لم يكن قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مساء الاثنين الاعتراف باستقلال المنطقتين الانفصاليتين المواليتين لروسيا في شرق أوكرانيا هو الخبر الأكثر صدمة للغرب برغم ما يحمله من رمزية على تحول الأزمة من سياقها الدبلوماسي إلى السياق العسكري، فقد كان هذا الأمر متوقعا من قبل الغرب منذ أن بدأت الأزمة الأوكرانية، بل كان السيناريو الأقرب إلى التصديق من بين سيناريوهات التدخل الروسي التي طُرحت خلال هذه الأزمة، ولكنّ بوتين أوصل الغرب إلى ذروة الصدمة بما جاء في خطابه الطويل مساء الاثنين وذلك حينما جعل من «التاريخ»، تاريخ علاقة روسيا بأوكرانيا النقطة التي ينطلق منها في مطالبه وحقوقه في أوكرانيا. وكان ذروة ذلك عندما قال بشكل واضح جدا إن «أوكرانيا جزء لا يتجزأ من تاريخ روسيا» وكذلك جزء «من النسيج الاجتماعي الروسي» نظرا للارتباطات الاجتماعية والأسرية بين سكان روسيا وسكان أوكرانيا.

ورغم الإيمان بحق الشعوب في تقرير مصيرها إلا أن التاريخ يبقى أحد المحركات الرئيسية للطموحات السياسية سواء كان ذلك في القرن الماضي أو في القرن الحالي.. صحيح أن بوتين عاد أمس وقال بشكل واضح وكأنه يستدرك ما يمكن أن يكون قد فهم من خطابه مساء الاثنين: «لا أسعى إلى استعادة الإمبراطورية الروسية»!! لكن ماذا يمكن أن يعني كل ما يحدث إلا أنه محاولة لاستعادة لتلك الإمبراطورية؟ كان بوتين يجتمع أمس بالرئيس الأذربيجاني إلهام علييف في الكرملين عندما شدد في حديثه لعلييف: «توقعنا أن تكون هناك تكهنات بأن روسيا تعتزم إعادة بناء إمبراطورية.. هذا لا يتوافق إطلاقا مع الواقع».

يبقى هذا حديث دبلوماسي خاصة عندما يكون أمام رئيس مثل الرئيس الأذربيجاني التي كانت بلاده جزءا «أيضا» لا يتجزأ من الاتحاد السوفييتي حتى انهياره.

المرحلة القادمة مرحلة صعبة ليس بالنسبة لأوروبا الشرقية وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة فقط وإنما للعالم أجمع حيث تعود فكرة القوميات في الظهور مرة أخرى في لحظة يتشكل فيها النظام العالمي من جديد ولكن هذه المرة بعيدا عن فكرة القطب الواحد. فالغرب متمثلا في أوروبا أو في أمريكا ليسوا على استعداد للدخول في حرب «قد تكون حربا عالمية ثالثة» تكون روسيا أحد أطرافها، والرهان الآن على جدوى العقوبات الاقتصادية التي يفرضها الغرب على روسيا في هذا التوقيت بالذات لأن انعكاسها سيكون سلبيا على أوروبا وعلى أمريكا بشكل كبير جدا حيث وصل اقترب برميل النفط أمس من مستوى 100 دولار حتى قبل أن تعلن ألمانيا تعليق خط الغاز الروسي المار فوق أراضيها.

وفي المقابل فإن فكرة أن تكون دولة إمبراطورية ودولة قطبية في العالم فإن ذلك يترتب عليه الكثير من الالتزامات العسكرية والاقتصادية والمالية فهل ستستطيعها روسيا فيما لو أصر الغرب على العقوبات؟

الأيام القادمة ستكون مليئة بالأحداث وهي أرضية للكثير من التغيرات الجوهرية التي تنتظر العالم في لحظة تاريخية مهمة.