كان لبيان الحركة المستقبلية تأثيراته الكثيرة على الحياة والفنون والأدب. ومن أحد ملامحه المستقبلية كتيار في الفن التشكيلي تبدى عبر محاولة الفنانين المستقبليين في مجال الرسم للتوّصل إلى تصوير ديناميكية الحركة من خلال عرض مراحلها في داخل اللوحة، متأثرين في ذلك بفن السينما وتقنية الصور المتتالية. فالحركة كما نعلم مفهوم فيزيائي يهتم بالانتقال في الزمن، والزمن في الفلسفة مفهوم شغل جميع الفلاسفة من حيث نظرتهم إلى الوجود واكتساب المعرفة. أما ملامحها في الأدب فتمظهرت في مظاهر نسف بناء الجملة التقليديّ، ليس بهدف تقويضه وإنما "لاستبداله بخليط من الجمل المبتورة التي تُشبه أسلوب البرقيّات، ويتضح ذلك في أسلوب الروسي فلاديمير ماياكوفسكي"، وعربيا يمكن تتبع بعض ملامحها في اللغة والرؤية لدى كتّاب الحساسية الجديدة للقصة القصيرة في مرحلة الستينيات في مصر، وفي أواخر عقد الثمانينيات وأوائل التسعينيات في عُمان.
أما ملامحها في المسرح وتأثيرها عليه فقد نادى البيان عند ظهوره- كما يذكر المعجم المسرحي لماري إلياس وحنان قصّاب- إلى "تطوير الكتابة المسرحية والأداء والسينوغرافيا والعلاقة مع الجمهور." وهي التمظهرات الحاصلة اليوم في الواقع المسرحي في أغلب بلاد العالم. ويمكن ملاحظة ذلك التطوير في الأفكار المستمرة التي تدعو إلى إلغاء الكلمة على المسرح، والتضحية بالسياق الاجتماعي والسياسي والثقافي والنفسي لحياة الشخصيات، مع إعلاء لغة الجسد والكوريغرافيا Choreography والتنويع في التشكيل البصري على المسرح، وفرادة التجريب واعتماده صيغة ثابتة من صيغ التنظير والتطوير في المسرح المعاصر.
وأيضًا من ملامح المستقبلية في المسرح الحديث ما نشاهده في لغة الإخراج لدى العديد من المخرجين المعاصرين. لقد ركز المستقبليون على "استخدام الإضاءة البيضاء والأقنعة، كما، تصدرت مدارس الديكور الحديثة المشهد، ففي السوق انتشرت مواقع لتدريب لغات الإخراج الجديدة المنبثقة من الجسد، كاليوغا وجلسات التأمل إما في الطبيعة أو في داخل الغرف، كما انتشرت مواقع مدرّبين قَدَموا ليس من مدارس الإخراج، بل من الغرف الخاصة القائمة على الرقص الحديث، وقد استعان المخرجون بهؤلاء إما لتدريب المجاميع أو للتدريبات الفردية، كذلك استفاد الإخراج من التطور العلمي لتصميم وتنفيذ الديكور المسرحي المعتمد صيغة الأبعاد الثلاثية والتشكيل الهندسي في الفراغ، أما حول أداء الممثل فقد تصدّر البيوميكانيك الذي ابتدعه فيسفولد ميرخولد أغلب ورش التدريب، ويعدُّ المخرج فاضل الجاف من العراق أبرز المهتمين بتكنيك هذا التدريب. وانطلاقا من اهتمام المستقبليين بجعل المسرح "مجالا للقاء جميع الفنون"، فإنّ محاولات تجليات ذلك التأثير نجدها في مسرح الصورة لدى صلاح القصب في العراق، وفاضل الجعايبي في تونس، أو صيغ مسرح ما بعد الدراما في تونس والمغرب.
إن الدعوة إلى نسف الأدب أحد مخاطرها هو القضاء على الوجه المشرق للنضال الإنساني وحبّ الحياة. لقد تمادت المستقبلية في نظرتها المشؤومة للحياة ونداءاتها إلى إعلاء أصوات القسوة والعنف وتدمير الماضي والمرجعيات، وكان في ارتباطها بالشيوعية أحد عناصر نضوبها وانتهاءها؛ لكن تأثيرها الثقافي في جانبها غير المتطرّف ظل موجودا على الرغم من مرور أكثر من مائة عام على إعلان البيان. ومن أجل الحفاظ على فعل الذاكرة وعدم خسارة القراء والجمهور في عموم العالم ليس في فرنسا وروسيا موطن نشأة المستقبلية، يذكر (حسين الحاج: البيان المستقبلي والبيان ما بعد المستقبلي...إلخ) حِرص الناشط الماركسي والسيناريست الإيطالي (فرانكو بيفو براردي1949م-) على نشر بيان معارض لبيان فِليبي تومازو طالبَ فيه "بتحويل الفن إلى قوة مغيّرة للحياة وإلغاء الفصل بين الشعر والإعلام..."
ولعّل أهم ما يمكن طرحه من سؤال الآن: هل المسرح في خطر؟ فإذا أحد أبواب الدخول إلى المسرح كان يجري عبر النص المكتوب، وهذا النصّ بالضرورة يعّد أحد مداخل قراءة الأدب، فهل نستطيع إعادة الاعتبار إلى المسرح عبر الأدب مرة ثانية دون سماع صفير رصاصة فِليبي تومازو المجنونة؟
يرى الباحث (حسين الأنصاري) أن المسرح الحديث اليوم في أمريكا وأوروبا يشهد تحولا من الحالة التقليدية التي كانت ترتبط بالحكاية والدراما التقليدية، إلى مستوى إثبات إمكانات المسرح الجديد وقدرته على إبهار الجمهور ومنافسة وسائل الاتصال الجديدة، متحولا إلى إنتاج الأعمال الضخمة (الميجا موزيكال) التي يوظف فيها مختلف الفنون الفرجوية من رقص وموسيقى وحركات تعبيرية وأداء وحوار بما يجعل الجمهور يستعيد ثقته بهذا الفن الذي تراجع في العقود الأخيرة أمام هيمنة برامج الصورة الإلكترونية الحديثة.
في الاتجاه ذاته، فإنّ إعادة الاعتبار إلى الأدب في المسرح يمكن أن يتحقق في عدم تحقير الروائع الكلاسيكية للمسرح العالمي. ففي المسرح الغربي أعلن (أنتونان أرطو 1896- 1948م) لقد انتهى زمن الروائع! ويشير بذلك إلى الميراث الإنجليزي والإغريقي! لكن مؤخرا نشاهد هناك إعادة اعتبار لتراث شكسبير وروائع مسرح سوفوكليس ويوربيدس مثلا في بعض مسارح أوروبا، ولكن بلسان العصر. كأنما يرغب صنّاع العرض في وضع تلك الآثار الإنسانية النوعية الخالدة على مختبر التكنولوجيا المعاصرة، وهل بمقدورها أن تصمد أمام الذائقة المتغيرة للإنسان المعاصر اليوم؟
وربما نسأل ذواتنا في ذات الاتجاه بعد مشاهدتنا لعرض مأساة "الملك لير" على خشبة المسرح القومي في القاهرة من بطولة الممثل يحيى الفخراني: كيف لهذا العمل مقدرته على الصمود كل هذا الزمن؟ وكيف له كأثر أدبي ينتمي إلى ثقافة عصر شكسبير في القرن السادس عشر وانضباطه لنظام مدينيِّ اجتماعي وثقافي مغاير يقدر أن يؤثر في المتفرج المعاصر ويمدّه بالسلام الداخلي؟
* آمنة الربيع أديبة وأكاديمية عمانية
أما ملامحها في المسرح وتأثيرها عليه فقد نادى البيان عند ظهوره- كما يذكر المعجم المسرحي لماري إلياس وحنان قصّاب- إلى "تطوير الكتابة المسرحية والأداء والسينوغرافيا والعلاقة مع الجمهور." وهي التمظهرات الحاصلة اليوم في الواقع المسرحي في أغلب بلاد العالم. ويمكن ملاحظة ذلك التطوير في الأفكار المستمرة التي تدعو إلى إلغاء الكلمة على المسرح، والتضحية بالسياق الاجتماعي والسياسي والثقافي والنفسي لحياة الشخصيات، مع إعلاء لغة الجسد والكوريغرافيا Choreography والتنويع في التشكيل البصري على المسرح، وفرادة التجريب واعتماده صيغة ثابتة من صيغ التنظير والتطوير في المسرح المعاصر.
وأيضًا من ملامح المستقبلية في المسرح الحديث ما نشاهده في لغة الإخراج لدى العديد من المخرجين المعاصرين. لقد ركز المستقبليون على "استخدام الإضاءة البيضاء والأقنعة، كما، تصدرت مدارس الديكور الحديثة المشهد، ففي السوق انتشرت مواقع لتدريب لغات الإخراج الجديدة المنبثقة من الجسد، كاليوغا وجلسات التأمل إما في الطبيعة أو في داخل الغرف، كما انتشرت مواقع مدرّبين قَدَموا ليس من مدارس الإخراج، بل من الغرف الخاصة القائمة على الرقص الحديث، وقد استعان المخرجون بهؤلاء إما لتدريب المجاميع أو للتدريبات الفردية، كذلك استفاد الإخراج من التطور العلمي لتصميم وتنفيذ الديكور المسرحي المعتمد صيغة الأبعاد الثلاثية والتشكيل الهندسي في الفراغ، أما حول أداء الممثل فقد تصدّر البيوميكانيك الذي ابتدعه فيسفولد ميرخولد أغلب ورش التدريب، ويعدُّ المخرج فاضل الجاف من العراق أبرز المهتمين بتكنيك هذا التدريب. وانطلاقا من اهتمام المستقبليين بجعل المسرح "مجالا للقاء جميع الفنون"، فإنّ محاولات تجليات ذلك التأثير نجدها في مسرح الصورة لدى صلاح القصب في العراق، وفاضل الجعايبي في تونس، أو صيغ مسرح ما بعد الدراما في تونس والمغرب.
إن الدعوة إلى نسف الأدب أحد مخاطرها هو القضاء على الوجه المشرق للنضال الإنساني وحبّ الحياة. لقد تمادت المستقبلية في نظرتها المشؤومة للحياة ونداءاتها إلى إعلاء أصوات القسوة والعنف وتدمير الماضي والمرجعيات، وكان في ارتباطها بالشيوعية أحد عناصر نضوبها وانتهاءها؛ لكن تأثيرها الثقافي في جانبها غير المتطرّف ظل موجودا على الرغم من مرور أكثر من مائة عام على إعلان البيان. ومن أجل الحفاظ على فعل الذاكرة وعدم خسارة القراء والجمهور في عموم العالم ليس في فرنسا وروسيا موطن نشأة المستقبلية، يذكر (حسين الحاج: البيان المستقبلي والبيان ما بعد المستقبلي...إلخ) حِرص الناشط الماركسي والسيناريست الإيطالي (فرانكو بيفو براردي1949م-) على نشر بيان معارض لبيان فِليبي تومازو طالبَ فيه "بتحويل الفن إلى قوة مغيّرة للحياة وإلغاء الفصل بين الشعر والإعلام..."
ولعّل أهم ما يمكن طرحه من سؤال الآن: هل المسرح في خطر؟ فإذا أحد أبواب الدخول إلى المسرح كان يجري عبر النص المكتوب، وهذا النصّ بالضرورة يعّد أحد مداخل قراءة الأدب، فهل نستطيع إعادة الاعتبار إلى المسرح عبر الأدب مرة ثانية دون سماع صفير رصاصة فِليبي تومازو المجنونة؟
يرى الباحث (حسين الأنصاري) أن المسرح الحديث اليوم في أمريكا وأوروبا يشهد تحولا من الحالة التقليدية التي كانت ترتبط بالحكاية والدراما التقليدية، إلى مستوى إثبات إمكانات المسرح الجديد وقدرته على إبهار الجمهور ومنافسة وسائل الاتصال الجديدة، متحولا إلى إنتاج الأعمال الضخمة (الميجا موزيكال) التي يوظف فيها مختلف الفنون الفرجوية من رقص وموسيقى وحركات تعبيرية وأداء وحوار بما يجعل الجمهور يستعيد ثقته بهذا الفن الذي تراجع في العقود الأخيرة أمام هيمنة برامج الصورة الإلكترونية الحديثة.
في الاتجاه ذاته، فإنّ إعادة الاعتبار إلى الأدب في المسرح يمكن أن يتحقق في عدم تحقير الروائع الكلاسيكية للمسرح العالمي. ففي المسرح الغربي أعلن (أنتونان أرطو 1896- 1948م) لقد انتهى زمن الروائع! ويشير بذلك إلى الميراث الإنجليزي والإغريقي! لكن مؤخرا نشاهد هناك إعادة اعتبار لتراث شكسبير وروائع مسرح سوفوكليس ويوربيدس مثلا في بعض مسارح أوروبا، ولكن بلسان العصر. كأنما يرغب صنّاع العرض في وضع تلك الآثار الإنسانية النوعية الخالدة على مختبر التكنولوجيا المعاصرة، وهل بمقدورها أن تصمد أمام الذائقة المتغيرة للإنسان المعاصر اليوم؟
وربما نسأل ذواتنا في ذات الاتجاه بعد مشاهدتنا لعرض مأساة "الملك لير" على خشبة المسرح القومي في القاهرة من بطولة الممثل يحيى الفخراني: كيف لهذا العمل مقدرته على الصمود كل هذا الزمن؟ وكيف له كأثر أدبي ينتمي إلى ثقافة عصر شكسبير في القرن السادس عشر وانضباطه لنظام مدينيِّ اجتماعي وثقافي مغاير يقدر أن يؤثر في المتفرج المعاصر ويمدّه بالسلام الداخلي؟
* آمنة الربيع أديبة وأكاديمية عمانية