تعلو الكثير من الأصوات في العالم اليوم محذرة من الأخطار المترتبة على تأثيرات الخطاب الشعبوي الذي بدأ يسود العالم على حساب قيم الديمقراطية وقيم العلم وقيم المعرفة ومبادئها الراسخة في الوعي الجمعي، والتي تأسست عليها الكثير من المجتمعات الشرقية والغربية. وشعرت تلك المجتمعات، التي انساقت في مرحلة من المراحل، وربما لا تزال، وراء خطابات الشعبوية بخطرها ومفعولها المدمر سواء من حيث نسف الوعي الحقيقي والمعرفة العلمية أو من حيث إذكاء التعصب والتشدد الديني، وظهر ذلك جليا خلال أزمة جائحة كورونا التي كثرت فيها الإشاعات والتضليل المعرفي وكاد يغيب العلم الذي برز جليا في هذه الأزمة باعتباره الوحيد، بعد الله سبحانه وتعالى، القادر على تقديم حلول حقيقية للجائحة.

وكان العالم قد تنبه، لحجم الخطر، من بوابة السياسة، عندما بدأت الخطابات الشعبوية تؤثر على قيم الديمقراطية والليبرالية كما هو حاصل في الكثير من الدول التي كانت تُعدّ في مقدمة الديمقراطيات العالمية، ولا يمكن تجاوز بعض تلك التجارب التي حصلت في بعض الدول المعروفة اليوم لدى الجميع، وتأثيراتها التي ستبقى تعاني منها لسنوات طويلة.

لكنّ الأمر تجاوز الساسة ودهاليز السياسة ومنابرها بمراحل بعيدة وبدأت تلك الخطابات تخرج من بعض أساتذة الجامعات ومن قلاع العلم والمعرفة.. الجامعات، وأصبحت «بعض» خطابات تلك المنابر شعبوية أكثر من شعبوية خطابات المنابر السياسية.. وبدأت في تحريك المشاعر غير العقلانية لدى طلاب الجامعات وتوجيهها ضد قيم العلم وقيم المعرفة وقيم الحداثة.

وإذا كانت الجامعات هي مراكز صناعة الوعي وصناعة القادة والمفكرين والعلماء والشعراء والمواطنين القادرين على تمييز الحقيقة وحماية الوعي من التآكل وحماية التاريخ في عصر رقمي مليء بالمعلومات المضللة، فإن تكاثر هذه الأصوات «الشعبوية» في الجامعات يشكل خطرا كبيرا على قيم المجتمعات وقيم الدول بل ويهدد كيانها من الداخل.

ومع الأسف، فإن تلك الخطابات قد وجدت طريقها إلى الكثير من الجامعات، ولا يستثنى من ذلك الجامعات العمانية، وأخذت تلك الأصوات، في كل مكان، منابر على وسائل التواصل الاجتماعي، واكتسب حضورها قوته من قوة المؤسسات التي ينتمون لها نظرا لثقة الناس في تلك المؤسسات التي هي في الأساس حامية للوعي وصانعة له.

والمطلوب من المجتمع أن يكون أكثر حرصا على حماية وعيه ومكتسباته كما أن المطلوب من الجامعات، في كل مكان، أن يكون لها مواثيق شرف تحمي على الأقل التفكير العلمي والخطاب الأكاديمي المعروف برصانته وجديته وبالتالي حماية المجتمعات والدول من خطر مستطير من الشعبوية التي تنتشر في العالم كانتشار النار في الهشيم.