ترجمة قاسم مكي -

عندما شن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين غزوه الشامل لأوكرانيا يوم الخميس، أنهى عمليا حقبة ما بعد الحرب الباردة، ويجب إنشاء نظام جديد للعلاقات الدولية. وسيعتمد شكل هذا النظام على نجاح أو فشل حملة بوتين «الوحشية».

أيقظ هجوم بوتين عفاريت الحرب التي كانت قد أقلقت بال أوروبا على مدى قرن، لقد صدم العالم وهو يشاهد قوة هجومية ضخمة تهاجم أوكرانيا من ثلاث اتجاهات بالصواريخ والقنابل والدبابات وأدوات الحرب الإلكترونية. أدانت عشرات البلدان الغزو. لكن الحقيقة المرَّة هي أن أوكرانيا تحارب بوتين بمفردها.

هذا الصراع ليس مشية نائم «ذهابا بلا تفكير» إلى الحرب، كما وصف المؤخرون السير الأعمى إلى الحرب العالمية الأولى في عام 1914. إنه أقرب إلى ذلك الهجوم الذي شنه زعيم ألماني تسيطر عليه مشاعر المرارة والانتقام على الجارة شيكوسلوفاكيا في عام 1939. بوتين ليس هتلر «حتى الآن» لكنه يشاطره هوسا شبيها بتصفية الحسابات عن طريق القوة العسكرية.

استعداد بوتين للتصعيد وصولا إلى الحرب كان واضحا باطراد لإدارة بايدن منذ زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ويليام بيرنز إلى موسكو في أوائل نوفمبر. سافر بيرنز إلى هناك لتحذير بوتين أن استخبارات الولايات المتحدة توصلت إلى وجود تخطيط جاد للحرب وراء حشد القوات الروسية على طول الحدود الأوكرانية.

أبلغ بيرنز زملاءه أن بوتين -الذي يحسب حساباته بعقلانية في العادة- بدا مستعدا للذهاب إلى الحرب، وبدا أن ذلك يعود جزئيا إلى إحساس بوتين بمصيره الشخصي مع اقترابه من بلوغ السبعين، كما يعود في جزء منه إلى تقديره أن اللحظة باتت مواتية «لغزو أوكرانيا» لأن الولايات المتحدة وحلفاءها في حالة ارتباك فيما روسيا قوية نسبيا.

لكن أساس ذلك قلقُ بوتين المتطاول من تحدي أوكرانيا التي اعتبر أنها تمضي حثيثا ودون هواده نحو الغرب على الرغم من تحذيرات الكرملين وخلافا لاتجاه التاريخ الروسي نفسه.

كان بوتين قد عبر عن انشغاله بأوكرانيا لبيرنز في عام 2008 عندما كان هذا الأخير سفير الولايات المتحدة لدى موسكو. قراءة تفاصيل تلك المحادثة التي وردت في مذكرات بيرنز عام 2019 تثير الخوف الآن مع سقوط الصواريخ على كييف.

عاتب بوتين بيرنز بقوله «ألا تعلم حكومتك أن أوكرانيا غير مستقرة وغير ناضجة سياسيا وأن (انضمامها إلى الناتو) مثار انقسام بالغ هناك؟ ألا تعلم أن أوكرانيا ليست حتى بلدا حقيقيا؟ بعضها أوروبيا شرقيا حقا وجزء منها روسيَّا حقا».

كرر بوتين تلك الكلمات، بالضبط تقريبا، هذا الأسبوع عند إعلانه الحرب، أوكرانيا هي عصبه الحساس، ومن الواضح اعتقاده أن روسيا لا يمكنها أن تكون قوة عظمى ما لم تسيطر على أوكرانيا.

حاولت إدارة بايدن ردع بوتين بتحذيره من عقوبات قاسية فرضتها يوم الخميس بعد فترة قصيرة من بداية الغزو، وتبنى البيت الأبيض أيضا تكتيكا جديدا تمثل في كشف الخطة العسكرية الروسية وتدابير «الهجوم تحت عَلَم زائف» بقصد إثارة الحرب، بل وحتى خطط اغتيالات.

يعتقد المسؤولون أن الهجمات الإعلامية أحبطت بعض خطط بوتين، كما نسفت أيضا السردية التي كان بوتين يأمل في إيجادها، لقد ملكت الولايات المتحدة هذه المرة المبادرة في الحروب الإعلامية التي يحذقها الزعيم الروسي.

وفيما كان بوتين يتجه نحو الحرب الشاملة اقتصر ناصحوه على حلقة صغيرة من المستشارين بقيادة ثلاثة من المتشددين هم وزير الدفاع سيرغي شويغو، ومدير جهاز الأمن الفدرالي آليكساندر بورتنيكوف، وأمين مجلس الأمن الروسي نيكولاي باتروشيف.

ويعتقد المسؤولون الأمريكيون وجود شكوك في (نجاعة) خطط الحرب ضد أوكرانيا لدى البعض في المراتب الدنيا بالمؤسسة العسكرية وبيروقراطية الكرملين (جهازه الإداري). لكن من الواضح أن تلك الشكوك لم تأخذ سبيلها إلى بوتين نفسه.

والآن مع دخول القوات الروسية أوكرانيا كيف يخطط بوتين لتخليص نفسه؟ الراجح أنه يأمل في إبقاء القوات البرية الروسية خارج كييف والمدن الكبيرة الأخرى واستخدام قوات «سبيتسناز» الخاصة وعملاء جهاز الأمن الفدرالي لتحييد هذه الأهداف، وهو ربما سيسعى إلى تنصيب حكومة دمية (يحركها كيف شاء)، لكن هنا تنهار خطة بوتين، حسبما يعتقد المسؤولون الأمريكيون.

ما يبدو أن بوتين لا يدركه مع نظرته إلى روسيا وأوكرانيا باعتبارهما بلدا واحدا (لا انفصام له) أن «تَنَمُّرَه» نفَّرَ عنه الأوكرانيين بشدة، رأيت ذلك في المشاعر المعادية لبوتين عندما زرت كييف في أواخر يناير. ولا شك أن هذه المشاعر أقوى الآن مع وجود دبابات روسيا في الشوارع وطائراتها في الأجواء الأوكرانية.

من الواضح أن بوتين صدَّق مزاعمه أن أوكرانيا ليست بلدا حقيقيا، هذا المستوى من الاستغراق في الذات كثيرا ما يقود إلى الأخطاء.

لقد نسف بوتين بغزوه غير المبرر القواعد القانونية الدولية لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى جانب النظام الأوروبي الذي أعقب الحرب الباردة، ذلك النظام القديم بدأ يهتز، وصار من اللازم استبداله في نهاية المطاف.

هذا الهجوم على أوكرانيا، الذي وضع «مستبدا روسيَّا مندفعا» ضد رغبات كل بلد كبير آخر ربما بما في ذلك الصين، سيقرر شكل النظام الجديد القادم.

إذا خسر بوتين معركة إخضاع أوكرانيا سيكون للنظام الجديد أساس صلب وواعد، وإذا انتصر ستكون الحقبة الجديدة خطرة حقا.

ديفيد إجنيشس صحفي وروائي يكتب مرتين في الأسبوع عن الشؤون الخارجية بصحيفة واشنطن بوست