(1)

لا يعيش على الذكريات، بل بها.

(2)

عاد الآخرون وفاجأونا بالقول الفصل إنهم لم يجدوا شيئًا على الإطلاق هناك في "البلاد غير المُكتشَفة التي لم يعد من تخومها مسافر" (العبارة المُنَصَّصَة لشكسبير في "هاملت").

أما أنا فقد وصلتُ أخيرًا إلى هنا، وإنني أرى اللاشيء مجدَّدا، وجيدا، وبطريقة قد تكون معقَّدة قليلا: "وحده اللاشيء كاملٌ" (فرِتز زورن/ أنغست، "مارس").

وبطريقة أخرى هي على الدرجة نفسها من التعقيد فإنني أرى اللاشيء مجدَّدا وجيَّدا: "اللاشيء [يفعلُ] اللاشيء": "The nothing itself noths" أو "nothing nothings") حيث لم تجد الترجمة الإنجليزية بدّا من "الخطأ" في القاعدة وإجبار الاسم على أن يكون فعلا في استجابة مُكرَهة للأصل الألماني "Das Nichts selbst nichtet"، مارتن هايدغر "ما الميتافيزيقيا؟").

آه، لقد وصلتُ أخيرًا إلى هنا، إذًا، فلا تهنئوني.

(3)

الصفح، والتجاوز، والغفران من شِيَم أصحاب النفوس الكبيرة.

حسنٌ جدًا، وهل ستقوم القيامة قبل موعدها مِثقال ثانية لمجرد أني لست من ذوي النفوس الكبيرة، ولا أريد أن أكون كذلك أصلاً؟

(4)

أتذكرها جيدًا. كلا، أتذكرها على نحوٍ ضبابيٍّ فقط. كلا، لا هذا ولا ذاك.

أتذكرها، "لَعَم".

بصورة دقيقة مثل عاصفة صغيرة على منضدة، أتذكرها بما فيه الكفاية في هذه النتفة من حوار طويل دار بيننا قبل حوالي عشرين سنة وكأنه حدث البارحة:

أنا: أعاني كثيرًا من الكوابيس والجواثيم.

هي: أنت تقصد أنك تحلم كثيرًا حين تنام.

أنا: لا، لا أعني الأحلام. أنا أقصد الكوابيس والجواثيم.

هي: الكوابيس والجواثيم مجرد صيغة أخرى للأحلام.

كم أصدِّقُك في بارحة الأضغاث والأقمار.

(5)

لا أضحك في وجهكِ السَّافر مثل الثغر الذي يُحْضِره النَّمل الصادق إلى الفجر، بل أبكي على ركبتيكِ المضمومتين إلى بعضهما البعض كرمَّانتين في النَّشيج.

(6)

لا، وكفّوا يا هؤلاء؛ فسلخه بعد ذبحه يضيركم أنتم.

(7)

على الرغم من كل شيء، ونكاية وتنكيلا بكل شيء، ومن أجل شيء واحد فإننا "لا بد من أن نحلم". لا بد من تذكر مقولة لينين هذه حين يشاهد المرء بصورة اضطراريَّة نشرات الأخبار التي تنزُّ من قنواتها الدماء في هذه الأيام.

(8)

يا هذا: لا تكتب الشَّذرة كمن يعتقد، أو لا يعتقد، أن الرواية هي النوع الأدبي الأسمى.

يا هذا: كُن صغيرا دوما كي لا تغادرك البراعم وكي لا تبرح المعاريج. أما اللغة فهي من شأن الرب وحده في الأعالي (ومن الأفضل أن تبقى كذلك).

(9)

العزلة عمياء، وخرساء، وصمَّاء؛ لكنها تتقن لغة الإشارة لرهيفي الدروب والأمواس، ومتأتي الإيماءات في جحافل الفصاحة، وللذين تنطلق الشاحنات من آذانهم إلى التلال والهضاب في زُحل.

هذا، وفي المأثور أن لا شيء يفوت على العزلة (بما ومن في ذلك كل ما ومن يقطن خارجها).

(10)

أستمع الآن إلى الأغنية التي كنت تدندنينها وتدوزنينها في الوقت الهشِّ الفاصل بين القهوة والأنبياء، بين الطريق والرحلة، طوال تلك السنوات.

يا الله، كم أنا شقيٌّ حقّا لأني لم أعرفك إلا الليلة فقط، حيث أتهدَّم في النهر، وأسيل على الحجرة.

(11)

يا مِعولي: يا لحزنك! لم تعد هنا -في ما يخصُّني- أصنام، وتماثيل، وأمثلة، وأمثولات، وأيقونات، ونماذج أخرى.

أنا آسف جدًا يا معولي: يبدو أنه كان لا بد من ذلك.

(12)

في سهو كأنني أنتِ، في حُدوسٍ كأنني أنا.

(13)

الآلهة، والشعراء، والأطفال، والمجانين، والحيوانات يشتركون في كل شيء (تقريبًا).

(14)

ذلك كاتب رديء ليس لأنه عديم الموهبة، أو سطحيُّ المخيلة، أو باهتُ جمر الروح أو رمادها، أو ضامرٌ في التوق، أو ضحلٌ في المعرفة، أو هزيل البحر في السراب.

كلا، أبدًا؛ فهو كاتب رديء لأن عذابه أكبر بكثير من موهبته وثقافته.

يا الله، كم هو تعس ذلك الكاتب، وكم هو الأمر مؤسف حقًا.

(15)

قبيل خروج الإنسان من الغابة، وقف الولد الصغير أمام أبيه. رفع الولد الصغير سبَّابته اليمنى قليلاً، قليلاً فقط.

ولا يزال الأب يزأر (حتى في محلات التعليم المبكر المنتشرة في المجمعات التجارية في هذه البلاد).

(16)

يا هذا: أعناقنا في رقبتك، ورقابنا أثقل من عنقك، ودموعنا أدَرُّ من ضروع الأساطير وشهدائنا المدفونين في مقابر جماعية مجهولة، وجذوعنا تطير بها الفراشات.

لكن، متى ستفهم؟

(17)

غضب، غضب، غضب، وبعد الغضب غضب، كأنه ما قبل النُّفور وما بعد النَّفير.

(18)

لا تكن إلا وحدك. وحين تكون وحدك كُنْ وحدك أكثر، ولا عليك من أن الآخرين لا يكتفون حتى بما هو أكثر من ذلك.

(19)

زَمِّلوه، زمِّلوه. دثِّروه، دثِّروه، و"أحَدٌ أحَد". هيَّا هلمُّوا إليه بالمزيد من المزيد في كُحل الليالي، وحادي القافلة، والضِّباع في الكلام، وقمصان السنين، وعافية اللحود.

(20)

الشَّلل هو إخفاق الجميع بما في ذلك جدران الأسمنت، وأسعار التخفيضات، وطحالب الحارات الشعبية عند سفح الجبل، وذلك حين يحط أول طير على أسوار القلعة الحصينة.

الشَّلل هو نحن.

(21)

لا نستطيع أبدًا أن نسامح "الشّيبة العود" كارل ماركس على خطيئة أنه قد جاء إلى هذا العالم مبكرًا أكثر مما ينبغي (ويبدو من الواضح جداً في كل تاريخ البشرية أننا نحن أيضًا لا نستطيع أن نسامح بعضنا البعض لأن كارل ماركس قد جاء إلى هذا العالم مبكرًا أكثر مما ينبغي).

التبكيرات مؤسفة للغاية، وكذلك التأخيرات. لا أحد ولا شيء يأتي في وقته وموعده أبدًا.

بهذا يغدو التذكار والصفح ضربًا من التبرع الرخيص الذي لا داعي له.

(22)

اعلم يا هذا أنك في قلب الحب:

أ‌. حين تحبك امرأة لا تحبها، وتحب امرأة لا تحبك.

ب‌. حين تكون الزرقة قصيرة، والبياض طويلا، والسَّفر عودة.

ت‌. حين يصير العريش يتيمًا.

ث‌. حين تعيد مشاهدة فيلم "دِرسو أوزلا" لأكيرا كوروساوا مرة ثانية بعد الألف.

ج‌. حين لا تَزْهَدُ في الطحالب والزَّبَد، وتدع ما ينفع الناس للناس الذين ليس منهم نفع.

ح‌. حين تتيقن من أن هناك حرفًا لا يزال ناقصًا في اللغة.

خ‌. حين تشك في كل ما ورد أعلاه.