قبيل رأس السنة، وصل إلى مطار كينيدي الدولي رجل يبلغ من العمر أربعة وأربعين عاما من مدينة صناعية في شمال إنجلترا. سجل في وثائق وصوله أن وجهته هي فندق كوينز بولفارد، ولم يثر وصوله أي أجراس إنذار.

بعد أسبوعين من ذلك، ودونما تفسير، دخل إلى معبد يهودي في ضاحية فورتورث بتكساس أثناء الصلاة، ويقع المعبد على بعد نحو ألف وستمئة ميل من كوينز وأربعة آلاف وثمانمئة ميل من بلده. وبذلك بدأت محنة دامت طوال إحدى عشر ساعة من يوم السبت أذيع طرف منها على الهواء مباشرة، واستولت على اهتمام الأمريكيين وانتهت نهاية دراماتيكية بوابل من الطلقات والرصاصات تسببت في مصرعه دون أن يصاب الرهائن الأربعة الذين احتجزهم بأذى.

يوم الأحد، حددت السلطات شخصية الرجل، وهو مالك فيصل أكرم، بريطاني الجنسية. لم يزل السبب الذي جذبه إلى تكساس مجهولا، وإن ظهر دافع محتمل عند مراجعة المحققين للطلبات الصارخة التي طلبها وهو يحتجز الحاخام وثلاثة آخرين من أعضاء معبد بيت إسرائيل في كوليفيل.

وصف الرئيس بايدن احتجاز الرهائن بـ"العمل الإرهابي" وأكدت السلطات البريطانية أن شرطة مكافحة الإرهاب اشتركت في التحقيق.

في وقت متأخر من يوم الأحد، أعلنت دائرة شرطة مانشستر الكبرى بإنجلترا أنها احتجزت مراهقيْن لاستجوابهما في أمور ترتبط بالتحقيق. لم تقل الدائرة من يكون هذان المراهقان أو لماذا يجري استجوابهما. وقال السلطات البريطانية إن مالك فيصل أكرم في الأصل من منطقة بلاكبيرن في لانكشير بشمال غرب إنجلترا.

دخل مالك فيصل أكرم الولايات المتحدة بشكل شرعي، وفقا لاثنين من المسؤولين الأمريكيين اشترطا عدم الإفصاح عن هويتيهما نظرا لعدم حصولهما على تصريح بالحديث العلني عن التحقيق الجاري.

يبدو أن العنوان الذي استعمله مالك فيصل أكرم في أوراق دخوله هو عنوان فندق كوينز نفسه بمدينة نيويورك، بحسب ما أفاد به المسؤولان.

يطل الفندق الرخيص بحسب المعايير في نيويورك ـ حيث تتكلف الغرفة قرابة ثمانين دولارا في الليلة ـ على مدخل طريق بروكلين كوينز السريع ويوصف على موقع خرائط جوجول بأنه "سكن متواضع".

برغم إقرار مالك فيصل أكرم في أوراق دخوله بأنه سوف يقيم هناك، لم يتضح إن كان قد أقام فيه بالفعل. ولم يستطع القطع بذلك موظف كان يعمل يوم الأحد. وقد حضر عملاء للمباحث الفيدرالية لمعاينة تسجيلات كاميرات المراقبة فلم يجدوا فيها ما ينفعهم بشيء حسبما قال الموظف.

في مؤتمر صحفي عقد ليلة السبت، قال ماثيو ديسارنو العميل الخاص المكلف بمكتب دالاس الميداني للمباحث الفيدرالية إن تركيز مالك فيصل أكرم ـ وإن لم يعلن اسمه في ذلك الوقت ـ "كان منصبا على موضوع واحد فقط". وقالت إدارة السلامة العامة في تكساس إن مالك فيصل أكرم كان قد طالب أثناء محنة احتجازه للرهائن يوم السبت برؤية امرأة محتجزة فيدراليا في الوقت الراهن داخل الولايات المتحدة بسبب "أحداث إرهابية" في أفغانستان.

قال أحد المسؤولين الأمريكيين إن السلطات تحقق فيما إذا كانت المرأة التي قصدها هي (عافية صديقي)، عالمة الأعصاب الباكستانية التي أدينت سنة 2010 وحكم عليها بالسجن لـ86 عاما بسبب محاولتها قتل ضباط في الجيش الأمريكي خلال احتجازها في أفغانستان.

هي مسجونة في مركز كارسويل الطبي الفيدرالي في فورتورث، على بعد قرابة أربعة وعشرين ميلا جهة الجنوب الغربي من مجمع بيت إسرائيل وفقا لمكتب السجون الفيدرالي.

وجاء في بيان للدائرة يوم السبت أن الرجل قال إنه والمرأة سوف "يذهبان إلى الجنة (أي ملكوت السماء وفقا لعقيدة المسلمين) بعد أن يراها".

بدأت الأزمة في قرابة الساعة العاشرة وأربعين دقيقة من صباح السبت، حينما تلقت الشرطة اتصالا على رقم 911 المخصص للطوارئ يفيد بأن "مسلحا دخل إلى المعبد" واحتجز العديد من الرهائن" حسبما قال مايكل سي ميلر رئيس قسم شرطة كوليفيل في المؤتمر الصحفي يوم السبت.

قال رئيس القسم إنهم عمدوا بسرعة إلى إخلاء المنازل القريبة من المعبد مع وصول مسؤولين محليين وفيدراليين إلى المشهد. وقال ماثيو ديسارنو إن مالك فيصل أكرم كان على اتصال بمسؤولي تنفيذ القانون على مدار المحنة.

قال ماثيو ديسارنو إن "فريق التفاوض ظل يجري معه اتصالات كثيرة وطويلة"، وإن الاتصال في بعض الأوقات كان ينقطع، وإن "العلاقة" بين مالك فيصل أكرم والمفاوضين "شهدت القليل من المد والجزر" وفي بعض الأوقات شهدت "توترا".

يقول خبراء التعامل مع حالات احتجاز الرهائن إن استمرار الحوار أمر حاسم.

قال روبرت جيه لاودن الأستاذ الفخري للعدالة الجنائية والأمن الوطني بجامعة جورجيان كورت في نيو جيرزي إن "محتجزي الرهائن قد يحتجزونهم لأسباب عقائدية أو إجرامية أو جنونية، ولا يمكن التيقن دائما في بداية الأزمة إلى أي من هذه الفئات ينتمي محتجز الرهائن" وأضاف أن "المعلومات التي يجري تكوينها عن الوضع هي التي تتيح لك أفضل سبل تحديد الوضع الذي تتعامل معه".

كانت صلاة المعبد تذاع عبر فيسبوك، ولفترة بعد وصول مالك فيصل أكرم، بقي البث الصوتي مستمرا، متيحا لأي شخص أن يسمع على الهواء مباشرة ما كان يطالب به في غضب.

في مرحلة ما خلال حديثه إلى أحد المفاوضين، قال مالك فيصل أكرم ـ مشيرا على الأرجح إلى الرهائن ـ "إن أبناءهم الآن مصدومون بسببكم أنتم أيها الرجال ... كونكم لا تريدون العمل معي".

وبعد أن سأل الرهائن واحدا بعد الآخر عن عدد أبناء كل واحد فيهم، بدا أنه يوجه كلامه إلى المفاوض قائلا "لماذا تريد أن يصبح سبعة أطفال يتامى؟"

وحدث ـ مثلما قالت السلطات ـ في قرابة الخامسة مساء، أن تم إطلاق سراح أحد الرهائن، غير مصاب بأذى، بينما استمر احتجاز الثلاثة الآخرين.

وفي مرحلة ما خلال الأزمة يبدو أن مالك فيصل أكرم أجرى اتصالا مع حاخام في مدينة نيويورك، حسبما قالت أنجيلا بوتشدال في المعبد المركزي في بيان صادر عن معبدها، وإن لم يوضح البيان فحوى الاتصال.

جاء في البيان أن الحاخام بوتشدال لم يكن لها اتصال مسبق بمالك فيصل أكرم "وقد اتصلت فورا بجهات تنفيذ القانون والتزمت بتوجيهاتهم". ولم تستجب الحاخام بوتشدال لطلباتنا بمزيد من التصريحات.

وقال الحاخام تشارلي سيترون وولكر ـ الذي كان ضمن الرهائن ـ في بيان صادر عن ممثله القانوني إن مالك فيصل أكرم أصبح في الساعة الأخيرة من الأزمة "متزايد العدوانية والتهديد".

بحلول قرابة الساعة التاسعة مساء نجح فريق تحرير الرهائن النخبوي التابع للمباحث الفيدرالية ـ الذي اتجه إلى الموقع في طائرة من فرجينيا ـ في اختراق المبنى وأنقذ الرهائن الثلاثة المتبقين حسبما قال مايكل سي ميلر رئيس قسم شرطة كوليفيل في المؤتمر الصحفي. وليس معروفا بعد ما الذي دفع الفريق إلى دخول المعبد والبدء في عملية محفوفة بالمخاطر لإنقاذ المصلين.

أظهر فيديو لمحطة (دبليو إف آيه آيه) الإخبارية المحلية أشخاصا يخرجون عدوًا من المعبد، وبعد لحظات يظهر سريعا شخص حاملا مسدسا في المدخل قبل أن يرتد عائدا إلى داخل المبنى. ثم تظهر في الفيديو جماعات من قوات تنفيذ القانون وهي تدخل المبنى من مدخلين. ويسمع ما يبدو أنه صوت إطلاق نار صاخب.

حينما سأل صحفي في ليلة السبت إن كان المشتبه به قد أطلق الرصاص على نفسه أم قوات تنفيذ القانون هي التي أطلقت عليه الرصاص قال مايكل سي ميلر رئيس قسم شرطة كوليفيل "أعتقد أن ذلك جزء من التحقيق الجاري".

تم التواصل مع الحاخام سيترون ووكر في منزله عصر الأحد لكنه رفض الإدلاء بأي تصريح. وكان أفراد أسرة تتردد على المعبد للصلاة قد وصلوا لزيارته فما كاد الحاخام يفتح باب بيته حتى مضوا يتعانقون عناقا شديدا.

قال الحاخام سيترون ووكر في بيان إنه والمصلون كانوا قد شاركوا في "تدريبات أمنية عديدة" نظمتها الشرطة والمباحث الفيدرالية وجهات أخرى. وقال "إننا أحياء اليوم بسبب هذا التدريب".

تم تنظيم التدريب جزئيا من خلال شبكة المجتمع الآمن في أغسطس الماضي حسبما قال قادة في المنظمة خلال مؤتمر صحفي عقد يوم الأحد.

تتشاور المنظمة مع المعابد اليهودية بشأن الخطط والإجراءات الأمنية. وقال الرئيس التنفيذي للشبكة مايكل ماسترز إن تدريب أغسطس بدأ بطلب من اتحاد اليهودي في فورتورث ولم يكن السبب فيه أي تهديد أمني معين.

ولكن المعابد اليهودية في شتى أرجاء البلد في حالة تأهب منذ أن قتل مهاجم معاد للسامية أحد عشر شخصا في معبد شجرة الحياة في بيتسبرج سنة 2018.

كان تدريب بيت إسرائيل عبارة عن تعليمات حول الإيواء في المكان، والخروج الآمن في حالات الطوارئ، ومواجهة التهديدات والوعي بالموقف، فضلا عن مواضيع أخرى.

قال ماسترز إن "التلمود يعلمنا أننا لا ينبغي أن نعتمد على المعجزات. نتمناها، ونطلبها في دعائنا، لكن علينا أن نعتمد على أنفسنا".

قالت ديفورا تيتونيك ـ وهي من المترددات على معبد بيت إسرائيل للصلاة ـ إن باب المعبد كان ينبغي أن يكون مغلقا على صلاة السبت ولا يفتح لدخول أحد إلا من الداخل، وإن المشتبه به لو لم يكن "يلوح بمسدس" لكان سمح له بالدخول على الرحب والسعة، وأشارت ديفورا تيتونيك إلى أن المعبد يستعين بفرد أمن واحد فقط للتعامل مع الأحداث الكبيرة.

قالت "نحن جماعة صغيرة من المصلين ولا نملك من الموارد المالية ما يتيح لنا أن نعين حارس أمن".

والواقع أن مالك فيصل أكرم لم يكن بحاجة إلى الدخول بالعنف. فقد قال لمفاوض خلال البث عبر الإنترنت إن المعبد سمح له بالدخول برغم أن شكله "لم يبد لطيفا".

"سألتهم: هل هذا ملجأ ليلي؟ فأدخلوني. وأعطوني فنجان شاي. لذلك أشعر بالأسف".

• شارك في التحقيق روث جراهام، ميجان سبيسيا، جيسوس جيمينيز، مايكل ليفنسن، مارجريتا برينباوم، ناداف جافرييلوف، آدم جولدمان. وشاركت سوزان سي بيتشي في العملية البحثية.

• خدمة نيويورك تايمز "خاص عمان"