أطلقت كوريا الشمالية الأحد الماضي أقوى صاروخ لها منذ العام 2017، وهذا الاختبار هو السابع الذي تجريه بيونج يانج منذ بداية العام. وندّد الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريش الثلاثاء بالتجربة الصاروخية الاخيرة لبيونج يانج، معتبراً أنّه "يخالف التجميد الذي أعلنته هذه الدولة في 2018" لهذا النوع من التجارب.

وقالت وكالة الأنباء الرسمية الكورية الشمالية إن "تجربة تقييم إطلاق صاروخ هواسونغ البالستي من نوع 12 أرض-أرض متوسط وطويل المدى أجري يوم الأحد"، وأضافت أن الاختبار "أكد دقة وأمن وفعالية تشغيل نظام هواسونغ-12 قيد الإنتاج".

وأشارت الوكالة إلى أن الاختبار أُجري باستخدام "نظام الإطلاق من أعلى زاوية" لضمان سلامة الدول المجاورة، لافتة إلى أن الرأس الحربي حملَ كاميرا التقطت صوراً أثناء وجوده في الفضاء.

من جهتها، وجهت الولايات المتحدة نداء مباشرا لكوريا الشمالية للانضمام إلى محادثات مباشرة -بدون شروط مسبقة- بشأن برامجها النووية والصاروخية.

وقال مسؤول كبير في إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن للصحفيين "نعتقد أنه من المناسب تماما والصحيح كلية أن نبدأ في إجراء بعض المناقشات الجادة".

وأضاف المسؤول أن التجربة الكورية الشمالية الأخيرة تعد جزءا من نمط مزعزع للاستقرار على نحو متزايد، وفق تعبيره.

وآخر مرة أجرت كوريا الشمالية عددا كبيرا من التجارب خلال مدة زمنية قصيرة كانت في 2019 بعد انهيار المحادثات بين الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون والرئيس الأمريكي آنذاك دونالد ترامب (2017-2021).

تحذيرات دولية

حذرت كوريا الجنوبية الأحد من أن كوريا الشمالية تتبع "مسارا مشابها" لمسار العام 2017 عندما كان التوتر في ذروته في شبه الجزيرة الكورية.

وقال الرئيس الكوري الجنوبي مون جاي-إن في بيان إن بيونج يانج "تقترب من خرق التعليق الذي فرضته على نفسها" للتجارب النووية واختبارات الصواريخ البالستية العابرة للقارات.

وأعلنت هيئة الأركان المشتركة لكوريا الجنوبية أنها رصدت فجر الأحد "صاروخا بالستيا متوسط المدى بزاوية عالية باتجاه الشرق".

وأطلِق الصاروخ من مقاطعة جاغانغ الشمالية التي أعلنت كوريا الشمالية في الأشهر الأخيرة أنها أطلقت منها صواريخ فرط صوتية.

وأشارت هيئة الأركان المشتركة إلى أن الصاروخ حلق على ارتفاع بلغ ألفي كيلومتر في حده الأقصى وقطع مسافة 800 كيلومتر في ثلاثين دقيقة قبل أن يسقط في بحر اليابان.

وقال المتحدث باسم الحكومة اليابانية هيروكازو ماتسونو إن طوكيو "احتجت بشدة على كوريا الشمالية"، متهمة بيونج يانج "بتهديد أمن اليابان وسلمها" بهذه الاختبارات.

وكتب تشاد اوكارول من الموقع المتخصص "ان كي نيوز" في تغريدة على تويتر، أن "كوريا الشمالية أجرت تجارب مماثلة لتقنياتها الصاروخية البعيدة المدى في 2017".

وقال إن "هذا يعني أن اختبار اليوم (الأحد) هو لصاروخ من هذا النوع أو ربما لشيء جديد"، مضيفا "بعبارة أخرى إنه خبر هام".

وكان آخر صاروخ من هذا النوع اختبرته بيونج يانج هو "هواسونغ-12" الذي قطع 787 كيلومترا ووصل في الحد الأقصى من ارتفاعه إلى 2111 كيلومترا في 2017.

في ذلك الوقت، وجد المحللون أن هذا الصاروخ قادر على قطع 4500 كيلومتر، وأن يبلغ بذلك جزيرة غوام، الأرض الأميركية في المحيط الهادئ.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية لوكالة الأنباء الكورية الجنوبية (يونهاب) إن تجربة الأحد تشكل "انتهاكا واضحا" لقرارات الأمم المتحدة.

من جهتها نددت السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة ليندا توماس-غرينفيلد بإطلاق الصاروخ، معتبرة أنه يشكل "استفزازا".

وقالت لشبكة "ايه بي سي" إن الولايات المتحدة "منفتحة تماما على لقاء دبلوماسي بدون شرط مسبق".

وقال الأمين العام للامم المتحدة، أنّه "من المقلق للغاية أن تتجاهل كوريا الشمالية من جديد أيّ اعتبار للرحلات الجوية الدولية أو الأمن البحري"، مطالباً بيونج يانج "بالامتناع عن أيّ عمل آخر يؤدي إلى نتائج عكسية" والسعي، مع الأطراف الأخرى، إلى ارساء "حلّ دبلوماسي سلمي".

"ستكون مكلفة جدا"

ورأت سو كيم المحللة في معهد "راند" الأمريكي للابحاث لوكالة فرانس برس أن كوريا الشمالية انتظرت الوقت المناسب و"تسرّع تدريجا" اختبار أسلحتها.

وأضافت أن "كيم كبحَ شغفه بالاختبارات والاستفزازات"، موضحة أن "الوقت حان الآن، والعمليات المتكررة لإطلاق الصواريخ تُضيف مشكلة أخرى إلى لائحة ضخمة أصلا من التحديات الدولية التي تواجه واشنطن".

ويأتي هذا في مرحلة حسّاسة تشهدها المنطقة، إذ تستضيف الصين، الحليف الرئيسي الوحيد لنظام كوريا الشمالية، دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في فبراير، بينما تُجري كوريا الجنوبية انتخابات رئاسية في مارس.

وتستعد بيونج يانج للاحتفال بالذكرى الثمانين لميلاد والد كيم، الزعيم الراحل كيم جونغ إيل في فبراير، ثم الذكرى العاشرة بعد المئة لميلاد كيم إيل سونغ الزعيم المؤسس للبلاد، في أبريل.

وتأتي مضاعفة تجارب الأسلحة أيضا بينما يواجه الاقتصاد الكوري الشمالي صعوبات كبيرة بسبب العقوبات الدولية وبسبب إغلاق الحدود منذ عامين تقريبا باسم مكافحة كوفيد-19.

وقال ليف إيسلي، الأستاذ في جامعة إيها في سول، إن "نظام كيم يسمع ما يقال في الخارج عن ضعفه الداخلي"، وأضاف "بالتالي فهو يريد أن يذكّر واشنطن وسول بأن أي محاولة لإطاحته ستكون مكلفة جدا".

تاريخ برنامج بيونج يانج الصاروخي

بدأت كوريا الشمالية العمل أواخر سبعينات القرن العشرين على نموذج من صاروخ سكود-بي السوفياتي (مداه 300 كيلومتر)، وقامت بتجربته للمرة الأولى عام 1984.

وبين 1987 و1992 طوّرت بيونج يانج صواريخ بعيدة المدى بينها "تايبودونغ-1" (2500 كيلومتر) و"تايبودونغ-2" (6700 كيلومتر).

وفي 1998، أجرت كوريا الشمالية تجربة لصاروخ "تايبودونغ-1" فوق اليابان لكنها في العام التالي أعلنت تجميد تجارب الصواريخ البعيدة المدى بالتزامن مع تحسن العلاقات مع واشنطن.

وفي التاسع من أكتوبر 2006 أجرت بيونج يانج أول تجربة نووية بعدما كانت أوقفت العمل في مارس 2005 بتجميد التجارب الصاروخية. وأجرت بيونج يانج في مايو 2009، تجربتها النووية الثانية تحت الارض، وهي أقوى بعدة مرات من التجربة الأولى.

وخلف كيم جونغ اون والده كيم جون إيل في الحكم بعدما توفي هذا الأخير في ديسمبر 2011. وأشرف كيم عام 2013 على التجربة النووية الثالثة.

وفي يناير 2016 أجرت كوريا الشمالية تجربتها النووية الرابعة تحت الأرض وقالت إنها لقنبلة هيدروجينية. وفي مارس من العام نفسه، أعلن الزعيم كيم جونغ أون أن كوريا الشمالية نجحت في تصغير رأس نووية حرارية وأجرت في أبريل تجربة إطلاق صاروخ بالستي من غواصة.

وللمرة الأولى أطلقت كوريا الشمالية في أغسطس من 2016 صاروخا بالستيا فوق المنطقة الاقتصادية البحرية لليابان. وقامت في الشهر نفسه بتجارب عدة على صواريخ بالستية من غواصة. وفي التاسع من سبتمبر، أجرت بيونج يانج تجربتها النووية الخامسة.

وبين فبراير ومايو 2017، أجرت كوريا الشمالية سلسلة تجارب لصواريخ بالستية سقطت في بحر اليابان. وقالت بيونج يانج إنها تدريبات لضرب القواعد الأمريكية في اليابان.

وفي 14 مايو من العام نفسه، أُجريت تجربة لصاروخ بالستي يراوح مداه بين المتوسط والبعيد وهو من نوع هواسونغ-12. وقد اجتاز 700 كيلومتر قبل أن يسقط في بحر اليابان.

بعد شهرين، أعلنت كوريا الشمالية أنها نجحت في الرابع من يوليو - يوم العيد الوطني الأمريكي - في اختبار صاروخ عابر للقارات قادر على بلوغ ألاسكا وقدّمته كهدية لـ"الأمريكيين". وفي 28 من الشهر نفسه، أجرت تجربة ثانية لصاروخ عابر للقارات.

وبعد ساعات على توجيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديداً لكوريا الشمالية بـ"النار والغضب" في الثامن من أغسطس، وقالت بيونج يانجإنها تفكر في توجيه ضربات بالقرب من المنشآت العسكرية الاستراتيجية الأمريكية في جوام.

وفي الثالث من سبتمبر من العام 2017، أجرت بيونج يانج تجربتها النووية السادسة التي اعتبرت الأقوى، وقدّرت مجموعات رصد قوة هذه القنبلة بـ250 كيلوطن أي ما يوازي 16 مرة حجم القنبلة الأميركية (15 كيلوطن) التي دمّرت هيروشيما العام 1945.

وفي منتصف سبتمبر، بعد أقل من أسبوع من إقرار الأمم المتحدة السلسلة الثامنة من العقوبات، أطلقت كوريا الشمالية صاروخا بالستيا متوسط المدى فوق اليابان.

وفي 20 نوفمبر، وصفت واشنطن كوريا الشمالية رسميا بأنها "دولة تدعم الارهاب"، وهي أصلا كانت على اللائحة الأمريكية السوداء للدول الداعمة للإرهاب بين عامي 1988 و2008.

وفي 29 نوفمبر، أجرت كوريا الشمالية تجربة على صاروخ جديد عابر للقارات من نوع "هواسونغ-15" يمكن أن ينقل حسب بيونغ يانغ "رأساً ثقيلة الوزن" قادرة على ضرب أي منطقة في الولايات المتحدة.

وفي 2018، أعلن كيم جونغ اون في رسالته بمناسبة العام الجديد أن تطوير القوة النووية لكوريا الشمالية قد اكتمل.

وبدأ الانفراج الدبلوماسي في فبراير بعد الألعاب الأولمبية الشتوية التي أجريت في كوريا الجنوبية وشاركت فيها كوريا الشمالية.

وفي 21 أبريل 2018، أعلنت بيونج يانج إنهاء التجارب النووية وتلك الخاصة بالصواريخ البالستية، كما أعلنت إغلاق موقع للتجارب النووية في شمال البلاد، حيث اعتبر كيم جونغ اون أنه "أنهى مهمته".

وبين 2019 و2022 تعثر المفاوضات بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية منذ فشل قمتهما في هانوي في فبراير 2019 .

كما حدث توتر جديد في 2021 مع اجراء كوريا الشمالية عددا من التجارب على الاسلحة بما يشمل اطلاق صاروخ بالستي من غواصة واطلاق صاروخ عابر بعيد المدى واطلاق سلاح من قطار وما أسمته بانه صاروخ فرط صوتي.

وبعد ستة اختبارات لصواريخ بالستية وعابرة منذ بداية 2022، أطلقت بيونج يانج في 30 يناير أقوى صاروخ كوري شمالي منذ 2017 .