(1)
رثاء للعالم أو تأبينه! هكذا جاءت كلمة اليوم العالمي للمسرح 27 مارس 2022م التي كتبها المخرج المسرحي بيتر سيلر احتفالا بهذه المناسبة العزيزة.
لا شك أن الأسئلة والأفكار التي طرحتها كلمته تعيدنا إلى ضرورة تفكّر وتدبر هذا العالم الذي نعيش فيه. من أهم النقاط التي استوقفتني كانت ما يأتي: ما رؤيتنا إلى زمننا والواقع والمتغيرات الحاصلة فيه؟ ما علاقتنا مع العوالم غير البشرية؟ إن العقل الإنساني عاجز عن الفهم، وبالتالي يصعب التعبير عن هذا العالم! إن البشرية بما تمتلكه من صحف ووسائل إعلام متطورة غير قادرة على التعامل مع ما نمر به، لكن التعويل على المسرح يُعد هبة كبيرة لنا، لذلك أكد بيتر على أن المسرح هو الشكل الفني لتجربة البشرية! ولكي يكون للمسرح فائدة وفاعلية فإنّ مدخل التجريب أحد علامات التطور، وعند هذه النقطة، يستلهم بيتر مِن واقع اشتغاله مع المسرح والأوبرا فكرة "تجريب الطابع المقدس واللامتناهي لحياة فردية"، كأنه يعيدنا إلى أنتونان أرطو حينما وهب حياته الفريدة وطقوسه مؤمنا بقوى ما وراء الميتافيزيقا، معلنا من خلالها أنها ستمنح القوة للمسرح. وعندما يشير بيتر إلى تلك الحياة بطقوسها وروحانيتها كأنما يدفعنا إلى نقطة الصفر في الطفولة.
(2)
سأتخيل مع بيتر أن العالم الذي يخاطبه لم يعد يقتصر على جمهور المسرح، ولا المسرحيين لذواتهم. إن العالم هو الجمهور. وكذلك العالم هو المسرح في آن. لا يقوم بيتر بالخروج عن النص، فلا وجود لنصِّ مكتوب، ولا يهدف إلى كسر الإيهام، فليس هناك ما يُمكن كسره، ولا يطلب من المتفرجين أن يكونوا وقوفا أو جلوسا في صالة لمشاهدة العرض؛ فليس هناك عرض جماهير ولا مونودراما ولا فنون الأداء؛ لأن مسرح الحياة بات أكثر استلابا ووجعًا وضمورًا وهشاشة، ومن الغرابة أن هشاشة العالم المتكررة يقف في جهة ما من يعتقد أنه يمتلك إعلان قبضته الشرسة عليه، كالسلطات السياسية والعسكرية والغذائية!
كان مفهوم الجدار الرابع المتخيَّل أحد الجدران الوهمية الخالدة في المسرح. إنه جدار تؤثثه المُخيلة. جدار حٌّر، مستقِّل عن المشاهدين وتعجز جدران المؤسسات الرسمية على هدمه أو كسره. جدار يفصل بين الحقيقة والواقع، وبين اليقظة والحلم، وربما من هنا أصّر الحالمون بالخشبة أمثال (موليير وديدرو) على أهمية تخيّل وجوده بالرغم من كل الأحداث التي تجري فوق الخشبة.
(3)
منطق التطور الحضاري للحياة ومنبع التفكير بالمسرح جعل لهذا الجدار حدودا! لا يراد أن تكون وهمية ولا متخيلة، بل يجب هدمه وكسره والخروج عليه. فكلّ تطور في الحاضر يلغي ما سبقه، يتمرد عليه ويغير من قواعده وتقاليده. هكذا فعل مسرحنا الحديث في العالم. لا أحد يُحب العيش خلف الجدران، ولا أن تطوقه الجدران، حتى الجدار الرابع المتخيّل. يجب على الجمهور النزول إلى الشارع والأزقة والحوانيت والدواعيس والتعبير عن الألم والجوع والفقر ونداء العدالة على الأرض قبل أن تكون في السماء.
(4)
من أخطر وأشدّ ما ابتلى به العالم في السنتين الماضيتين كان البقاء في المنازل بسبب الوباء كوفيد- 19. ظل الجمهور المسرحي يقبع في الغرف الضيقة تحاصره الجدران من كّل مكان. وبات أفراد الأسرة الواحدة يعيشون مرحلة من المراقبة والترّقب. هناك من اعتقد أن جائحة الوباء هي عقاب من الطبيعة، وهناك من رآها مؤامرة على الإنسان، بينما ذهب آخرون إلى عدّها معركة بين المسرحين السياسي والأخلاقي! كانت المُحصلة أن شركات الدواء قد ربحت تجارتها وأغلق الستار حتى إشعار آخر!
يلتفت المسرحيون بخجل إلى الوباء الهالك! هكذا أرادت منظمة الصحة العالمية ووسائل الإعلام الانتهاء بالبشرية إلى البقاء في العزلة وامتداحها! فيكتب بيتر سيلر ما يلي: "في عالم تغمُرُهُ الحملات الإعلامية الواسعة والتكهّنات المروّعة وتجارب محاكاة الواقع، كيف يمكننا أن نتجاوز التكرار اللانهائي للأرقام حتى نصل إلى تجريب الطابع المقدس واللامتناهي لحياة فردية، ولمنظومة بيئية خاصة، وللصداقة، ولسمة الضوء في سماء غريبة؟ لقد مرّ عامان أعتم فيهما كوفيد-19حواس الناس، وضّيق حياتهم وقطع العلاقات بينهم، ووضعنا في نقطة الصفر الغريبة من حياة تتجسد وتترابط".
(5)
هل يمكن لصيغة المسرح الملّحمي ورؤيته -حسب بيتر سيلر- أن تعيدان إلينا اكتشاف أنفسنا وقبول الآخر وإفشاء المحبة والرغبة بالإقامة في الحياة؟ هل بَعد أن وصل المسرح في العالم اليوم بالدعوة إلى ألـ"ميتافيرس" والتداخل المفرط في اشتباك الفنون المرئية، أن يوّد حقا الرجوع إلى الملحمية الماركسية وجمالياتها وأيديولوجيتها في وعيها بوظيفة المتفرج واللغة والعالم والوجود في هذا الكون! هل المسرحيون في رغبة أكيدة إلى سرد أحداثهم عوض تجسيدها فوق الخشبة؟ ألا يحتاج العالم إلى لحظة صفاء روحي وذهني ليقرر إيقاف النزيف بشتى أنواعه، سواء مع الإنسان أو في الطبيعة؟ ومن زاوية أخرى، هل ثمة من يريد اليوم إعادة التأمل في عاطفتي الشفقة والخوف؟ أليس العالم يخشى المرض والفقر والجهل؟ يستخدم بيتر تعبير "القسوة التي لا تتعب" وهو تعبير يقرّب إلينا صورة ذلك الوحش الذي رغم قسوته وبشاعته ألفته البشرية، وكثيرة هي الوحوش والنفوس التي تعيش في عالم اليوم تقتات على وجع الضعفاء والمحتاجين والبسطاء! وكثيرة هي الآلات والأدوية الفتاكة التي اعتادها الإنسان ولا يملك منها فرارا. فكيف صارت أشكال هذه القسوة مؤنسنة؟
(6)
التَّطهير (Catharsis) كان أحد أهداف المسرح الأرسطاطيلي، فجاء برتولد بريشت عَبر فلسفة المسرح الملحمي أو الديالكتيكي ساعيا إلى اختبار تجربة جديدة للمسرح وللأيديولوجيا وللحياة. يكتب بيتر سيلر: "إن مسرح الرؤية الملحمية، مسرح المعنى والتعافي، وإصلاح ما انكسر يحتاج إلى طقوس جديدة. نحن لا نحتاج إلى الترفيه، بل نحتاج لأن نتجمّع. نحتاج لأن نتشّارك في فضاء واحد، وأن نبني فضاءات مشتركة. نحتاج لأمكنة للإصغاء العميق". يمكن لهذه الفقرة من كلام بيتر أن تعيدنا إلى مربع أرسطو على حياء، وأن تذكرنا بفرجّاتنا الشعبية التقليدية، كما تنقلنا إلى العيادة المسرحية، فحاجتنا إلى التّجمع أو اللقاء، تعني أيضا حاجتنا الإنسانية البسيطة إلى الاعتراف والقبول والحوار والفضفضة، قبل أن يذهب العالم كله إلى عيادات الطب النفسي للاستشفاء.
رثاء للعالم أو تأبينه! هكذا جاءت كلمة اليوم العالمي للمسرح 27 مارس 2022م التي كتبها المخرج المسرحي بيتر سيلر احتفالا بهذه المناسبة العزيزة.
لا شك أن الأسئلة والأفكار التي طرحتها كلمته تعيدنا إلى ضرورة تفكّر وتدبر هذا العالم الذي نعيش فيه. من أهم النقاط التي استوقفتني كانت ما يأتي: ما رؤيتنا إلى زمننا والواقع والمتغيرات الحاصلة فيه؟ ما علاقتنا مع العوالم غير البشرية؟ إن العقل الإنساني عاجز عن الفهم، وبالتالي يصعب التعبير عن هذا العالم! إن البشرية بما تمتلكه من صحف ووسائل إعلام متطورة غير قادرة على التعامل مع ما نمر به، لكن التعويل على المسرح يُعد هبة كبيرة لنا، لذلك أكد بيتر على أن المسرح هو الشكل الفني لتجربة البشرية! ولكي يكون للمسرح فائدة وفاعلية فإنّ مدخل التجريب أحد علامات التطور، وعند هذه النقطة، يستلهم بيتر مِن واقع اشتغاله مع المسرح والأوبرا فكرة "تجريب الطابع المقدس واللامتناهي لحياة فردية"، كأنه يعيدنا إلى أنتونان أرطو حينما وهب حياته الفريدة وطقوسه مؤمنا بقوى ما وراء الميتافيزيقا، معلنا من خلالها أنها ستمنح القوة للمسرح. وعندما يشير بيتر إلى تلك الحياة بطقوسها وروحانيتها كأنما يدفعنا إلى نقطة الصفر في الطفولة.
(2)
سأتخيل مع بيتر أن العالم الذي يخاطبه لم يعد يقتصر على جمهور المسرح، ولا المسرحيين لذواتهم. إن العالم هو الجمهور. وكذلك العالم هو المسرح في آن. لا يقوم بيتر بالخروج عن النص، فلا وجود لنصِّ مكتوب، ولا يهدف إلى كسر الإيهام، فليس هناك ما يُمكن كسره، ولا يطلب من المتفرجين أن يكونوا وقوفا أو جلوسا في صالة لمشاهدة العرض؛ فليس هناك عرض جماهير ولا مونودراما ولا فنون الأداء؛ لأن مسرح الحياة بات أكثر استلابا ووجعًا وضمورًا وهشاشة، ومن الغرابة أن هشاشة العالم المتكررة يقف في جهة ما من يعتقد أنه يمتلك إعلان قبضته الشرسة عليه، كالسلطات السياسية والعسكرية والغذائية!
كان مفهوم الجدار الرابع المتخيَّل أحد الجدران الوهمية الخالدة في المسرح. إنه جدار تؤثثه المُخيلة. جدار حٌّر، مستقِّل عن المشاهدين وتعجز جدران المؤسسات الرسمية على هدمه أو كسره. جدار يفصل بين الحقيقة والواقع، وبين اليقظة والحلم، وربما من هنا أصّر الحالمون بالخشبة أمثال (موليير وديدرو) على أهمية تخيّل وجوده بالرغم من كل الأحداث التي تجري فوق الخشبة.
(3)
منطق التطور الحضاري للحياة ومنبع التفكير بالمسرح جعل لهذا الجدار حدودا! لا يراد أن تكون وهمية ولا متخيلة، بل يجب هدمه وكسره والخروج عليه. فكلّ تطور في الحاضر يلغي ما سبقه، يتمرد عليه ويغير من قواعده وتقاليده. هكذا فعل مسرحنا الحديث في العالم. لا أحد يُحب العيش خلف الجدران، ولا أن تطوقه الجدران، حتى الجدار الرابع المتخيّل. يجب على الجمهور النزول إلى الشارع والأزقة والحوانيت والدواعيس والتعبير عن الألم والجوع والفقر ونداء العدالة على الأرض قبل أن تكون في السماء.
(4)
من أخطر وأشدّ ما ابتلى به العالم في السنتين الماضيتين كان البقاء في المنازل بسبب الوباء كوفيد- 19. ظل الجمهور المسرحي يقبع في الغرف الضيقة تحاصره الجدران من كّل مكان. وبات أفراد الأسرة الواحدة يعيشون مرحلة من المراقبة والترّقب. هناك من اعتقد أن جائحة الوباء هي عقاب من الطبيعة، وهناك من رآها مؤامرة على الإنسان، بينما ذهب آخرون إلى عدّها معركة بين المسرحين السياسي والأخلاقي! كانت المُحصلة أن شركات الدواء قد ربحت تجارتها وأغلق الستار حتى إشعار آخر!
يلتفت المسرحيون بخجل إلى الوباء الهالك! هكذا أرادت منظمة الصحة العالمية ووسائل الإعلام الانتهاء بالبشرية إلى البقاء في العزلة وامتداحها! فيكتب بيتر سيلر ما يلي: "في عالم تغمُرُهُ الحملات الإعلامية الواسعة والتكهّنات المروّعة وتجارب محاكاة الواقع، كيف يمكننا أن نتجاوز التكرار اللانهائي للأرقام حتى نصل إلى تجريب الطابع المقدس واللامتناهي لحياة فردية، ولمنظومة بيئية خاصة، وللصداقة، ولسمة الضوء في سماء غريبة؟ لقد مرّ عامان أعتم فيهما كوفيد-19حواس الناس، وضّيق حياتهم وقطع العلاقات بينهم، ووضعنا في نقطة الصفر الغريبة من حياة تتجسد وتترابط".
(5)
هل يمكن لصيغة المسرح الملّحمي ورؤيته -حسب بيتر سيلر- أن تعيدان إلينا اكتشاف أنفسنا وقبول الآخر وإفشاء المحبة والرغبة بالإقامة في الحياة؟ هل بَعد أن وصل المسرح في العالم اليوم بالدعوة إلى ألـ"ميتافيرس" والتداخل المفرط في اشتباك الفنون المرئية، أن يوّد حقا الرجوع إلى الملحمية الماركسية وجمالياتها وأيديولوجيتها في وعيها بوظيفة المتفرج واللغة والعالم والوجود في هذا الكون! هل المسرحيون في رغبة أكيدة إلى سرد أحداثهم عوض تجسيدها فوق الخشبة؟ ألا يحتاج العالم إلى لحظة صفاء روحي وذهني ليقرر إيقاف النزيف بشتى أنواعه، سواء مع الإنسان أو في الطبيعة؟ ومن زاوية أخرى، هل ثمة من يريد اليوم إعادة التأمل في عاطفتي الشفقة والخوف؟ أليس العالم يخشى المرض والفقر والجهل؟ يستخدم بيتر تعبير "القسوة التي لا تتعب" وهو تعبير يقرّب إلينا صورة ذلك الوحش الذي رغم قسوته وبشاعته ألفته البشرية، وكثيرة هي الوحوش والنفوس التي تعيش في عالم اليوم تقتات على وجع الضعفاء والمحتاجين والبسطاء! وكثيرة هي الآلات والأدوية الفتاكة التي اعتادها الإنسان ولا يملك منها فرارا. فكيف صارت أشكال هذه القسوة مؤنسنة؟
(6)
التَّطهير (Catharsis) كان أحد أهداف المسرح الأرسطاطيلي، فجاء برتولد بريشت عَبر فلسفة المسرح الملحمي أو الديالكتيكي ساعيا إلى اختبار تجربة جديدة للمسرح وللأيديولوجيا وللحياة. يكتب بيتر سيلر: "إن مسرح الرؤية الملحمية، مسرح المعنى والتعافي، وإصلاح ما انكسر يحتاج إلى طقوس جديدة. نحن لا نحتاج إلى الترفيه، بل نحتاج لأن نتجمّع. نحتاج لأن نتشّارك في فضاء واحد، وأن نبني فضاءات مشتركة. نحتاج لأمكنة للإصغاء العميق". يمكن لهذه الفقرة من كلام بيتر أن تعيدنا إلى مربع أرسطو على حياء، وأن تذكرنا بفرجّاتنا الشعبية التقليدية، كما تنقلنا إلى العيادة المسرحية، فحاجتنا إلى التّجمع أو اللقاء، تعني أيضا حاجتنا الإنسانية البسيطة إلى الاعتراف والقبول والحوار والفضفضة، قبل أن يذهب العالم كله إلى عيادات الطب النفسي للاستشفاء.