في بدايات العقد الماضي ومع تسارع انتشار استخدام منصات التواصل من جهة بسبب التطور التقني وسهولة الحصول على الأجهزة الذكية، وتطور ممارسات التواصل والإعلام والقطاعات المرتبطة بها من جهة أخرى، بدأت مجموعات من الشباب العمانيين باستكشاف مساحات تتيح لهم تنفيذ أعمال مرتبطة بالتواصل والإعلام تلبي بعضا من الاحتياجات في السوق بما يضمن تجسيد إبداعات أولئك الشباب ويحقق عائدات مالية تغطي التكاليف على الأقل. وقد شهدت الطاولات في بعض المقاهي آنذاك ساعات طويلة من النقاش والتخطيط والعمل شكلت أنوية لما سيصبح لاحقا شركات محلية صاعدة في المجالات المرتبطة بالتواصل والإعلام مثل صناعة المحتوى والهوية المؤسسية والإعلان والتصوير وإنتاج الفيديو والكتابة وتخطيط التواصل وغيرها.

أما في الوقت الحالي فلا يمر يوم دون أن يتعرّض الجمهور محليا لنتاج أعمال إحدى تلك الشركات من مقاطع فيديو أو صور فوتوغرافية أو محتوى نصي أو حملة إعلانية أو تصميما جرافيكيا أو هوية بصرية أو بيانا صحفيا أو غيرها. ولكن مع التمعن في طبيعة عمل مجموعة الشركات تلك فإن الغالبية العظمى منها قد تأسس على أيدي شباب عمانيين، وتعتمد بشكل كبير على توظيف الشباب العمانيين كذلك، ما يدل على أن هنالك إمكانات واعدة في هذا القطاع من مناحي مختلفة قد يكون أبرزها أن هذا القطاع يمكن أن يكون أحد مجالات التركيز من منظور تشجيع ريادة الأعمال وتنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وأحد القطاعات التي يمكن أن تسهم في جهود تشغيل العمانيين. ولعل نظرة سريعة على بعض الشركات المحلية الصاعدة في هذا المجال تعطي صورة واضحة عن الأثر الملموس لوجود مثل تلك الشركات؛ حيث أنها في الغالب تدار من قبل مؤسسيها الذين يتفرغون للعمل فيها بدوام كامل، إضافة إلى أن جزءا كبيرا من تلك الشركات يستوعب في المتوسط عشرة إلى خمسة عشر موظفا في مجالات مختلفة غالبيتهم العظمى من العمانيين. كما يمكن تقدير الإيرادات التي تحققها تلك الشركات سنويا لتتراوح بين ستة أرقام وسبعة أرقام (مئات الآلاف أو الملايين من الريالات) وذلك بالنظر إلى أعداد وأحجام المشروعات التي تسند إلى تلك الشركات في سوق صغير يعرف فيه الجميع الجميع. أما على المدى البعيد فيمكن النظر إلى هذا القطاع على أنه قطاع اقتصادي واعد يسهم في الناتج المحلي الإجمالي ويكون أحد القطاعات الممكنة لقطاعات اقتصادية حيوية أخرى؛ خصوصا مع تنامي الحاجة إلى خطط ودراسات وممارسات وأنشطة وخدمات التواصل والإعلام لدى الشركات والمؤسسات التي تعمل ضمن قطاعات آخذة هي الأخرى في النمو.

إذن كيف يمكن أن تسرّع المؤسسات المعنية من نمو هذا القطاع لكي يؤدي دورا أكبر في الاقتصاد؟ أحيانا يمكن أن تثير بعض المشاوير الراجلة في مدينة بريطانية متوسطة مثل ليستر فضول العابر بجانب مبنى قديم قرب مركز المدينة يحمل لوحة بلون برتقالي فوسفوري تحمل اسم LCB Depot. كان ذلك المبنى حتى ستينيات القرن الماضي محطة لحافلات مدينة ليستر، قامت بلدية المدينة بتحويله إلى مركز أعمال للشركات الإبداعية في العام 2004، وهو يحوي حاليا أكثر من مائة شركة صغيرة أو متناهية الصغر أو من شركات الشخص الواحد في مجالات التصميم الجرافيكي والتصوير الفوتوغرافي وتصميم وتطوير المواقع الإلكترونية والتطبيقات الذكية والإنتاج السينمائي وإدارة المواهب والإنتاج السمعي والتقنيات ثلاثية الأبعاد والقنوات التلفزيونية ووكالات الإعلان والهوية المؤسسية والحملات التسويقية وغيرها. إن هذا المركز رغم حجمه الصغير بالنسبة لدولة مثل المملكة المتحدة، إلا أن ما ينبغي معرفته هنا هو أنه يعتبر جزءا من قطاع اقتصادي ضخم بمسمى قطاع الصناعات الإبداعية الذي يبلغ حجمه حوالي 120 مليار جنيه إسترليني إلى جانب التقارير التي تشير إلى أن الإنفاق الإعلاني في المملكة المتحدة يبلغ أكثر من عشرين مليار جنيه إسترليني، ما يبين الإمكانات التي يمكن أن يحققها الاهتمام بتطوير هذا القطاع وتنمية مؤسساته.

وباعتبار نموذج مركز الشركات الإبداعية في مدينة ليستر البريطانية، فإنه يمكن البناء على ذلك المفهوم محليا خصوصا وأن ذلك ينسجم مع توجهات عديدة أبرزها انتشار مراكز الأعمال ومساحات العمل المشتركة وثقافة ريادة الأعمال والعمل المتنقل والحر وعن بعد، إضافة إلى الحاجة المتزايدة في مجتمع الأعمال والمؤسسات إلى خدمات مرتبطة بقطاع التواصل والإعلام ضمن عملياتها اليومية وكذلك النمو الملحوظ في قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تحتاج هي الأخرى تلك الخدمات. كما أن التوجه الواضح نحو اللامركزية وتنمية المحافظات وتمكين المحافظين بصلاحيات من أجل تحقيق ذلك يتيح الفرصة للتنافس بين المحافظات من أجل موضعة نفسها كمراكز للإبداع عبر دعم المشروعات المرتبطة بالقطاع وإنشاء مراكز الأعمال والحاضنات وإقامة المؤتمرات والمعارض والفعاليات المرتبطة. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى توجه هيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لتأسيس حاضنة للصناعات الإبداعية والتي أعلنت عن مناقصة إدارتها وتشغيلها مؤخرا.

أما فيما يتعلق بالمؤسسات العاملة في قطاع الإعلام والتي تأثرت عملياتها بشكل ملحوظ بتأثيرات الأوضاع المالية والاقتصادية سواء تلك المرتبطة بتذبذب أسعار النفط أو انتشار جائحة كورونا أدى إلى تقلص إيراداتها وعدم استقرار العاملين فيها، فإن الأمر يدعو إلى مراجعة نماذج أعمال تلك المؤسسات باعتبارها كيانات تجارية تسعى إلى الاستدامة المالية، وكذلك مواكبة التوجهات الحديثة في الإعلام من أجل تنويع مصادر إيراداتها وبالتالي تضمن استمراريتها كشركات وكمكون أساسي لقطاع الإعلام محليا.

إن ما يؤمل اتباعه من قبل الشباب المقبلين على خوض غمار ريادة الأعمال في قطاع التواصل والإعلام التنويع في المجالات التي يؤسسون شركاتهم فيها، والسعي لبناء نماذج تشغيلية لتلك الشركات تضمن استيعاب المواهب التي تزخر بها فئة الشباب، وتعزيز التخصصية في الأعمال بشكل أكبر. ورغم مستويات المخاطرة المرتفعة التي قد تصاحب تأسيس مشروعات تجارية ذات تخصصية عالية، إلا أن ذلك في المقابل ينبئ بمستقبل أفضل لهذا القطاع وذلك عبر ظهور شركات صاعدة متخصصة في مجالات مثل إنتاج الفيديوهات الرسومية والإعلان الرقمي وتطوير المحتوى النصي وإدارة الفاعلين عبر منصات التواصل الاجتماعي.

• بدر بن عبدالله الهنائي مهتم بالاتصالات الاستراتيجية والهوية المؤسسية