إن القوة المذهلة التي اتسمت بها العقوبات المتعددة الأطراف المفروضة على روسيا لا يعدلها شيء سوى القوة التي أبداها الأوكرانيون في مقاومة الغزو الروسي لبلدهم، صحيح أنه من الصعب أن نتخيل أن العقوبات قد تُـفضي إلى انهيار الاقتصاد الروسي قبل أن تتمكن القوات الروسية من الاستيلاء على كييف أو تخريب وتدمير أوكرانيا، ولكن في نهاية المطاف ستخسر روسيا الكثير في هذه الحرب.
في شهر ديسمبر الماضي، حَـذَّرَ الرئيس الأمريكي جو بايدن نظيره الروسي فلاديمير بوتن من أن العقوبات القاسية في الرد على الغزو الروسي لأوكرانيا ستفرض على روسيا «ثمنا رهيبا». مع ذلك، اعتبر كثيرون هذه التهديدات مجرد وعيد مبالغ فيه. والسبب واضح. فمنذ مطلع القرن الحالي على الأقل، كان سجل رؤساء الولايات المتحدة ضعيفا عندما يتعلق الأمر بمضاهاة الأقوال بالأفعال في السياسة الخارجية. ولم يخل الأمر من المزيد من أسباب الشك في ما يتصل بالتحذيرات من أوروبا.
على سبيل المثال، زادت ألمانيا طوال العقد السابق اعتمادها على الطاقة الروسية. وفشلت العقوبات الغربية التي استحثها استيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم في عام 2014 في إحداث الأثر المنشود. في عموم الأمر، يجب أن تكون العقوبات الدولية متعددة الأطراف لكي تنجح، ولم تحقق أغلبها سوى القليل نسبيا. باعتبارها أحد الخيارات القليلة المتاحة بين التدخل المسلح والتقاعس عن القيام بأي تحرك، تُـعَـد العقوبات عادة مجرد وسيلة تسمح لأي دولة بتسجيل احتجاجها الشديد. لكن المجموعة المبهرة من التدابير التي يتوالى اتخاذها حاليا ضد الاقتصاد الروسي مختلفة. فهي تندرج تحت سبع فئات رئيسية.
الفئة الأولى تشمل العقوبات على الصادرات الروسية من النفط والغاز الطبيعي. في الثامن من مارس، حظرت الولايات المتحدة الواردات من المواد الهيدروكربونية من روسيا، في حين أعلنت المملكة المتحدة أنها ستتوقف تدريجيا عن استيراد الخام الروسي بحلول نهاية هذا العام.
لكن العلامة الأكثر دراماتيكية التي تدلل على أن العقوبات المتعددة الأطراف ستكون جادة هذه المرة جاءت في الثاني والعشرين من فبراير، عندما قرر المستشار الألماني أولاف شولتز على نحو غير متوقع تعليق العمل في مشروع خط أنابيب نورد ستريم، الذي كان لينقل الغاز الروسي إلى ألمانيا بشكل مباشر. بعد ذلك بفترة وجيزة، أعلن الاتحاد الأوروبي عن خطط لخفض وارداته من الغاز من روسيا بمقدار الثلثين هذا العام، ثم بمقدار أكبر في وقت لاحق.
هنا، يقدم زميلي ريكاردو هوسمان في جامعة هارفارد فكرة ذكية حول كيفية فرض أكبر قدر ممكن من الضرر على روسيا، بدلا من إلحاق الضرر بالدول المستوردة للنفط. بوسع الولايات المتحدة وأوروبا، ضمن تحالف من آخرين، تقليل الطلب الجماعي على النفط والغاز الروسيين بشكل كبير من خلال فرض تعريفة جمركية عقابية بدلا من تحديد سقف كمي.
وبهذا، بدلا من أن يتمتع المنتجون الروس بمكاسب غير متوقعة من ارتفاع الأسعار، ستذهب عائدات الرسوم الجمركية إلى الحكومات المستوردة -التي يمكنها بعد ذلك توزيعها محليا بطرق تُـرضـي جماهير الناس.
تشمل الفئة الثانية من العقوبات الصادرات الروسية غير النفطية. كانت كندا أولى الدول التي علقت وضع روسيا كدولة أعلى أفضلية في التجارة، حتى يتسنى لها فرض تعريفات أعلى على المنتجات الروسية. ومنذ ذلك الحين حذت حذوها الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وبقية دول مجموعة السبع.
ثالثا: تفرض العديد من الشركات المتعددة الجنسيات «العقوبات من تلقاء ذاتها» وتسبق حكومات بلدانها الأصلية من خلال تجنب التعامل مع روسيا. لهذا السبب، يُـبـاع خام الأورال بخصم باهظ نسبة إلى مؤشر برنت القياسي. يشكل الحظر المفروض على الصادرات إلى روسيا نوعا رابعا من العقوبات الاقتصادية. نظرًا لاعتماد روسيا على منتجات أمريكية وأوروبية بعينها، وخاصة السلع التكنولوجية مثل أشباه الموصلات، وأجهزة الليزر، ومعدات الملاحة والاتصالات، فإن حرمانها من هذه البنود من المحتمل أن يلحق بها أضرارا اقتصادية جسيمة. فإذا لم تجد روسيا قطع الغيار اللازمة لتشغيل الطائرات الأمريكية الصنع، على سبيل المثال، فمن المرجح أن يصبح السفر الجوي الداخلي متزايد الصعوبة بمرور الوقت.
يرتبط بهذا بشكل وثيق انسحاب المستثمرين الأجانب، حيث تقوم الشركات الغربية -بما في ذلك بيبسيكو، ويونيليفر، وزارا، وآيكيا، وجولدمان ساكس- بتعليق أو إنهاء عملياتها في روسيا.
خامسا: كانت العقوبات المالية أقوى كثيرا من المتوقع. قبل الغزو، كان عزل البنوك الروسية عن النظام المالي العالمي، من خلال منعها من استخدام نظام سويفت (SWIFT) للمدفوعات الدولية على سبيل المثال، يبدو هدفا طموحا. لكن الولايات المتحدة وحليفاتها أنجزت ذلك وأكثر. في تحرك جريء بدرجة غير مسبوقة، قررت وزارة الخزانة الأمريكية، جنبًا إلى جنب مع الاتحاد الأوروبي، واليابان، ودول مجموعة السبع، وسويسرا، وكوريا الجنوبية، وسنغافورة، حرمان السلطات الروسية من الوصول إلى قسم كبير من احتياطيات روسيا من النقد الأجنبي التي بلغت 630 مليار دولار وغير ذلك من أصولها في الخارج.
نتيجة لهذا، انخفض الروبل بنسبة 30%، ومن المرجح أن يستمر انخفاض قيمته على هذا النحو، وسوف يُـفـضـي هذا سريعا إلى ارتفاع التضخم، الذي كان بالفعل عند مستوى 9.2% على أساس سنوي في فبراير. تمثل العقوبات على الـنُـخَـب الروسية الفئة السادسة. كانت العقوبات التي تستهدف الأفراد مكونا متناميا في «العقوبات الذكية» لسنوات عديدة.
اللافت للنظر في العقوبات الجديدة ضد روسيا هو أنها تستهدف بوتن نفسه، وأنها جادة في منع الأقلية النخبوية الثرية الروسية من السفر بحرية والوصول إلى أصولهم في الخارج، بما في ذلك العقارات في لندن واليخوت في البحر الأبيض المتوسط.
أخيرا، يمتنع قسم كبير من العالم عن إشراك روسيا في الأحداث الرياضية الدولية والأنشطة الثقافية.
الواقع أن هذا قد يكون أكثر أهمية مـما يتصور أهل الاقتصاد. قد يساعد منظور الاقتصاد الكلي في الربط بين الأمور. من الممكن النظر إلى أكبر فئات العقوبات -تلك المفروضة على الواردات من روسيا، والقيود على الصادرات إلى روسيا، والعقوبات المالية- على أنها ثلاث وسائل يعزز بعضها بعضًا لتحقيق الغاية ذاتها، حتى عندما تتمكن روسيا من شحن النفط والغاز الطبيعي إلى الخارج، فلن تتمكن من تحصيل الثمن. وحتى إن تمكنت من تحصيل الثمن فلن يكون للمال فائدة تُـذكَر إذا لم يكن في الإمكان استخدامه لشراء الواردات التي تحتاج إليها.
الواقع أن العقوبات ستعيد توجيه الاقتصادات الأخرى بعيدا عن روسيا في الأمد البعيد. بمجرد بناء محطة للغاز الطبيعي المسال، تصبح بلا قيمة إذا لم تُـسـتَـخـدَم. وبالتالي فإن الاقتصاد الحادي عشر على مستوى العالم سيتخلف عن اقتصاد البرازيل وغيرها في تصنيفات الناتج المحلي الإجمالي، وهذا من شأنه أن يضر بشدة بمستوى معيشة الروس ويقلل من نفوذ بلدهم على الصعيد الجيوسياسي. إذا كان لدى الكرملين ذرة عقل -وهو ما يفتقر إليه بوضوح- فسوف يدرك النتيجة النهائية الآن، ويُـنـهـي الغزو.
____________
جيفري فرانكل أستاذ تكوين رأس المال والنمو بجامعة هارفارد، وهو باحث مشارك في المكتب الوطني الأمريكي للبحوث الاقتصادية.
خدمة بروجيكت سنديكيت
في شهر ديسمبر الماضي، حَـذَّرَ الرئيس الأمريكي جو بايدن نظيره الروسي فلاديمير بوتن من أن العقوبات القاسية في الرد على الغزو الروسي لأوكرانيا ستفرض على روسيا «ثمنا رهيبا». مع ذلك، اعتبر كثيرون هذه التهديدات مجرد وعيد مبالغ فيه. والسبب واضح. فمنذ مطلع القرن الحالي على الأقل، كان سجل رؤساء الولايات المتحدة ضعيفا عندما يتعلق الأمر بمضاهاة الأقوال بالأفعال في السياسة الخارجية. ولم يخل الأمر من المزيد من أسباب الشك في ما يتصل بالتحذيرات من أوروبا.
على سبيل المثال، زادت ألمانيا طوال العقد السابق اعتمادها على الطاقة الروسية. وفشلت العقوبات الغربية التي استحثها استيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم في عام 2014 في إحداث الأثر المنشود. في عموم الأمر، يجب أن تكون العقوبات الدولية متعددة الأطراف لكي تنجح، ولم تحقق أغلبها سوى القليل نسبيا. باعتبارها أحد الخيارات القليلة المتاحة بين التدخل المسلح والتقاعس عن القيام بأي تحرك، تُـعَـد العقوبات عادة مجرد وسيلة تسمح لأي دولة بتسجيل احتجاجها الشديد. لكن المجموعة المبهرة من التدابير التي يتوالى اتخاذها حاليا ضد الاقتصاد الروسي مختلفة. فهي تندرج تحت سبع فئات رئيسية.
الفئة الأولى تشمل العقوبات على الصادرات الروسية من النفط والغاز الطبيعي. في الثامن من مارس، حظرت الولايات المتحدة الواردات من المواد الهيدروكربونية من روسيا، في حين أعلنت المملكة المتحدة أنها ستتوقف تدريجيا عن استيراد الخام الروسي بحلول نهاية هذا العام.
لكن العلامة الأكثر دراماتيكية التي تدلل على أن العقوبات المتعددة الأطراف ستكون جادة هذه المرة جاءت في الثاني والعشرين من فبراير، عندما قرر المستشار الألماني أولاف شولتز على نحو غير متوقع تعليق العمل في مشروع خط أنابيب نورد ستريم، الذي كان لينقل الغاز الروسي إلى ألمانيا بشكل مباشر. بعد ذلك بفترة وجيزة، أعلن الاتحاد الأوروبي عن خطط لخفض وارداته من الغاز من روسيا بمقدار الثلثين هذا العام، ثم بمقدار أكبر في وقت لاحق.
هنا، يقدم زميلي ريكاردو هوسمان في جامعة هارفارد فكرة ذكية حول كيفية فرض أكبر قدر ممكن من الضرر على روسيا، بدلا من إلحاق الضرر بالدول المستوردة للنفط. بوسع الولايات المتحدة وأوروبا، ضمن تحالف من آخرين، تقليل الطلب الجماعي على النفط والغاز الروسيين بشكل كبير من خلال فرض تعريفة جمركية عقابية بدلا من تحديد سقف كمي.
وبهذا، بدلا من أن يتمتع المنتجون الروس بمكاسب غير متوقعة من ارتفاع الأسعار، ستذهب عائدات الرسوم الجمركية إلى الحكومات المستوردة -التي يمكنها بعد ذلك توزيعها محليا بطرق تُـرضـي جماهير الناس.
تشمل الفئة الثانية من العقوبات الصادرات الروسية غير النفطية. كانت كندا أولى الدول التي علقت وضع روسيا كدولة أعلى أفضلية في التجارة، حتى يتسنى لها فرض تعريفات أعلى على المنتجات الروسية. ومنذ ذلك الحين حذت حذوها الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وبقية دول مجموعة السبع.
ثالثا: تفرض العديد من الشركات المتعددة الجنسيات «العقوبات من تلقاء ذاتها» وتسبق حكومات بلدانها الأصلية من خلال تجنب التعامل مع روسيا. لهذا السبب، يُـبـاع خام الأورال بخصم باهظ نسبة إلى مؤشر برنت القياسي. يشكل الحظر المفروض على الصادرات إلى روسيا نوعا رابعا من العقوبات الاقتصادية. نظرًا لاعتماد روسيا على منتجات أمريكية وأوروبية بعينها، وخاصة السلع التكنولوجية مثل أشباه الموصلات، وأجهزة الليزر، ومعدات الملاحة والاتصالات، فإن حرمانها من هذه البنود من المحتمل أن يلحق بها أضرارا اقتصادية جسيمة. فإذا لم تجد روسيا قطع الغيار اللازمة لتشغيل الطائرات الأمريكية الصنع، على سبيل المثال، فمن المرجح أن يصبح السفر الجوي الداخلي متزايد الصعوبة بمرور الوقت.
يرتبط بهذا بشكل وثيق انسحاب المستثمرين الأجانب، حيث تقوم الشركات الغربية -بما في ذلك بيبسيكو، ويونيليفر، وزارا، وآيكيا، وجولدمان ساكس- بتعليق أو إنهاء عملياتها في روسيا.
خامسا: كانت العقوبات المالية أقوى كثيرا من المتوقع. قبل الغزو، كان عزل البنوك الروسية عن النظام المالي العالمي، من خلال منعها من استخدام نظام سويفت (SWIFT) للمدفوعات الدولية على سبيل المثال، يبدو هدفا طموحا. لكن الولايات المتحدة وحليفاتها أنجزت ذلك وأكثر. في تحرك جريء بدرجة غير مسبوقة، قررت وزارة الخزانة الأمريكية، جنبًا إلى جنب مع الاتحاد الأوروبي، واليابان، ودول مجموعة السبع، وسويسرا، وكوريا الجنوبية، وسنغافورة، حرمان السلطات الروسية من الوصول إلى قسم كبير من احتياطيات روسيا من النقد الأجنبي التي بلغت 630 مليار دولار وغير ذلك من أصولها في الخارج.
نتيجة لهذا، انخفض الروبل بنسبة 30%، ومن المرجح أن يستمر انخفاض قيمته على هذا النحو، وسوف يُـفـضـي هذا سريعا إلى ارتفاع التضخم، الذي كان بالفعل عند مستوى 9.2% على أساس سنوي في فبراير. تمثل العقوبات على الـنُـخَـب الروسية الفئة السادسة. كانت العقوبات التي تستهدف الأفراد مكونا متناميا في «العقوبات الذكية» لسنوات عديدة.
اللافت للنظر في العقوبات الجديدة ضد روسيا هو أنها تستهدف بوتن نفسه، وأنها جادة في منع الأقلية النخبوية الثرية الروسية من السفر بحرية والوصول إلى أصولهم في الخارج، بما في ذلك العقارات في لندن واليخوت في البحر الأبيض المتوسط.
أخيرا، يمتنع قسم كبير من العالم عن إشراك روسيا في الأحداث الرياضية الدولية والأنشطة الثقافية.
الواقع أن هذا قد يكون أكثر أهمية مـما يتصور أهل الاقتصاد. قد يساعد منظور الاقتصاد الكلي في الربط بين الأمور. من الممكن النظر إلى أكبر فئات العقوبات -تلك المفروضة على الواردات من روسيا، والقيود على الصادرات إلى روسيا، والعقوبات المالية- على أنها ثلاث وسائل يعزز بعضها بعضًا لتحقيق الغاية ذاتها، حتى عندما تتمكن روسيا من شحن النفط والغاز الطبيعي إلى الخارج، فلن تتمكن من تحصيل الثمن. وحتى إن تمكنت من تحصيل الثمن فلن يكون للمال فائدة تُـذكَر إذا لم يكن في الإمكان استخدامه لشراء الواردات التي تحتاج إليها.
الواقع أن العقوبات ستعيد توجيه الاقتصادات الأخرى بعيدا عن روسيا في الأمد البعيد. بمجرد بناء محطة للغاز الطبيعي المسال، تصبح بلا قيمة إذا لم تُـسـتَـخـدَم. وبالتالي فإن الاقتصاد الحادي عشر على مستوى العالم سيتخلف عن اقتصاد البرازيل وغيرها في تصنيفات الناتج المحلي الإجمالي، وهذا من شأنه أن يضر بشدة بمستوى معيشة الروس ويقلل من نفوذ بلدهم على الصعيد الجيوسياسي. إذا كان لدى الكرملين ذرة عقل -وهو ما يفتقر إليه بوضوح- فسوف يدرك النتيجة النهائية الآن، ويُـنـهـي الغزو.
____________
جيفري فرانكل أستاذ تكوين رأس المال والنمو بجامعة هارفارد، وهو باحث مشارك في المكتب الوطني الأمريكي للبحوث الاقتصادية.
خدمة بروجيكت سنديكيت