أكتب هذه الإضمامة بمناسبة اقتراب معرض مسقط الدولي للكتاب، بعد أن غابت عنا أيامه العام الماضي، بسبب ظروف جائحة كورونا، فكم نحن مشتاقون لأيام المعرض التي تقرُّبنا من نفائس الكتب، وتدنينا أكثر من إبداعات الكُتَّاب والأدباء والشعراء والمفكرين والعلماء والمترجمين، وممن اشتغل بالتأليف، وأنفق الساعات في سبيل صناعة كتاب.
وفيها سأتناول مشواري مع صنع مكتبتي المنزلية، التي ابتدأت بكتاب اشتراه لي والدي عام 1980م، من بائع كتب يفترش ظل شجرة سِدْر في سوق نزوى، وكان كتاب «مولد شرف الأنام» للبرزنجي، أول مشترياتي، وهو كتاب ينتشر كثيرًا بين الناس، حينها كنت في الثانية عشرة من عمري، ولا أعرف شيئًا عن الكتب، إلا ما نحمله في حقائبنا كل يوم إلى المدرسة، ففي إحدى ساحات سوق نزوى، وأمام ما يعرف بالسُّوق الشرقي، كان أحد الآباء يفرش بساطًا ويصفُّ فيه ما يتوفر لديه من كتب، وفي إحدى الزيارات للسوق اقتربت منها، وأخذت أقلب بعضها، ورأى البائع شغفي بما أقلب، فأوعز لأبي أن يشتري لي كتاب «المولد»، وأخذته في اللحظة التي رأيته يدفع له المبلغ، ومن جديد أوعز له أن يشتري لي معه كتاب «الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب» بريالين، فدفع أبي المبلغ وظفرت بالكتابين.
وفي البيت أخذت أقرأ كتاب المولد، وكانت قصيدة «البُرْدَة» للبوصِيري بمطلعها الذي يلهب اللب أحد محتوياته: (أمِنْ تذكُّرِ جيرانٍ بذِي سَلَمِ.. مزجت دمعاً جرى من مقلة بدم)، لعله يذكِّرني بجيران في قريتي وما حولها من منازل، حين تهبُّ الريح عليلةً من تلقاء الضَّواحي الخضراء.
وبدوام قراءة كتاب المولد، بما يحويه من قصائد ونصوص في المديح النبوي، استوقفتني هذه الجملة التي ترددت بين المقاطع: (عَطِّرِ اللهم قبرَه الكريم.. بعَرْفٍ شَذِيٍ مِن صَلاةٍ وتسْليم)، وكأنها وردة يتسلل شذاها العاطِر إلى روحي.
وفي سنوات من عمري، وقع في يدي كتاب «مجموع القصائد»، وهو ديوان صغير يضم قصائد متنوعة لكبار شعراء المديح النبوي، كالتلمساني وابن الفارض، فأعجبتني منه قصائد كثيرة، رحت أقرأها بشغف، وأحفظ مطالع بعضها، وكانت ترتسم في مخيلتي الغضة، كقصيدة: (يا حادي الأظعان هذا يثربُ)، و(متى يا عُرَيْبَ الحَيِّ عيني تراكمُوا)، و(ليس الغريبُ غريبَ الشامِ واليمنِ)، و(مِنَ السَّعادَةِ أنْ لا تبعُدَ الدارُ)، وغيرها من القصائد.
وبعد فترة شغفت بقراءة كتاب «جواهر الأدب» للسيد أحمد الهاشمي، وهو كتاب مشهور، يكاد لا تخلو منه مكتبة، يجمع نصوصًا من عيون النثر والشعر العربي، بدءًا من الشعر الجاهلي بمعلقاته الشهيرة، وحتى العصر الحديث الذي عاش فيه المؤلف، ولعلَّ باب التشبيهات الشعرية أكثر ما أعجبت به في الكتاب، إلى جانب عيون القصائد التي قرأتها لأول مرة، ودخلت في وجداني الثقافي، وصار الكتاب أحد كتبي المفضلة، وما زلت أقرأه بين الحين والآخر، كقنديل ينير سنوات العمر.
وبعد فترة تعلقت بشراء الكتب الصادرة من «وزارة التراث القومي والثقافة» أنذاك، عبر مكتبتها المتحركة، وكانت حافلة تحمل الكتب إلى الأسْواق، كانت هذه الحافلة معرضًا متحركًا للكتاب، ولكنه خاص بمطبوعات الوزارة، تعْرِض للناس بيع الكتب المطبوعة حديثا، بعد أن كانت مخطوطات، يتوارثها أصحابها من جيل إلى آخر، حتى قيَّضَ الله لها من قدَّمها للنشر، وراجعها وحقق منها ما أمكن، حتى خرجت بفضل الله كتبًا ومطبوعات حديثة، أضفت لمسة ثقافية عمانية رائعة، في وقت لم تنتشر فيه المكتبات، ولا معارض الكتب، ولا النشر الورقي من قبل الباحثين والكتاب والأدباء.
كانت هذه الحافلة بمثابة حُلم راود مُخيلتي العاشقة للكتب، وصرت أنتظر مجيئها بعد أن سمعت عنها، وترددت على السوق من أجل لقائها ولو بالمصادفة، فبالنسبة لي أعدُّها فرصة لشراء الكتب، لذلك كان لا بد من ملاقاة تلك الحافلة، وكنت أنتظر مجيئها إلى السوق، حتى تحققت في أحد الأيام، وكانت الحافلة مشحونة بكتب فقهية وأدبية وشعرية كثيرة، فاشتريت منها مجموعة من المؤلفات والدواوين، من بينها ديوان الشاعر محمد بن عبدالله المعولي، علمت بعد ذلك أنه عاش في منح قبل ثلاثة قرون، واشتريت كتبًا أخرى، من بينها كتاب «الدعائم» لأحمد بن النظر، وشرحه في جزءين لابن وَصَّاف النَّزَوي، وديوان الستالي، الشاعر الشهير الذي يشابه المتنبي في لغته الشعرية الأخَّاذة، فـ(مَالنا كُلنا جَوٍ يا رَسُولَ) المُتنبي، أكُلُّ هذا لأنهُنَّ: (قَصَرْنَ الخُطى وهَزَزْنَ الغُصُونا) أمامَ السُّتالي؟!
ولا تزال تلك الكتب المصفوفة داخل الحافلة عالقة في ذاكرتي، ولعل هذه الصورة كانت سببًا في شغفي بتكوين مكتبة شخصية لي، أجمع فيها أطايب الكتب التي أحبها، وكنت أحلم بكتب أخرى، وَعَدْتُ نفسي أن اشتريها في مرات قادمة، كنت أصفها في غرفة نومي، وبجانب منامي، وأتخيل زيادتها يومًا بعد يوم، فتصبح أكثر، وتشغل مساحة أكبر مما هي عليه الآن، وكانت فرحتي كبيرة، حينما قدم إلى زيارتي بتواضع جم، الشيخ الأديب موسى بن سالم الرواحي، أمد الله في عمره، فأهداني مجموعة من الكتب، من بينها كتاب «نثار الجوهر» بخط يد مؤلفه أبي مسلم البهلاني (رحمه الله)، ولا يزال الكتاب ضمن ما أحتفظ به من ذخائر تلك الأيام.
وخلال الأربعين عامًا الماضية انضمَّت إلى مكتبتي مئات الكتب، شراءً وإهداءً، وبمرور السنوات تشكلتْ مكتبتي، وهي من بين أشيائي العزيزة عليَّ، ولكن لماذا أتحدث عن كتبي الأولى؟، وكأني أحفِّز القارئ أن يصنع مكتبته الخاصة به، يقضي بين أفانينها ساعات من النهار والليل، فالكتب كما سمعت أحد كبار السن يشبهها بالمقاصير، و«المقصورة» ضاحية فيها ألوان من النخيل والمزروعات، وكل يوم يتجول مالكها في ناحية منها، وهو تشبيه يصل بابن دريد الذي شبَّه الكتب بمتنزهات القلوب، وذكر لتلاميذه منها: «عيون الأخبار» لابن قتيبة، و«الزهرة» لابن داود، و«قلق المشتاق» لابن أبي طاهر.
هناك كتب كثيرة أثيرة على القلب، تحمل إمضاءات وتواقيع من مؤلفيها، مغلَّفة بعبارات تفيضُ صَداقة وحُبًا للشخص المُهدى إليه، وفي مكتبتي منها الكثير، وأعتز بكل كتاب يصلني وعليه توقيع مؤلفه، وأراه لزامًا أن أقرأ ما يصلني، فقرأت منها الكثير، وبقي لديَّ مما لم أقرأ الكثير أيضاً، وتلك الإهداءات توثق لحظات جميلة من اللقاءات التي جمعتني بالكُتَّاب، ونصوصًا أدبية رائعة، نثرت بعضها في إضمامة سابقة قبل أسبوعين.
وكتب أخرى اشتريتها من المكتبات، وبعضُها يذكرني برحلة إلى بلد ما، فعدت منه محمَّلًا بمجموعة من الكتب، وما زلت أذكر أني عدت من القاهرة بحقيبة كتب، كنت قد اشتريتها من المكتبات، كما اشتريت من عواصم أخرى، سنحت لي فرصة زيارتها.
وخلال السنوات الأخيرة من عِقد التسعينيات، انضمَّت إلى مكتبتي مجموعة من الكتب الدينية، في الفقه وأصول الفقه، والتفسير وعلوم القرآن، حين كنت أدرس الشريعة في «معهد العلوم الشرعية» بمسقط، ثم انشغلتُ باهتمامات ثقافية أخرى، وقراءات متنوعة.
وبلا شك فإنَّ لدى القارئ الكريم اهتمامات مماثلة، وحكايات مستفيضة عن تكوين مكتبته الشخصية، ولو عاد إلى مكتبته، لوجد فيها نفائس المطبوعات وذخائر المؤلفات، ولربما اكتشف فقدان كتب ضاعت منه، أو استعارها أصدقاؤه، لكنها في الغالب لا تعود، وحينما نتصفح ما تبقى منها، فإننا نشمُّ منها عبقًا من الذكريات، وما أجمل الذكريات التي تنبعث من بين صفحات الكتب.
لقد أصبح من الضروري لكل أسرة تكوين مكتبة منزلية، تجمع بين الكتب الخاصة بالطفل، والكتب الأخرى ذات الطبيعة النسائية، وبين الكتب العلمية والأدبية، لتشكل نسيجًا رائعًا تتنوَّع فيه ألوان من المعارف، مكتبة لغذاء العقول، وللزاد المعرفي، تقرأ فيها الأسرة وتطلع على ثمار القرائح ولباب العقول، لتعتاد على عناق هذا الكائنات الورقية الرَّقيقة، ووفاءً لأرواح المُؤلفين، الذين أفنوا أعمارهم في الكتابة والتأليف.
ولأن معرض مسقط الدولي للكتاب يطرق الأبواب، فهي فرصة سانحة لاغتنام أيامه، بما تطيب قراءته، وتنشرح له النفس، فالكتب أرواح تعرف عشاقها، ولكل كتاب قارئ، ومن المهم أن نعتاد على صحبة الكتب والمكتبات، وأنعم بها من صُحبة، وأحْبِبْ بأيامها، كما قال أحمد شوقي في إحدى إبداعاته الشعرية: (ألا حَبَّذا صُحْبَة المَكتَبِ.. وَأحْبِبْ بأيَّامِهِ أحْبِبِ)، وإن كان الشاعر يعبِّر بحنين شعري أخاذ، إلى أيامه في الكتاتيب حين كان صغيرًا، إلا أن أمواج المعنى تلامس سواحل أخرى.
وفيها سأتناول مشواري مع صنع مكتبتي المنزلية، التي ابتدأت بكتاب اشتراه لي والدي عام 1980م، من بائع كتب يفترش ظل شجرة سِدْر في سوق نزوى، وكان كتاب «مولد شرف الأنام» للبرزنجي، أول مشترياتي، وهو كتاب ينتشر كثيرًا بين الناس، حينها كنت في الثانية عشرة من عمري، ولا أعرف شيئًا عن الكتب، إلا ما نحمله في حقائبنا كل يوم إلى المدرسة، ففي إحدى ساحات سوق نزوى، وأمام ما يعرف بالسُّوق الشرقي، كان أحد الآباء يفرش بساطًا ويصفُّ فيه ما يتوفر لديه من كتب، وفي إحدى الزيارات للسوق اقتربت منها، وأخذت أقلب بعضها، ورأى البائع شغفي بما أقلب، فأوعز لأبي أن يشتري لي كتاب «المولد»، وأخذته في اللحظة التي رأيته يدفع له المبلغ، ومن جديد أوعز له أن يشتري لي معه كتاب «الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب» بريالين، فدفع أبي المبلغ وظفرت بالكتابين.
وفي البيت أخذت أقرأ كتاب المولد، وكانت قصيدة «البُرْدَة» للبوصِيري بمطلعها الذي يلهب اللب أحد محتوياته: (أمِنْ تذكُّرِ جيرانٍ بذِي سَلَمِ.. مزجت دمعاً جرى من مقلة بدم)، لعله يذكِّرني بجيران في قريتي وما حولها من منازل، حين تهبُّ الريح عليلةً من تلقاء الضَّواحي الخضراء.
وبدوام قراءة كتاب المولد، بما يحويه من قصائد ونصوص في المديح النبوي، استوقفتني هذه الجملة التي ترددت بين المقاطع: (عَطِّرِ اللهم قبرَه الكريم.. بعَرْفٍ شَذِيٍ مِن صَلاةٍ وتسْليم)، وكأنها وردة يتسلل شذاها العاطِر إلى روحي.
وفي سنوات من عمري، وقع في يدي كتاب «مجموع القصائد»، وهو ديوان صغير يضم قصائد متنوعة لكبار شعراء المديح النبوي، كالتلمساني وابن الفارض، فأعجبتني منه قصائد كثيرة، رحت أقرأها بشغف، وأحفظ مطالع بعضها، وكانت ترتسم في مخيلتي الغضة، كقصيدة: (يا حادي الأظعان هذا يثربُ)، و(متى يا عُرَيْبَ الحَيِّ عيني تراكمُوا)، و(ليس الغريبُ غريبَ الشامِ واليمنِ)، و(مِنَ السَّعادَةِ أنْ لا تبعُدَ الدارُ)، وغيرها من القصائد.
وبعد فترة شغفت بقراءة كتاب «جواهر الأدب» للسيد أحمد الهاشمي، وهو كتاب مشهور، يكاد لا تخلو منه مكتبة، يجمع نصوصًا من عيون النثر والشعر العربي، بدءًا من الشعر الجاهلي بمعلقاته الشهيرة، وحتى العصر الحديث الذي عاش فيه المؤلف، ولعلَّ باب التشبيهات الشعرية أكثر ما أعجبت به في الكتاب، إلى جانب عيون القصائد التي قرأتها لأول مرة، ودخلت في وجداني الثقافي، وصار الكتاب أحد كتبي المفضلة، وما زلت أقرأه بين الحين والآخر، كقنديل ينير سنوات العمر.
وبعد فترة تعلقت بشراء الكتب الصادرة من «وزارة التراث القومي والثقافة» أنذاك، عبر مكتبتها المتحركة، وكانت حافلة تحمل الكتب إلى الأسْواق، كانت هذه الحافلة معرضًا متحركًا للكتاب، ولكنه خاص بمطبوعات الوزارة، تعْرِض للناس بيع الكتب المطبوعة حديثا، بعد أن كانت مخطوطات، يتوارثها أصحابها من جيل إلى آخر، حتى قيَّضَ الله لها من قدَّمها للنشر، وراجعها وحقق منها ما أمكن، حتى خرجت بفضل الله كتبًا ومطبوعات حديثة، أضفت لمسة ثقافية عمانية رائعة، في وقت لم تنتشر فيه المكتبات، ولا معارض الكتب، ولا النشر الورقي من قبل الباحثين والكتاب والأدباء.
كانت هذه الحافلة بمثابة حُلم راود مُخيلتي العاشقة للكتب، وصرت أنتظر مجيئها بعد أن سمعت عنها، وترددت على السوق من أجل لقائها ولو بالمصادفة، فبالنسبة لي أعدُّها فرصة لشراء الكتب، لذلك كان لا بد من ملاقاة تلك الحافلة، وكنت أنتظر مجيئها إلى السوق، حتى تحققت في أحد الأيام، وكانت الحافلة مشحونة بكتب فقهية وأدبية وشعرية كثيرة، فاشتريت منها مجموعة من المؤلفات والدواوين، من بينها ديوان الشاعر محمد بن عبدالله المعولي، علمت بعد ذلك أنه عاش في منح قبل ثلاثة قرون، واشتريت كتبًا أخرى، من بينها كتاب «الدعائم» لأحمد بن النظر، وشرحه في جزءين لابن وَصَّاف النَّزَوي، وديوان الستالي، الشاعر الشهير الذي يشابه المتنبي في لغته الشعرية الأخَّاذة، فـ(مَالنا كُلنا جَوٍ يا رَسُولَ) المُتنبي، أكُلُّ هذا لأنهُنَّ: (قَصَرْنَ الخُطى وهَزَزْنَ الغُصُونا) أمامَ السُّتالي؟!
ولا تزال تلك الكتب المصفوفة داخل الحافلة عالقة في ذاكرتي، ولعل هذه الصورة كانت سببًا في شغفي بتكوين مكتبة شخصية لي، أجمع فيها أطايب الكتب التي أحبها، وكنت أحلم بكتب أخرى، وَعَدْتُ نفسي أن اشتريها في مرات قادمة، كنت أصفها في غرفة نومي، وبجانب منامي، وأتخيل زيادتها يومًا بعد يوم، فتصبح أكثر، وتشغل مساحة أكبر مما هي عليه الآن، وكانت فرحتي كبيرة، حينما قدم إلى زيارتي بتواضع جم، الشيخ الأديب موسى بن سالم الرواحي، أمد الله في عمره، فأهداني مجموعة من الكتب، من بينها كتاب «نثار الجوهر» بخط يد مؤلفه أبي مسلم البهلاني (رحمه الله)، ولا يزال الكتاب ضمن ما أحتفظ به من ذخائر تلك الأيام.
وخلال الأربعين عامًا الماضية انضمَّت إلى مكتبتي مئات الكتب، شراءً وإهداءً، وبمرور السنوات تشكلتْ مكتبتي، وهي من بين أشيائي العزيزة عليَّ، ولكن لماذا أتحدث عن كتبي الأولى؟، وكأني أحفِّز القارئ أن يصنع مكتبته الخاصة به، يقضي بين أفانينها ساعات من النهار والليل، فالكتب كما سمعت أحد كبار السن يشبهها بالمقاصير، و«المقصورة» ضاحية فيها ألوان من النخيل والمزروعات، وكل يوم يتجول مالكها في ناحية منها، وهو تشبيه يصل بابن دريد الذي شبَّه الكتب بمتنزهات القلوب، وذكر لتلاميذه منها: «عيون الأخبار» لابن قتيبة، و«الزهرة» لابن داود، و«قلق المشتاق» لابن أبي طاهر.
هناك كتب كثيرة أثيرة على القلب، تحمل إمضاءات وتواقيع من مؤلفيها، مغلَّفة بعبارات تفيضُ صَداقة وحُبًا للشخص المُهدى إليه، وفي مكتبتي منها الكثير، وأعتز بكل كتاب يصلني وعليه توقيع مؤلفه، وأراه لزامًا أن أقرأ ما يصلني، فقرأت منها الكثير، وبقي لديَّ مما لم أقرأ الكثير أيضاً، وتلك الإهداءات توثق لحظات جميلة من اللقاءات التي جمعتني بالكُتَّاب، ونصوصًا أدبية رائعة، نثرت بعضها في إضمامة سابقة قبل أسبوعين.
وكتب أخرى اشتريتها من المكتبات، وبعضُها يذكرني برحلة إلى بلد ما، فعدت منه محمَّلًا بمجموعة من الكتب، وما زلت أذكر أني عدت من القاهرة بحقيبة كتب، كنت قد اشتريتها من المكتبات، كما اشتريت من عواصم أخرى، سنحت لي فرصة زيارتها.
وخلال السنوات الأخيرة من عِقد التسعينيات، انضمَّت إلى مكتبتي مجموعة من الكتب الدينية، في الفقه وأصول الفقه، والتفسير وعلوم القرآن، حين كنت أدرس الشريعة في «معهد العلوم الشرعية» بمسقط، ثم انشغلتُ باهتمامات ثقافية أخرى، وقراءات متنوعة.
وبلا شك فإنَّ لدى القارئ الكريم اهتمامات مماثلة، وحكايات مستفيضة عن تكوين مكتبته الشخصية، ولو عاد إلى مكتبته، لوجد فيها نفائس المطبوعات وذخائر المؤلفات، ولربما اكتشف فقدان كتب ضاعت منه، أو استعارها أصدقاؤه، لكنها في الغالب لا تعود، وحينما نتصفح ما تبقى منها، فإننا نشمُّ منها عبقًا من الذكريات، وما أجمل الذكريات التي تنبعث من بين صفحات الكتب.
لقد أصبح من الضروري لكل أسرة تكوين مكتبة منزلية، تجمع بين الكتب الخاصة بالطفل، والكتب الأخرى ذات الطبيعة النسائية، وبين الكتب العلمية والأدبية، لتشكل نسيجًا رائعًا تتنوَّع فيه ألوان من المعارف، مكتبة لغذاء العقول، وللزاد المعرفي، تقرأ فيها الأسرة وتطلع على ثمار القرائح ولباب العقول، لتعتاد على عناق هذا الكائنات الورقية الرَّقيقة، ووفاءً لأرواح المُؤلفين، الذين أفنوا أعمارهم في الكتابة والتأليف.
ولأن معرض مسقط الدولي للكتاب يطرق الأبواب، فهي فرصة سانحة لاغتنام أيامه، بما تطيب قراءته، وتنشرح له النفس، فالكتب أرواح تعرف عشاقها، ولكل كتاب قارئ، ومن المهم أن نعتاد على صحبة الكتب والمكتبات، وأنعم بها من صُحبة، وأحْبِبْ بأيامها، كما قال أحمد شوقي في إحدى إبداعاته الشعرية: (ألا حَبَّذا صُحْبَة المَكتَبِ.. وَأحْبِبْ بأيَّامِهِ أحْبِبِ)، وإن كان الشاعر يعبِّر بحنين شعري أخاذ، إلى أيامه في الكتاتيب حين كان صغيرًا، إلا أن أمواج المعنى تلامس سواحل أخرى.