجهة الآخر الذكوري كونها هامشية لا قيمة لها في أوطانها، ولا تحظى بأي حقوق، ففي باكستان مثلا تصور الرواية "صورة المرأة عورة"، أما ملابسها فلا يجب أن تحمل أي زينة، يقول عبدالصمد ناقلا صورة المرأة هناك: "كان أبي رجلا غيورا، ولا يحبّ أن تُظهرَ امرأته زينتها كبقية نساء كراتشي اللاتي يخرجن بثياب مزركشة، تُظهر زينتهن أمام الرجال؛ لذلك فرض عليها أن تغطّي رأسها بنقاب طويل، يخفي ملامحها سوى العينين، وينسدل ليغطي إغراءات الجسد البارزة...". (ص85) وفي أفغانستان يعترف قاسم بأنّ المرأة لا تحظى بالتعليم ولا بحقوقها الأخرى، في حين أنّ والدته تعلّمت القراءة سرّاً، وكتبت الشعر ونشرته سراً فكانت نهايتها الموت والحرق على يد والده. وعائشة شقيقة فارهو، كانت تعيش حياة الفقر حتى إنها قدّمت نفسها للغرباء مقايضة للحصول على الطعام.
إنّ الرواية في بناء علاقات الذات الأنثوية بالآخر الذكوري تنطلق من الفكر النسوي، وقضايا المرأة، وقضايا التهميش، ويتضح ما ذُكر عند قاسم سارداً ذلك على لسان والده: "نحن الرجال خلقنا الله أقوياء، لنؤدب النساء، شرور هذا العالم كلها تقبع في دواخلهنّ". (ص 117)، وعلى لسان عائشة: "إنها مقايضة اعتدناها نحن النساء، مقايضة لا بدّ لنا منها في هذا العالم الذكوري...". (ص146)
إنّ هُوية المرأة لها ارتباط عميق بهُويات المكان، فلا انفصام بينهما، إذ تُجسّد هُوية الذات مقابل الآخر هُوية قائمة على حدود المكان، راسمة ملامح الحياة فيه، فحين يتحدّث فارهو عن هُويته المكانية فإنّها تتقاطع مع علاقات الذات بالآخر مشكّلة هُوية كبرى تندرج تحتها هُويات أصغر.
إنّ الرواية تلجأ إلى الكشف الداخلي، وتفتيت الهُويات وإبراز ملامحها بما تنهض به من أولويات تتمسّك بها الشخصيات في العمل السردي، ولعل ما ذكره كريس باركر أقرب إلى ذلك؛ إذ يرى أنّ سرديات الهُوية "تحاول الإجابة على أسئلة نقدية، ماذا تفعل؟ كيف تفعل؟ مَنْ تكون؟ وتقودنا إلى إدراك الهُوية كذات مفهومة انعكاسيا من قبل أي شخص معين". (معجم الدراسات الثقافية، ص333).
وتعرّف الهُوية عادةً بأنها مجموعة من الخصائص والسمات التي تميّز الفرد أو الجماعة عن غيرهم من الأفراد والجماعات، وتعمل على النهوض بأفكارهم وآرائهم المستمدة من واقعهم الشخصي، كما إنها -أي الهُوية- مجموعة من العلاقات الثقافية المتشكّلة لدى الفرد والجماعة، تظهر في سياقات متعدّدة ومتنوعة ومتغيّرة حسب المكان والزمان والأحداث.
لذا يمكن القول إنّ رواية (دفاتر فارهو) لليلى عبدالله الصادرة عن منشورات المتوسط 2018م تقوم على موضوع الهُوية بدرجة كبيرة، وعلى تعدّد هُويات شخصيات الرواية، كما تتأسّس الهُوية في الرواية من خلال سرد الاعتراف من الشخصيات التي تتّضح سماتُها الشخصية وخصائصها المكانية وتكوينها وثقافتها في السرد. إنّ شخصياتٍ مثل فارهو وعبدالصمد وقاسم وسيف وعائشة تعتمد سردها من التفاصيل الدقيقة لالتقاطات المكان والشخوص المحيطة بها، فينطلق السرد مقدّماً اعترافا لكل شخصية ينبني عليها الحدث الروائي.
تنطلق الرواية من شخصية فارهو، الشخصية المحورية في الرواية، الذي وُلدَ في ظروفٍ معيشية صعبة لأبٍ صومالي وأمٍ أثيوبية، وبعد موت والده صار يعيش في مخيم اللاجئين في الصومال مع والدته وأخته، تنطلق الأحداث بهجرته مع أسرته إلى دولة خليجية وهناك التقى في المدرسة بأصدقائه الذين يحملون في ذاكرتهم جراحاً موزّعة على سنوات عمرهم القصيرة، فكان لكل واحدٍ منهم حكاية تعبّر عن هُويةٍ متنامية تقوم عليها شخصياتهم.
تقوم الرواية على قضايا الهُوية إذن، ويقوم السرد بالتأسيس لها في الأحداث من خلال طرح أسئلة هوياتية متعدّدة تتغلغل في الأحداث، إننا نلمح ذلك من التعريف بقضايا المكان وأزمات الشخصيات، فتؤصل الرواية لذلك، وتعمل على تناول صراعات الذات والآخر. إنّ المتأمل في الرواية يجد أنها في تناولها قضايا الهُوية تستحضر مكونين رئيسين: أولهما ارتباط الهُوية بالمكان، وثانيهما صراع الذات والآخر وتمثّلات هذا الصراع المتشكّل من ثقافة مكانية، مما دفع الرواية إلى إظهار سمات الشخصيات والإفصاح عن دواخلها وتوتّراتها، كذلك دفعتها إلى إظهار السمات المكانية بصورة أوضح بما تنطوي عليه من إرث تاريخي وتقاليد عامة للمجتمعات.
أولا: الهوية والمكان
تعكس الروايةُ هُوية المكان في الأحداث، والعادات التي أكسبتْها أفرادها، ثم تُظهرُ الحسَّ الخفيَّ للشخصيات بما استمدّتْه من المكان. إنّ عبدالصمد في اعترافاته يعكس الهُوية المستمدة من الواقع المكاني التي تتشكّل في مخيلة الطفل الهارب من أحداث تهيمن على الواقع هناك. إنّ باكستان في مخيلة عبدالصمد انعكاسٌ لمجتمع تتشكّل فيه العصابات والسرقات والفساد، ويظهر ذلك في سرد الأحداث في حديث عبدالصمد عن هجوم اللصوص على والدته وقطع يدها وسرقة ذهبها، وعن التاجر الذي تصدّى لرجل الشرطة الذي حاول الاعتداء على فتاة في السوق، فألقي القبض عليه، وعوقبَ حتى خرج من السجن شخصًا مغايرًا عن السابق. تُسرد الأحداث من منظور عبدالصمد متناولا الصورة المكانية لبلده وتغلغل العادات والتقاليد وسيطرتها على الفكر هناك أكثر من أي شيء آخر. الأمر نفسه عند قاسم في أفغانستان إذ يردُ الحكي عن واقعٍ يعيشه الطفل وتستنطقه الرواية لإخراج ما بباطنه من أخبار وحكايات وإبراز الهُويات الكامنة والمطموسة بفعل العادات.
يحكي قاسم عن مجتمع منغلق، لا يؤمن بحقوق أبنائه لا سيما الفتيات، وحقّهن في التعليم والقراءة والكتابة. إنها أنساقٌ مجتمعية تحاول الرواية الكشف عنها، وإبرازها للقارئ، وما الواقع الذي في مخيلة فارهو ببعيد عن واقع قاسم وعبدالصمد؛ إذ تظهر الأمكنة ملتبسة بالحروب والأمراض والفقر، يحكي فارهو قائلا: "حين كان عبدالصمد ينقل لنا بعربيته الركيكة أوضاع بلده، لم تكن تفاصيلها تُدهشنا أنا وقاسم، فقد كانت أوضاعنا شبيهة، وإن غدت مسميات أوطاننا مختلفة، لغة الحرب والدم في كل مكان واحدة، لها طعم البشاعة نفسها، والوجع نفسه، وضحايا أبرياء يطاردون مناماتكَ، وأنتَ عاجز عن مدّ يد العون لهم، وتكاد تكون جزءاً من الجريمة حين تغدو صامتاً، كسيراً، وجباناً. كان مصيرنا واحداً، وأعداؤنا متوحدين". (ص 81)
إنّ فارهو وعبدالصمد وقاسم وسيف وعائشة شخصيات روائية تفوق سنّها العمري حين تتحدّث بلسان الأوطان، وتبرز الوضع المأساوي الذي تعيشه، متمنيةً غدا وحياة أفضل لمن شرّدتْهم الخطوب، وهُجّروا باسم الموروث والعادات، فتتشكّل المقارنة بين عالمين مختلفين؛ عالم الفقر والفساد والظلم ويمثّله فارهو وقاسم وعبدالصمد وبين عالم الأثرياء -كما يرى فارهو- ويمثّله سيف الذي تنقل الرواية عنه أنه يعيش في وطن ثريّ، وأسرة ثرية، لكنه مريض بالصرع ويدفع أموالاً طائلة للعلاج منه.
إنّ المقارنة عنا دفعتْ فارهو لتمثّل صورة الوطن، واللجوء، إذ إن سيف وبحسب تعبير فارهو "أكثر مَنْ كان يشعرني بالفارق بين أوطاننا"، الفارق بين فارهو والفقر ويقابله سيف والثراء. إنّ هذه الجملة الرئيسة في سياق الحكي شكّلت انطلاقة لتأسيس هُوياتي مهم في الرواية؛ إذ انتقلت بالحكي إلى تشكّلات الذات المفجوعة، ودفعت بفارهو للحكي عن وطنه متناولا جُملاً تشير إلى ذلك من قبيل:
-وكلما خلعتُ نفسي عن ذاكرتي الثقيلة، كنت أسألُني عن معنى الوطن..؟ (ص162)
-نحن الجوعى نحن المُعدمون، نحن البدون، نعم، البدون، بدون أوطان حقيقية فأوطاننا تبرّأت منّا. (ص165)
-لقد تركنا أوطاننا، لأنها خالية من الأمان رغم أنها فائضة بالأسلحة، في صغرنا، كنا نعتقد أنّ السلاح وُجدَ لحمايتنا، ليحميَ الإنسان من الأشرار، لكنْ، عندما كبرنا قليلاً كبرنا بمرور الأوغاد، بمرور المصائب والكوارث والمجاعات، لا بمرور الزمن، تكاثر السلاح، وصار بأيدينا، بأيدي الكبار منّا، صار يجلب لنا الشرور، يجلب لنا الجوع، ويهدم بيوتنا، ويبيد مَنْ نحبّهم، هذا السلاح هو مَنْ دمّر وطني، ووراء خراب الأوطان كلها. (ص166)
إنّ الرواية تفضح المسكوت عنه للأوطان والمجتمعات باعترافات تردُ على لسان الأطفال، وكأنّ الرواية تريد أن تضع الطفولة معياراً للحكم على المضمرات النسقية للمجتمعات، إنهم يُبصرون أكثر من غيرهم وآراؤهم قادرة على الوصول إلى النفس البشرية بلغتها وتصويرها ونقلها للواقع حين تبلغ ذروة تشكّلات الهُوية المكانية مبلغاً كبيراً يمكن أن نلمسها من حديث فارهو حين يقول: "لقد كنتُ أعتقد أنّ الأطفال في أفريقيا وحدهم مَن يعاني من ويلات الأوبئة، وأنّ أطفال هذا البلد والبلدان المرفّهة أصحّاء، ويمتلكون فائضا من المال يجعلهم في غنى عن العالم، يجعلهم منتصرين أبداً حتى على المرض نفسه، ولكنْ، حين رأيتُ حالة سيف والأعراض التي انتابته، يومها أدركتُ أنّ المال ليس مناعة أمام العلل التي تلحق الجسد والروح كذلك". (ص197)
ثانيا: الهُوية صراعات الذات والآخر
مثلما أوجدت الروايةُ ارتباطا بين الهُوية والمكان فإنها أظهرت الارتباط بين الهُوية وصراع الذات والآخر، وأعني بالآخر هنا الذات الأنثوية في مواجهة الآخر الذكوري، وكأنّ الرواية تفترض في سياق أحداثها صراعا مضمرا بين الهُويتين، اشتغلتْ عليه وقدّمتْه رؤية منبثقة من هُوية الشخصيات والمكان؛ فتظهر صورة المرأة في مواجهة الآخر الذكوري كونها هامشية لا قيمة لها في أوطانها، ولا تحظى بأي حقوق، ففي باكستان مثلا تصور الرواية "صورة المرأة عورة"، أما ملابسها فلا يجب أن تحمل أي زينة، يقول عبدالصمد ناقلا صورة المرأة هناك: "كان أبي رجلا غيورا، ولا يحبّ أن تُظهرَ امرأته زينتها كبقية نساء كراتشي اللاتي يخرجن بثياب مزركشة، تُظهر زينتهن أمام الرجال؛ لذلك فرض عليها أن تغطّي رأسها بنقاب طويل، يخفي ملامحها سوى العينين، وينسدل ليغطي إغراءات الجسد البارزة...". (ص85) وفي أفغانستان يعترف قاسم بأنّ المرأة لا تحظى بالتعليم ولا بحقوقها الأخرى، في حين أنّ والدته تعلّمت القراءة سرّاً، وكتبت الشعر ونشرته سراً فكانت نهايتها الموت والحرق على يد والده. وعائشة شقيقة فارهو، كانت تعيش حياة الفقر حتى إنها قدّمت نفسها للغرباء مقايضة للحصول على الطعام.
إنّ الرواية في بناء علاقات الذات الأنثوية بالآخر الذكوري تنطلق من الفكر النسوي، وقضايا المرأة، وقضايا التهميش، ويتضح ما ذُكر عند قاسم سارداً ذلك على لسان والده: "نحن الرجال خلقنا الله أقوياء، لنؤدب النساء، شرور هذا العالم كلها تقبع في دواخلهنّ". (ص 117)، وعلى لسان عائشة: "إنها مقايضة اعتدناها نحن النساء، مقايضة لا بدّ لنا منها في هذا العالم الذكوري...". (ص146)
إنّ هُوية المرأة لها ارتباط عميق بهُويات المكان، فلا انفصام بينهما، إذ تُجسّد هُوية الذات مقابل الآخر هُوية قائمة على حدود المكان، راسمة ملامح الحياة فيه، فحين يتحدّث فارهو عن هُويته المكانية فإنّها تتقاطع مع علاقات الذات بالآخر مشكّلة هُوية كبرى تندرج تحتها هُويات أصغر.
إنّ الرواية تلجأ إلى الكشف الداخلي، وتفتيت الهُويات وإبراز ملامحها بما تنهض به من أولويات تتمسّك بها الشخصيات في العمل السردي، ولعل ما ذكره كريس باركر أقرب إلى ذلك؛ إذ يرى أنّ سرديات الهُوية "تحاول الإجابة على أسئلة نقدية، ماذا تفعل؟ كيف تفعل؟ مَنْ تكون؟ وتقودنا إلى إدراك الهُوية كذات مفهومة انعكاسيا من قبل أي شخص معين". (معجم الدراسات الثقافية، ص333).