ترجمة- قاسم مكي -
اتَّسمت حرب الغرب المالية ضد روسيا بالإثارة، فأسواق السلع في فوضى غذَّت تضخما كان أصلا عند مستويات غير مريحة، وتراجعت توقعات نمو الاقتصاد العالمي نتيجة لذلك، فيما تواجه شركات عديدة أضرارا جسيمة من خروجها من روسيا.
ورغما عن ذلك فوجئ العديد من المستثمرين والمحللين بتداعيات الحرب اللافتة في تواضعها على النظام المالي العالمي وانعدام أصداء خطرة وواسعة النطاق لها حتى الآن.
فبعد أن سرَّعت هذه التداعيات في البداية من وتيرة التخلص من الأسهم في السوق العالمية، صعد مؤشر مورجان ستانلي كابيتال إنترناشيونال العالمي لكل البلدان (أم إس سي آي) عائدا إلى مستواه قبل الحرب، وتراجع مؤشر التقلبات «فيكس» الذي يُستخدم للدلالة على حجم المخاوف في أسواق الأسهم إلى أدنى من متوسطه في الأجل الطويل مما يدل على انحسار القلق.
ويقول روبرت ميشيل كبير مسؤولي الاستثمار بإدارة الأصول (3 تريليونات دولار) في بنك جي بي مورجان الأمريكي: إنه ذهل من «مدى مرونة» أسواق الأسهم، فهو حسبما يقول يعمل في هذه الأسواق لما يزيد عن 40 عاما ولا يذكر وقتا حدثت فيه صدمة بهذا الحجم دون أن تضغط على جزء ما (من النظام المالي).
ورغما عن ذلك يخشى بعض الخبراء من احتمال أن تقود الأزمة إلى مفاجآت غير حميدة لم تتضح تماما آثارها المالية حتى الآن.
إلى ذلك، هنالك عدة عوامل تقلق النظام المالي في الوقت الراهن من تصاعد للتضخم وارتفاع لأسعار الفائدة وأسهم شركات التقنية التي تتعرض لضغوط ومشاكل الديون في العالم النامي وفيروس كورونا الذي لم يختف تماما، فكل هذه العوامل يمكن أن تتفاعل مع بعضها البعض بطرائق خطرة ولا يمكن التنبؤ بها لكي توجد مشاكل غير متوقعة.
يقول ريتشارد بيرنر، المدير الأول لمكتب الأبحاث المالية بوزارة الخزانة الأمريكية، والذي أنشئ بعد أزمة عام 2008 لمراقبة المخاطر التي تهدد النظام المالي حول العالم: من المفاجئ قليلا عدم حدوث شيء حتى الآن، لكن الوقت مبكر.
ويشرح ذلك بقوله: ربما لا تزال هنالك مواطن ضعف كامنة وليست واضحة على الفور، ونحن لن نعلم طبيعتها حتى تكشف عنها الصدمات، ولسوء الحظ هذه هي الحال أحيانا.
وأوضح آندرو بيلي محافظ بنك إنجلترا في خطاب أواخر الشهر الماضي كيف أن توترات الصلة بين أسواق السلع والسوق المالية يمكنها تسبيب مشاكل، وقال: نحن والبنوك المركزية الأخرى نراقب هذه المجالات عن كثب وبدقة. والخلاصة، نحن لا يمكننا أن نعتبر المرونة في ذلك الجزء من السوق تحصيل حاصل.
الوقت لم يحن بعد لإعلان الانتصار
إن الأسواق المالية هي ما يطلق عليه العلماء «نظام تكيُّف معقَّد» مثله في ذلك مثل مناخ الكوكب أو مستعمرة النمل أو الجسم البشري، حيث يمكن أن تتفاعل مكونات مستقلة وعديدة بطرائق غير متوقعة، ويمكن أن يقود ذلك إلى سلوك جماعي من الصعب التنبؤ به عند الاقتصار على ملاحظة كل عامل منفردا.
إن أنظمة التكيف المعقدة بطبيعتها يصعب فهمها، فهي يمكن أن تكون مرنة إلى حد مثير للإعجاب، وبالغة الهشاشة أيضا، وكثيرا ما تتواءم بدينامية مع الانتكاسات، وأحيانا تنهار أمام مزيج مؤذٍ من إخفاقات مستقلة تبدو ثانوية.
إن انقطاع التيار الكهربائي الواسع النطاق في أمريكا الشمالية عام 2003 حدث بسبب احتكاك فروع الأشجار النامية بأسلاك أعمدة الكهرباء في ولاية أوهايو، وفاقمه خلل في البرمجيات وخطأ بشري. بل ما هو أكثر مأساوية أن غرق العبَّارة الكورية الجنوبية «أم في سول» في عام 2014 بسبب قلة ماء التوازن، وثقل حمولة البضائع وانعطافها الحاد أدى إلى مقتل 304 أشخاص.
هذا هو سبب تحذير كارمن راينهارت كبيرة الاقتصاديين بالبنك الدولي وإحدى كبار دارسي الأزمات المالية من أن العدوي المالية تتجلى «بطرائق غامضة».
وفي حين عانى النظام المالي حتى الآن من آثار طفيفة بدلا عما وصفته بالعدوى «الهائجة والسريعة» إلا أن راينهارت تشعر بالقلق من احتمال أن تكون الآثار الناجمة من غزو روسيا لأوكرانيا ضخمة، وتنصح بعدم الاستهانة من «الأثر التراكمي لهذه التداعيات» فقط لأنها لا تشكل عناوين أخبار مثيرة.
قبل أسبوعين أو نحو ذلك تجنبت روسيا تخلفا عن سداد ديونها حيث دفعت على نحو غير متوقع فوائد تزيد عن 117 مليون دولار لدائنين أجانب رغم العقوبات القاسية المفروضة عليها، ورغم ذلك قليلون أولئك الذين يتوقعون أن تظل موسكو قادرة على الوفاء بما عليها من أعباء مالية لفترة طويلة.
إن الاختبار الكبير التالي سيأتي في الرابع من أبريل عندما يحين أوان سداد سندات بقيمة بليوني دولار لدى دائنين محليين وأجانب. وبصرف النظر عن ذلك، سيكون هنالك المزيد من التشديد لنظام عقوبات الولايات المتحدة بعد 25 مايو حيث يُمنع أي كيان أمريكي من تلقي أو تحويل أي أموال إلى أو من الدولة الروسية مما يرجح إلى حد بعيد تخلفها عن السداد.
وحذرت وكالة تصنيف الائتمان «موديز» أواخر الشهر الماضي من أن «مخاطر عجز روسيا عن الوفاء بديونها واحتمال تعرض المستثمرين لخسائر تظل مرتفعة جدا بالنظر إلى التدهور الملحوظ في قدرة الحكومة ورغبتها للوفاء بالتزامات مديونيتها في الأسابيع الأخيرة».
إن آخر تخلف لروسيا عن سداد ديونها في عام 1998 وجه ضربات للعديد من البنوك العالمية وتسبب في انهيار صندوق التحوط العملاق «ال آي سي إن» وقاد إلى سلسلة من النكبات التي جعلت النظام المالي الدولي يترنح.
هل يمكن أن يواجه العالم عاقبة مؤلمة؟
ربما، لكن من المستبعد أن يسبب ذلك تخلفُ روسيا عن سداد ديونها السيادية، حسبما يقول المحللون. فانكشاف اقتصاد العالم أمام روسيا اليوم ضئيل نسبيا مقارنة بعام 1998 عندما كانت صناديق التحوط والبنوك مكدسة بسندات موسكو.
ويقول ريتشارد بوكستابير وهو خبير مخضرم في إدارة المخاطر سبق أن شغل منصب كبير مسؤولي المخاطر ببنك الاستثمار سالومون بروذرز في عام 1998: من أجل أن يوجِد شيء ما مشاكلَ لنظام معقد يجب أن يكون مندمجا فيه، وروسيا ليست مندمجة بهذا القدر في النظام المالي العالمي. ويستدرك قائلا: نعم يمكن أن تشكل روسيا ضغطا إضافيا (من بين عدة ضغوطات) على هذا النظام، لكن هل يمكن أن تفعل شيئا شبيها بما حدث لصندوق التحوط (إل تي سي أم) اليوم؟ لا أعتقد ذلك.
قبل غزو أوكرانيا كان المستثمرون الأجانب يحتفظون بحوالي 20 بليون دولار من الديون الروسية المقومة بالدولار، وما يساوي 37 بليون دولار من الديون المقومة بالروبل، وفقا للبنك المركزي الروسي. نعم حجم هذه الديون كبير. لكن ليس بما يكفي لكي يشكل صدمة كبرى حتى في حالة العجز عن سدادها، إلى ذلك لقد تضرر سلفا المستثمرون الذين وقعوا في شراك حيازة أوراق مالية روسية مثل بلاك روك وبيمكو.
ووجهت العقوبات الأمريكية ضربة لأسواق روسيا المالية، وهو ما يعني أن العديد من المستثمرين بالضرورة شطبوا موجوداتهم من الدين الروسي، لذلك لا أحد سيفاجأ إذا عرقل نظام العقوبات الشديد القسوة مدفوعات موسكو حتى إذا ظلت روسيا راغبة في خدمة ديونها.
وقدرت كريستالينا جورجيفا مديرة صندوق النقد الدولي الحجم الإجمالي لانكشاف الدائنين الأجانب لروسيا بحوالي 120 بليون دولار، وهو مبلغ ليس هينا، لكنها ذكرت لشبكة سي بي إس في مارس أنه لا معنى له بالنسبة للنظام المالي.
ويوافقها على ذلك روبرت ميشيل مسؤول الاستثمار ببنك جي بي مورجان والذي يقول: قضينا أول إجازة أسبوعية في تتبع كل البنوك لمعرفة أيها سيتأثر أولا، لم نجد أي شيء من هذا القبيل رغم بحثنا المستفيض.
ويضيف: بسبب الأزمة المالية العالمية والإطار التنظيمي الذي وضع بعدها، كدست البنوك أموالا احتياطية ورؤوس أموال وفيرة للوقاية من المخاطر.
إن تكرار نكبة صندوق التحوط «إل تي سي إم» مستبعد. لا شك أن بعض صناديق التحوط تعرضت لضربات لكن مستوى انكشاف الدين والمشتقات الذي استخدمه صندوق إل تي سي إم لتضخيم رهاناته لم نشهده هذه الأيام. كان إجمالي صافي الرافعة المالية (نسبة الدين إلى رأس المال) لصناديق التحوط في بداية هذا العام 48% وإجمالي الانكشاف للسوق 260%، بحسب بيانات جولدمان ساكس، وكان إجمالي انكشاف صندوق التحوط (إل تي سي إم ) للسوق في عام 1998 أكبر بحوالي 25 مرة من رأسماله.
ويرى بوكستابير الشريك المؤسس لشركة إدارة المخاطر «فابريك» أن درجة الرافعة المالية ليست بأي حال قريبة عما كانت عليه في وقت حلول نكبة (إل تي سي إم). ويقول: ذلك لا يعني القول بعدم وجود مخاطر، لكن لا أعتقد أن الحالة الروسية كافية لإحداث أزمة في النظام المالي.
وظلت المخاوف من وقوع أزمة مالية أخرى من الثوابت منذ اندلاع آخر أزمة، ففي كل شهر ولأكثر من عشرة أعوام يجري مصرف بانك أوف أمريكا مسحا للزبائن المستثمرين حول ما يعتبرونه أكبر خطر يواجه الأسواق، وتعكس تصوراتهم كل ما يحتل عناوين الأخبار مثل: أزمة ديون منطقة اليورو، وتباطؤ اقتصاد الصين، وأخطاء البنك المركزي، والانتخابات الرئاسية الأمريكية والحروب التجارية، والجائحات.
ورغم ظهور العديد من هذه المخاطر إلا أن القليل منها تسبب في أي مشاكل كبيرة، وعادت سوق الأسهم المالية بمعدل يساوي 168% منذ أول مسح أجراه بنك اوف أمريكا في يوليو 2011 عندما قادت المخاوف من قدرة منطقة اليورو على سداد ديونها إلى فزع الأسواق.
ورغما عن ذلك يقلق البعض من أن تخلف روسيا عن السداد إذا حدث يمكن أن يكون مقوضا للاستقرار حتى إذا كان متوقعا على نطاق واسع الآن.
وتعتقد راينهارت أن المأزق الحقيقي هو «ما يحدث في وقت التخلف عن السداد». وتقول: إن ذلك الحدث لم يبدأ بعد. لذلك من السابق لأوانه إعلان الانتصار، الدراما لم تنته، لقد شاهدنا فصلها الأول، لكن هنالك فصولا كثيرة قادمة.
المخاطر داخل الاقتصاد الحقيقي
توضح الضغوط في أسواق السلع لماذا لا يزال العديدون حذرين، قد لا تكون روسيا مهمة لعافية النظام المالي، لكن يمكن القول إنها مهمة حتى الآن لعافية عالم الموارد الطبيعية.
فاحتمال انخفاض إمدادات الطاقة والسلع، رفع أسعار النفط والمواد الغذائية والمعادن، وألحق ذلك أضرارا بالشركات التجارية مثل جلينكور وترافيجورا وفيتول التي تساعد على تحريك الأصول المادية عبر موانئ ومستودعات العالم وتعتمد على عقود المشتقات للتحوط من تحرك الأسعار غير المرغوب فيه بين وقت الشراء ووقت التسليم.
ولحماية نفسها من العجز عن سداد ديونها زادت بيوت المقاصة وشركات السمسرة التي تقوم بدور الوساطة التجارية من مبلغ الهامش أو الضمان النقدي الذي يتوجب على زبائنها سداده لتعزيز التداولات، وكلما زادت وتيرة التقلب كلما زاد الهامش المطلوب.
ويُعاد الهامش للمتداولين عندما يتم تسليم السلع، لكن الشركات التجارية واجهت مطالب فورية بإيجاد بلايين الدولارات مما يضغط بشدة على السيولة. لقد تعرضت أسعار سندات العديد من أكبر شركات القطاع لضغوط مع خشية الدائنين من وقوع حوادث.
وطلب الاتحاد الأوروبي لتجار الطاقة من البنوك المركزية «دعم سيولة محدودة المدة» للمساعدة في التعامل مع «ضغوطات سيولة نقدية غير محتملة».
ويقول ريتشارد بيرنر أستاذ المالية بجامعة نيويورك: هذا تذكير آخر أن البنوك ليست هي الركن الوحيد المهم من أركان النظام المالي. ويضيف: عالجنا الكثير من مواضع الضعف في القطاع المالي بعد عام 2008، لكننا فشلنا في التعامل مع القطاع المالي غير المصرفي والذي كثيرا ما يشار إليه باسم «بنوك الظل».
ولكنه يشك في أن تسعى البنوك المركزية إلى إنقاذ أي شركة تداول في السلع تواجه مشكلة. يقول بيرنر: التوسع غير المحدود في دور البنوك المركزية شيء ينبغي علينا أن نوليه عناية بالغة.
وهنالك طرق عديدة يمكن أن تطلق عبرها أسواق السلع المضطربة تداعيات خطرة مثل أزمات الغذاء التي تتسبب في اضطرابات سياسية في العالم النامي إلى الضغط على بيوت المقاصة المركزية والوسيطة لنظام تداول المشتقات والتي تم تعزيز دورها للوقاية من المخاطر في أعقاب الأزمة المالية عام 2008.
لكن الطريقة الأكثر احتمالا في أن تشعل بها روسيا حريقا أوسع نطاقا، هي ببساطة التوقيت الأخرق للأزمة وأثرها على البنوك المركزية، فبدلا عن القنوات المالية المعهودة للأزمات تتحرك هذه العدوى المالية عبر الاقتصاد الحقيقي.
لقد سبق أن صعدت إلى عنان السماء أسعار كل شيء بداية من شبه الموصلات وإلى غذاء المواليد والحبوب والصلب في أعقاب الجائحة مما أجبر البنوك المركزية على التحول دون مقدمات من محاولة تحفيز النمو الاقتصادي إلى محاربة التضخم.
والآن هزت الحرب إمدادات الموارد الرئيسية مثل البوتاس وغاز النيون والنيكل والذرة الشامية والقمح من روسيا وأوكرانيا وهما من بين أكبر منتجي هذه السلع في العالم مما فاقم من سوء توقعات التضخم.
وتشير راينهارت إلى أن نسبة الاقتصادات المتقدمة التي بها معدلات تضخم عند 5% أو أعلى ارتفعت من صفر قبل عام إلى 60% تقريبا في فبراير 2022 حتى قبل تسرب آثار اضطرابات الحرب الروسية الأوكرانية بشكل كامل. وترى راينهارت أن ذلك قد يجبر البنوك المركزية على رفع أسعار الفائدة بأكثر مما ترغب لتجنب الانفصال التام لتوقعات التضخم عن أهداف البنك المركزي.
وتعتقد راينهارت أن الضغوط التي جاءت بها الأزمة الروسية الأوكرانية في وقت يشغل فيه التضخم البال تعني أن المعركة الصعبة أصلا صارت أكثر صعوبة. وتقول: نحن بحاجة إلى أكثر من مجرد تشذيب السياسة النقدية.
بكلمات أخرى قد يتضح أن روسيا كرة ثلج تضخمية تسبب انهيارا جليديا عاصفا (ارتفاعات حادة لأسعار الفائدة) يفاجئ بدوره النظام المالي المطمئِن إلى استمرار تيسير السياسة النقدية إلى الأبد.
ريتشارد بوكستابير من بين أولئك الذين لم ينتابهم القلق من هذا الاحتمال، فهو يقول أن المخاطر على النظام المالي نفسه نادرا ما تكون غير ملحوظة حتى لو لم تُقَدَّر حق قدرها، إنها عادة ما تكون ذلك الشيء الذي نعلم به لكننا نتجاهله، كل ما لاحظناه في التاريخ الحديث هو نظام نقدي مُيسّر، من يراهنون على استمراره ربما تنتظرهم مفاجأة غير سارة.
مترجم عن الفاينانشال تايمز
اتَّسمت حرب الغرب المالية ضد روسيا بالإثارة، فأسواق السلع في فوضى غذَّت تضخما كان أصلا عند مستويات غير مريحة، وتراجعت توقعات نمو الاقتصاد العالمي نتيجة لذلك، فيما تواجه شركات عديدة أضرارا جسيمة من خروجها من روسيا.
ورغما عن ذلك فوجئ العديد من المستثمرين والمحللين بتداعيات الحرب اللافتة في تواضعها على النظام المالي العالمي وانعدام أصداء خطرة وواسعة النطاق لها حتى الآن.
فبعد أن سرَّعت هذه التداعيات في البداية من وتيرة التخلص من الأسهم في السوق العالمية، صعد مؤشر مورجان ستانلي كابيتال إنترناشيونال العالمي لكل البلدان (أم إس سي آي) عائدا إلى مستواه قبل الحرب، وتراجع مؤشر التقلبات «فيكس» الذي يُستخدم للدلالة على حجم المخاوف في أسواق الأسهم إلى أدنى من متوسطه في الأجل الطويل مما يدل على انحسار القلق.
ويقول روبرت ميشيل كبير مسؤولي الاستثمار بإدارة الأصول (3 تريليونات دولار) في بنك جي بي مورجان الأمريكي: إنه ذهل من «مدى مرونة» أسواق الأسهم، فهو حسبما يقول يعمل في هذه الأسواق لما يزيد عن 40 عاما ولا يذكر وقتا حدثت فيه صدمة بهذا الحجم دون أن تضغط على جزء ما (من النظام المالي).
ورغما عن ذلك يخشى بعض الخبراء من احتمال أن تقود الأزمة إلى مفاجآت غير حميدة لم تتضح تماما آثارها المالية حتى الآن.
إلى ذلك، هنالك عدة عوامل تقلق النظام المالي في الوقت الراهن من تصاعد للتضخم وارتفاع لأسعار الفائدة وأسهم شركات التقنية التي تتعرض لضغوط ومشاكل الديون في العالم النامي وفيروس كورونا الذي لم يختف تماما، فكل هذه العوامل يمكن أن تتفاعل مع بعضها البعض بطرائق خطرة ولا يمكن التنبؤ بها لكي توجد مشاكل غير متوقعة.
يقول ريتشارد بيرنر، المدير الأول لمكتب الأبحاث المالية بوزارة الخزانة الأمريكية، والذي أنشئ بعد أزمة عام 2008 لمراقبة المخاطر التي تهدد النظام المالي حول العالم: من المفاجئ قليلا عدم حدوث شيء حتى الآن، لكن الوقت مبكر.
ويشرح ذلك بقوله: ربما لا تزال هنالك مواطن ضعف كامنة وليست واضحة على الفور، ونحن لن نعلم طبيعتها حتى تكشف عنها الصدمات، ولسوء الحظ هذه هي الحال أحيانا.
وأوضح آندرو بيلي محافظ بنك إنجلترا في خطاب أواخر الشهر الماضي كيف أن توترات الصلة بين أسواق السلع والسوق المالية يمكنها تسبيب مشاكل، وقال: نحن والبنوك المركزية الأخرى نراقب هذه المجالات عن كثب وبدقة. والخلاصة، نحن لا يمكننا أن نعتبر المرونة في ذلك الجزء من السوق تحصيل حاصل.
الوقت لم يحن بعد لإعلان الانتصار
إن الأسواق المالية هي ما يطلق عليه العلماء «نظام تكيُّف معقَّد» مثله في ذلك مثل مناخ الكوكب أو مستعمرة النمل أو الجسم البشري، حيث يمكن أن تتفاعل مكونات مستقلة وعديدة بطرائق غير متوقعة، ويمكن أن يقود ذلك إلى سلوك جماعي من الصعب التنبؤ به عند الاقتصار على ملاحظة كل عامل منفردا.
إن أنظمة التكيف المعقدة بطبيعتها يصعب فهمها، فهي يمكن أن تكون مرنة إلى حد مثير للإعجاب، وبالغة الهشاشة أيضا، وكثيرا ما تتواءم بدينامية مع الانتكاسات، وأحيانا تنهار أمام مزيج مؤذٍ من إخفاقات مستقلة تبدو ثانوية.
إن انقطاع التيار الكهربائي الواسع النطاق في أمريكا الشمالية عام 2003 حدث بسبب احتكاك فروع الأشجار النامية بأسلاك أعمدة الكهرباء في ولاية أوهايو، وفاقمه خلل في البرمجيات وخطأ بشري. بل ما هو أكثر مأساوية أن غرق العبَّارة الكورية الجنوبية «أم في سول» في عام 2014 بسبب قلة ماء التوازن، وثقل حمولة البضائع وانعطافها الحاد أدى إلى مقتل 304 أشخاص.
هذا هو سبب تحذير كارمن راينهارت كبيرة الاقتصاديين بالبنك الدولي وإحدى كبار دارسي الأزمات المالية من أن العدوي المالية تتجلى «بطرائق غامضة».
وفي حين عانى النظام المالي حتى الآن من آثار طفيفة بدلا عما وصفته بالعدوى «الهائجة والسريعة» إلا أن راينهارت تشعر بالقلق من احتمال أن تكون الآثار الناجمة من غزو روسيا لأوكرانيا ضخمة، وتنصح بعدم الاستهانة من «الأثر التراكمي لهذه التداعيات» فقط لأنها لا تشكل عناوين أخبار مثيرة.
قبل أسبوعين أو نحو ذلك تجنبت روسيا تخلفا عن سداد ديونها حيث دفعت على نحو غير متوقع فوائد تزيد عن 117 مليون دولار لدائنين أجانب رغم العقوبات القاسية المفروضة عليها، ورغم ذلك قليلون أولئك الذين يتوقعون أن تظل موسكو قادرة على الوفاء بما عليها من أعباء مالية لفترة طويلة.
إن الاختبار الكبير التالي سيأتي في الرابع من أبريل عندما يحين أوان سداد سندات بقيمة بليوني دولار لدى دائنين محليين وأجانب. وبصرف النظر عن ذلك، سيكون هنالك المزيد من التشديد لنظام عقوبات الولايات المتحدة بعد 25 مايو حيث يُمنع أي كيان أمريكي من تلقي أو تحويل أي أموال إلى أو من الدولة الروسية مما يرجح إلى حد بعيد تخلفها عن السداد.
وحذرت وكالة تصنيف الائتمان «موديز» أواخر الشهر الماضي من أن «مخاطر عجز روسيا عن الوفاء بديونها واحتمال تعرض المستثمرين لخسائر تظل مرتفعة جدا بالنظر إلى التدهور الملحوظ في قدرة الحكومة ورغبتها للوفاء بالتزامات مديونيتها في الأسابيع الأخيرة».
إن آخر تخلف لروسيا عن سداد ديونها في عام 1998 وجه ضربات للعديد من البنوك العالمية وتسبب في انهيار صندوق التحوط العملاق «ال آي سي إن» وقاد إلى سلسلة من النكبات التي جعلت النظام المالي الدولي يترنح.
هل يمكن أن يواجه العالم عاقبة مؤلمة؟
ربما، لكن من المستبعد أن يسبب ذلك تخلفُ روسيا عن سداد ديونها السيادية، حسبما يقول المحللون. فانكشاف اقتصاد العالم أمام روسيا اليوم ضئيل نسبيا مقارنة بعام 1998 عندما كانت صناديق التحوط والبنوك مكدسة بسندات موسكو.
ويقول ريتشارد بوكستابير وهو خبير مخضرم في إدارة المخاطر سبق أن شغل منصب كبير مسؤولي المخاطر ببنك الاستثمار سالومون بروذرز في عام 1998: من أجل أن يوجِد شيء ما مشاكلَ لنظام معقد يجب أن يكون مندمجا فيه، وروسيا ليست مندمجة بهذا القدر في النظام المالي العالمي. ويستدرك قائلا: نعم يمكن أن تشكل روسيا ضغطا إضافيا (من بين عدة ضغوطات) على هذا النظام، لكن هل يمكن أن تفعل شيئا شبيها بما حدث لصندوق التحوط (إل تي سي أم) اليوم؟ لا أعتقد ذلك.
قبل غزو أوكرانيا كان المستثمرون الأجانب يحتفظون بحوالي 20 بليون دولار من الديون الروسية المقومة بالدولار، وما يساوي 37 بليون دولار من الديون المقومة بالروبل، وفقا للبنك المركزي الروسي. نعم حجم هذه الديون كبير. لكن ليس بما يكفي لكي يشكل صدمة كبرى حتى في حالة العجز عن سدادها، إلى ذلك لقد تضرر سلفا المستثمرون الذين وقعوا في شراك حيازة أوراق مالية روسية مثل بلاك روك وبيمكو.
ووجهت العقوبات الأمريكية ضربة لأسواق روسيا المالية، وهو ما يعني أن العديد من المستثمرين بالضرورة شطبوا موجوداتهم من الدين الروسي، لذلك لا أحد سيفاجأ إذا عرقل نظام العقوبات الشديد القسوة مدفوعات موسكو حتى إذا ظلت روسيا راغبة في خدمة ديونها.
وقدرت كريستالينا جورجيفا مديرة صندوق النقد الدولي الحجم الإجمالي لانكشاف الدائنين الأجانب لروسيا بحوالي 120 بليون دولار، وهو مبلغ ليس هينا، لكنها ذكرت لشبكة سي بي إس في مارس أنه لا معنى له بالنسبة للنظام المالي.
ويوافقها على ذلك روبرت ميشيل مسؤول الاستثمار ببنك جي بي مورجان والذي يقول: قضينا أول إجازة أسبوعية في تتبع كل البنوك لمعرفة أيها سيتأثر أولا، لم نجد أي شيء من هذا القبيل رغم بحثنا المستفيض.
ويضيف: بسبب الأزمة المالية العالمية والإطار التنظيمي الذي وضع بعدها، كدست البنوك أموالا احتياطية ورؤوس أموال وفيرة للوقاية من المخاطر.
إن تكرار نكبة صندوق التحوط «إل تي سي إم» مستبعد. لا شك أن بعض صناديق التحوط تعرضت لضربات لكن مستوى انكشاف الدين والمشتقات الذي استخدمه صندوق إل تي سي إم لتضخيم رهاناته لم نشهده هذه الأيام. كان إجمالي صافي الرافعة المالية (نسبة الدين إلى رأس المال) لصناديق التحوط في بداية هذا العام 48% وإجمالي الانكشاف للسوق 260%، بحسب بيانات جولدمان ساكس، وكان إجمالي انكشاف صندوق التحوط (إل تي سي إم ) للسوق في عام 1998 أكبر بحوالي 25 مرة من رأسماله.
ويرى بوكستابير الشريك المؤسس لشركة إدارة المخاطر «فابريك» أن درجة الرافعة المالية ليست بأي حال قريبة عما كانت عليه في وقت حلول نكبة (إل تي سي إم). ويقول: ذلك لا يعني القول بعدم وجود مخاطر، لكن لا أعتقد أن الحالة الروسية كافية لإحداث أزمة في النظام المالي.
وظلت المخاوف من وقوع أزمة مالية أخرى من الثوابت منذ اندلاع آخر أزمة، ففي كل شهر ولأكثر من عشرة أعوام يجري مصرف بانك أوف أمريكا مسحا للزبائن المستثمرين حول ما يعتبرونه أكبر خطر يواجه الأسواق، وتعكس تصوراتهم كل ما يحتل عناوين الأخبار مثل: أزمة ديون منطقة اليورو، وتباطؤ اقتصاد الصين، وأخطاء البنك المركزي، والانتخابات الرئاسية الأمريكية والحروب التجارية، والجائحات.
ورغم ظهور العديد من هذه المخاطر إلا أن القليل منها تسبب في أي مشاكل كبيرة، وعادت سوق الأسهم المالية بمعدل يساوي 168% منذ أول مسح أجراه بنك اوف أمريكا في يوليو 2011 عندما قادت المخاوف من قدرة منطقة اليورو على سداد ديونها إلى فزع الأسواق.
ورغما عن ذلك يقلق البعض من أن تخلف روسيا عن السداد إذا حدث يمكن أن يكون مقوضا للاستقرار حتى إذا كان متوقعا على نطاق واسع الآن.
وتعتقد راينهارت أن المأزق الحقيقي هو «ما يحدث في وقت التخلف عن السداد». وتقول: إن ذلك الحدث لم يبدأ بعد. لذلك من السابق لأوانه إعلان الانتصار، الدراما لم تنته، لقد شاهدنا فصلها الأول، لكن هنالك فصولا كثيرة قادمة.
المخاطر داخل الاقتصاد الحقيقي
توضح الضغوط في أسواق السلع لماذا لا يزال العديدون حذرين، قد لا تكون روسيا مهمة لعافية النظام المالي، لكن يمكن القول إنها مهمة حتى الآن لعافية عالم الموارد الطبيعية.
فاحتمال انخفاض إمدادات الطاقة والسلع، رفع أسعار النفط والمواد الغذائية والمعادن، وألحق ذلك أضرارا بالشركات التجارية مثل جلينكور وترافيجورا وفيتول التي تساعد على تحريك الأصول المادية عبر موانئ ومستودعات العالم وتعتمد على عقود المشتقات للتحوط من تحرك الأسعار غير المرغوب فيه بين وقت الشراء ووقت التسليم.
ولحماية نفسها من العجز عن سداد ديونها زادت بيوت المقاصة وشركات السمسرة التي تقوم بدور الوساطة التجارية من مبلغ الهامش أو الضمان النقدي الذي يتوجب على زبائنها سداده لتعزيز التداولات، وكلما زادت وتيرة التقلب كلما زاد الهامش المطلوب.
ويُعاد الهامش للمتداولين عندما يتم تسليم السلع، لكن الشركات التجارية واجهت مطالب فورية بإيجاد بلايين الدولارات مما يضغط بشدة على السيولة. لقد تعرضت أسعار سندات العديد من أكبر شركات القطاع لضغوط مع خشية الدائنين من وقوع حوادث.
وطلب الاتحاد الأوروبي لتجار الطاقة من البنوك المركزية «دعم سيولة محدودة المدة» للمساعدة في التعامل مع «ضغوطات سيولة نقدية غير محتملة».
ويقول ريتشارد بيرنر أستاذ المالية بجامعة نيويورك: هذا تذكير آخر أن البنوك ليست هي الركن الوحيد المهم من أركان النظام المالي. ويضيف: عالجنا الكثير من مواضع الضعف في القطاع المالي بعد عام 2008، لكننا فشلنا في التعامل مع القطاع المالي غير المصرفي والذي كثيرا ما يشار إليه باسم «بنوك الظل».
ولكنه يشك في أن تسعى البنوك المركزية إلى إنقاذ أي شركة تداول في السلع تواجه مشكلة. يقول بيرنر: التوسع غير المحدود في دور البنوك المركزية شيء ينبغي علينا أن نوليه عناية بالغة.
وهنالك طرق عديدة يمكن أن تطلق عبرها أسواق السلع المضطربة تداعيات خطرة مثل أزمات الغذاء التي تتسبب في اضطرابات سياسية في العالم النامي إلى الضغط على بيوت المقاصة المركزية والوسيطة لنظام تداول المشتقات والتي تم تعزيز دورها للوقاية من المخاطر في أعقاب الأزمة المالية عام 2008.
لكن الطريقة الأكثر احتمالا في أن تشعل بها روسيا حريقا أوسع نطاقا، هي ببساطة التوقيت الأخرق للأزمة وأثرها على البنوك المركزية، فبدلا عن القنوات المالية المعهودة للأزمات تتحرك هذه العدوى المالية عبر الاقتصاد الحقيقي.
لقد سبق أن صعدت إلى عنان السماء أسعار كل شيء بداية من شبه الموصلات وإلى غذاء المواليد والحبوب والصلب في أعقاب الجائحة مما أجبر البنوك المركزية على التحول دون مقدمات من محاولة تحفيز النمو الاقتصادي إلى محاربة التضخم.
والآن هزت الحرب إمدادات الموارد الرئيسية مثل البوتاس وغاز النيون والنيكل والذرة الشامية والقمح من روسيا وأوكرانيا وهما من بين أكبر منتجي هذه السلع في العالم مما فاقم من سوء توقعات التضخم.
وتشير راينهارت إلى أن نسبة الاقتصادات المتقدمة التي بها معدلات تضخم عند 5% أو أعلى ارتفعت من صفر قبل عام إلى 60% تقريبا في فبراير 2022 حتى قبل تسرب آثار اضطرابات الحرب الروسية الأوكرانية بشكل كامل. وترى راينهارت أن ذلك قد يجبر البنوك المركزية على رفع أسعار الفائدة بأكثر مما ترغب لتجنب الانفصال التام لتوقعات التضخم عن أهداف البنك المركزي.
وتعتقد راينهارت أن الضغوط التي جاءت بها الأزمة الروسية الأوكرانية في وقت يشغل فيه التضخم البال تعني أن المعركة الصعبة أصلا صارت أكثر صعوبة. وتقول: نحن بحاجة إلى أكثر من مجرد تشذيب السياسة النقدية.
بكلمات أخرى قد يتضح أن روسيا كرة ثلج تضخمية تسبب انهيارا جليديا عاصفا (ارتفاعات حادة لأسعار الفائدة) يفاجئ بدوره النظام المالي المطمئِن إلى استمرار تيسير السياسة النقدية إلى الأبد.
ريتشارد بوكستابير من بين أولئك الذين لم ينتابهم القلق من هذا الاحتمال، فهو يقول أن المخاطر على النظام المالي نفسه نادرا ما تكون غير ملحوظة حتى لو لم تُقَدَّر حق قدرها، إنها عادة ما تكون ذلك الشيء الذي نعلم به لكننا نتجاهله، كل ما لاحظناه في التاريخ الحديث هو نظام نقدي مُيسّر، من يراهنون على استمراره ربما تنتظرهم مفاجأة غير سارة.
مترجم عن الفاينانشال تايمز