ترجمة: أحمد شافعي -
يعد التوصل إلى إجراء انسحاب ناجح أحد أصعب التحديات الجيوسياسية. ولقد شهدنا هذا الواقع في الصيف الماضي في أفغانستان، حينما اتخذت إدارة بايدن الخيار الاستراتيجي الصحيح ـ بخفض خسائرنا بدلا من التصعيد للحفاظ على وضع قائم مفلس أخلاقيا ـ لكنها ترنحت بعد ذلك من خلال انسحاب كارثي أضرّ برئاسة بايدن وكشف عدم الكفاءة الأمريكية أمام أعين العالم.
والآن نواجه المشكلة نفسها في أوكرانيا. فقد اتخذت الولايات المتحدة في أيام قوتها العظمى سلسلة خطوات لبسط مجال نفوذنا في عمق الجوار الروسي القريب. وبعض هذه الخطوات يبدو قابلا للدوام: فمع أن توسع حلف شمال الأطلسي لضم بلاد من (حلف وارسو) السابق كان خطرا في ذاته، لكن هذه الالتزامات تبدو آمنة في هذه اللحظة. أما السعي إلى إخراج أوكرانيا من الفلك الروسي، ومواربة الباب للأوكرانيين الذين فضلوا التحالفات ذات التمركز الغربي، فكانت حماقة وإفراطا في الالتزام حينما كانت القوة الأمريكية في ذروتها.
ولاحظوا أن السؤال هنا لا يتعلق بما يستحقه الأوكرانيون. فروسيا في الأزمة الراهنة هي البلد المعتدي الاستبدادي، وأوكرانيا هي البلد الديمقراطي المنقوص، ولكنه البلد الذي لديه نظام حكم أكثر لياقة من أوليجاركية فلاديمير بوتن. ونحن حينما قدمنا ضمانات أمنية لأوكرانيا في ظل رئاسة بيل كلنتون، وحينما فتحنا باب عضوية حلف شمال الأطلسي في ظل رئاسة جورج دبليو بوش، وحينما دعمنا مظاهرات ميدان في ظل رئاسة باراك أوباما، كنا في كل حالة نتحرك انطلاقا من نوايا حسنة كانت أفضل من مكائد موسكو.
لكن حسن النوايا في السياسة يأتي دائما تاليا لواقع القوة. فمهما تكن رغباتنا أو رغبات الحكومة في أوكرانيا، فإن هذه الحكومة ببساطة ليست في موقف يسمح لها بالانضمام الكامل إلى الغرب، إذ إنها شديدة الضعف اقتصاديا، وشديدة الانقسام داخليا، وهي إجمالا في المكان الخاطئ. وأفعال إدارتي بوش وأوباما ـ بل وبعض أفعال إدارة ترامب أيضا برغم جميع ما كان لدى ترامب من تعاطفات شخصية مع بوتن ـ تركتنا مرهقين، وجعلت احتضان قوتنا الناعمة لكييف غير مجهز للتعامل مع خطوات صارمة اتخذتها موسكو من خلال القوة الصلبة.
في ضوء هذه الحقائق الواقعية، وفي ضوء ضغط الحاجة إلى تركيز القوة الأمريكية في شرق آسيا لمواجهة الصين، من الواضح إلى أين يمكن أن ينتهي انسحاب مثالي: بتأجيل دائم لتوسع حلف شمال الأطلسي، وبخضوع أوكرانيا للضغط الروسي الحتمي مع عدم تعرضها لغزو أو ضم، وبحمل حلفائنا من أعضاء حلف شمال الأطلسي على المزيد من عبء ضمان نطاق الأمن في شرق أوروبا.
لكن كما الحال مع أفغانستان، فإن التنفيذ الفعلي أشق من التنظير. فالتوصل إلى تفاهم مستقر مع بوتن يمثل تحديا، لأنه استثمر بشكل واضح في أن يكون مثيرا دائما للاضطراب ينتهز كل فرصة تسنح لإذلال الغرب. ولا مفر من أن يثير انتزاعنا لأنفسنا من أحابيل الوضع في أوكرانيا شكوكا حول التزاماتنا الأهم في أماكن أخرى، وهي شكوك سوف تزداد بازدياد معاناة كييف من انسحابنا. وإيكال المزيد من المسؤولية الأمنية للأوروبيين كان هدفا لم يتحقق لكل رئيس أمريكي حديث في ظل وجود مشكلة خاصة تتمثل في أن القوة الأوروبية الأساسية، أي ألمانيا، تتصرف كثيرا بوصفها حليفا فعليا للروس.
في ضوء هذه المصاعب، يصبح مسار إدارة بايدن المضطرب مفهوما، حتى لو أن مؤتمرات الرئيس الصحفية الأخيرة جاءت أكثر صراحة وفق كثير من المقاييس المعهودة. لا تستطيع الولايات المتحدة أن تقف ساكنة في حال غزو روسيا لأوكرانيا، وسوف نكون منافين للعقل أيضا لو انضممنا للحرب في جانب أوكرانيا. لذلك فإن سعي البيت الأبيض إلى الرد الأوسط الصحيح، أي بعض التوازن بين العقوبات وشحنات الأسلحة، يبدو متخبطا وغير مؤكد لسبب وجيه، وهو أنه ما من إجابة مثالية أصلا في هذا الأمر، وإنما هي الموازنة الأقل سوءا بين الخيارات.
لكنني أشعر أننا لا نزال نولي الكثير من الأهمية لفكرة أن حلف شمال الأطلنطي وحده هو الذي يحدد من ينضم إليه، وأن استبعاد عضوية أوكرانيا هو تنازل مستحيل بطريقة ما. فهذا الغرور ينطوي على مفارقة تاريخية، وهو من بقايا لحظة ما بعد الحرب الباردة حينما بدا لفترة وجيزة ـ حسبما قال المؤرخ آدم توز ـ أن بالإمكان رسم حدود العالم «على أيدي القوى الغربية، أي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بشروطها وبما يلائم قواها وتفضيلاتها».
لم يعد العالم يعمل بهذه الطريقة الآن، وتحديدا لأن العالم لم يعد يعمل بهذه الطريقة الآن فإنني سوف أشعر ببعض الارتياح ـ بوصفي مواطنا أمريكيا، لا بوصفي مراقبا للسياسات الدولية وحسب ـ حين أرى قادتنا يعترفون بذلك، بدلا من أن يتمسكوا بفكرة أننا يوما ما قد ترغمنا معاهدة على المخاطرة بحرب نووية على الدونباس.
ولو أننا لا نستطيع التخلي عن الفكرة تماما، فإن التخلي عنها لفترة طويلة ـ قد تكون خمسة وعشرين عاما مثلما اقترح توماس جراهام وراجان مينون في مقالة حديثة ببوليتيكو ـ تبدو صفقة معقولة للغاية.
وقد يكون شيء ما معقولا ويبقى مؤلما ـ مؤلما بوصفه اعترافا بضعف الغرب، ومؤلما لآمال وطموحات الأوكرانيين.
لكن القبول ببعض الألم من أجل موقف أكثر قابلية للدوام هو ببساطة ما يحدث حينما تتخذ قرارات خاطئة على مدار جيل كامل وتحاول أن تعثر على طريقة لائقة وكريمة للقيام بانسحاب ضروري.
روث دوثات كاتب عمود رأي في جريدة نيويورك تايمز خدمة نيويورك تايمز «خاص عمان»
يعد التوصل إلى إجراء انسحاب ناجح أحد أصعب التحديات الجيوسياسية. ولقد شهدنا هذا الواقع في الصيف الماضي في أفغانستان، حينما اتخذت إدارة بايدن الخيار الاستراتيجي الصحيح ـ بخفض خسائرنا بدلا من التصعيد للحفاظ على وضع قائم مفلس أخلاقيا ـ لكنها ترنحت بعد ذلك من خلال انسحاب كارثي أضرّ برئاسة بايدن وكشف عدم الكفاءة الأمريكية أمام أعين العالم.
والآن نواجه المشكلة نفسها في أوكرانيا. فقد اتخذت الولايات المتحدة في أيام قوتها العظمى سلسلة خطوات لبسط مجال نفوذنا في عمق الجوار الروسي القريب. وبعض هذه الخطوات يبدو قابلا للدوام: فمع أن توسع حلف شمال الأطلسي لضم بلاد من (حلف وارسو) السابق كان خطرا في ذاته، لكن هذه الالتزامات تبدو آمنة في هذه اللحظة. أما السعي إلى إخراج أوكرانيا من الفلك الروسي، ومواربة الباب للأوكرانيين الذين فضلوا التحالفات ذات التمركز الغربي، فكانت حماقة وإفراطا في الالتزام حينما كانت القوة الأمريكية في ذروتها.
ولاحظوا أن السؤال هنا لا يتعلق بما يستحقه الأوكرانيون. فروسيا في الأزمة الراهنة هي البلد المعتدي الاستبدادي، وأوكرانيا هي البلد الديمقراطي المنقوص، ولكنه البلد الذي لديه نظام حكم أكثر لياقة من أوليجاركية فلاديمير بوتن. ونحن حينما قدمنا ضمانات أمنية لأوكرانيا في ظل رئاسة بيل كلنتون، وحينما فتحنا باب عضوية حلف شمال الأطلسي في ظل رئاسة جورج دبليو بوش، وحينما دعمنا مظاهرات ميدان في ظل رئاسة باراك أوباما، كنا في كل حالة نتحرك انطلاقا من نوايا حسنة كانت أفضل من مكائد موسكو.
لكن حسن النوايا في السياسة يأتي دائما تاليا لواقع القوة. فمهما تكن رغباتنا أو رغبات الحكومة في أوكرانيا، فإن هذه الحكومة ببساطة ليست في موقف يسمح لها بالانضمام الكامل إلى الغرب، إذ إنها شديدة الضعف اقتصاديا، وشديدة الانقسام داخليا، وهي إجمالا في المكان الخاطئ. وأفعال إدارتي بوش وأوباما ـ بل وبعض أفعال إدارة ترامب أيضا برغم جميع ما كان لدى ترامب من تعاطفات شخصية مع بوتن ـ تركتنا مرهقين، وجعلت احتضان قوتنا الناعمة لكييف غير مجهز للتعامل مع خطوات صارمة اتخذتها موسكو من خلال القوة الصلبة.
في ضوء هذه الحقائق الواقعية، وفي ضوء ضغط الحاجة إلى تركيز القوة الأمريكية في شرق آسيا لمواجهة الصين، من الواضح إلى أين يمكن أن ينتهي انسحاب مثالي: بتأجيل دائم لتوسع حلف شمال الأطلسي، وبخضوع أوكرانيا للضغط الروسي الحتمي مع عدم تعرضها لغزو أو ضم، وبحمل حلفائنا من أعضاء حلف شمال الأطلسي على المزيد من عبء ضمان نطاق الأمن في شرق أوروبا.
لكن كما الحال مع أفغانستان، فإن التنفيذ الفعلي أشق من التنظير. فالتوصل إلى تفاهم مستقر مع بوتن يمثل تحديا، لأنه استثمر بشكل واضح في أن يكون مثيرا دائما للاضطراب ينتهز كل فرصة تسنح لإذلال الغرب. ولا مفر من أن يثير انتزاعنا لأنفسنا من أحابيل الوضع في أوكرانيا شكوكا حول التزاماتنا الأهم في أماكن أخرى، وهي شكوك سوف تزداد بازدياد معاناة كييف من انسحابنا. وإيكال المزيد من المسؤولية الأمنية للأوروبيين كان هدفا لم يتحقق لكل رئيس أمريكي حديث في ظل وجود مشكلة خاصة تتمثل في أن القوة الأوروبية الأساسية، أي ألمانيا، تتصرف كثيرا بوصفها حليفا فعليا للروس.
في ضوء هذه المصاعب، يصبح مسار إدارة بايدن المضطرب مفهوما، حتى لو أن مؤتمرات الرئيس الصحفية الأخيرة جاءت أكثر صراحة وفق كثير من المقاييس المعهودة. لا تستطيع الولايات المتحدة أن تقف ساكنة في حال غزو روسيا لأوكرانيا، وسوف نكون منافين للعقل أيضا لو انضممنا للحرب في جانب أوكرانيا. لذلك فإن سعي البيت الأبيض إلى الرد الأوسط الصحيح، أي بعض التوازن بين العقوبات وشحنات الأسلحة، يبدو متخبطا وغير مؤكد لسبب وجيه، وهو أنه ما من إجابة مثالية أصلا في هذا الأمر، وإنما هي الموازنة الأقل سوءا بين الخيارات.
لكنني أشعر أننا لا نزال نولي الكثير من الأهمية لفكرة أن حلف شمال الأطلنطي وحده هو الذي يحدد من ينضم إليه، وأن استبعاد عضوية أوكرانيا هو تنازل مستحيل بطريقة ما. فهذا الغرور ينطوي على مفارقة تاريخية، وهو من بقايا لحظة ما بعد الحرب الباردة حينما بدا لفترة وجيزة ـ حسبما قال المؤرخ آدم توز ـ أن بالإمكان رسم حدود العالم «على أيدي القوى الغربية، أي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بشروطها وبما يلائم قواها وتفضيلاتها».
لم يعد العالم يعمل بهذه الطريقة الآن، وتحديدا لأن العالم لم يعد يعمل بهذه الطريقة الآن فإنني سوف أشعر ببعض الارتياح ـ بوصفي مواطنا أمريكيا، لا بوصفي مراقبا للسياسات الدولية وحسب ـ حين أرى قادتنا يعترفون بذلك، بدلا من أن يتمسكوا بفكرة أننا يوما ما قد ترغمنا معاهدة على المخاطرة بحرب نووية على الدونباس.
ولو أننا لا نستطيع التخلي عن الفكرة تماما، فإن التخلي عنها لفترة طويلة ـ قد تكون خمسة وعشرين عاما مثلما اقترح توماس جراهام وراجان مينون في مقالة حديثة ببوليتيكو ـ تبدو صفقة معقولة للغاية.
وقد يكون شيء ما معقولا ويبقى مؤلما ـ مؤلما بوصفه اعترافا بضعف الغرب، ومؤلما لآمال وطموحات الأوكرانيين.
لكن القبول ببعض الألم من أجل موقف أكثر قابلية للدوام هو ببساطة ما يحدث حينما تتخذ قرارات خاطئة على مدار جيل كامل وتحاول أن تعثر على طريقة لائقة وكريمة للقيام بانسحاب ضروري.
روث دوثات كاتب عمود رأي في جريدة نيويورك تايمز خدمة نيويورك تايمز «خاص عمان»