قد تكون من أكثر وجهات النظر تداولا عند الحديث عن تأثيرات تطور تقنية المعلومات والاتصالات تلك القائلة بأن التقنية ذاتها تقدم لنا النافع والضار، وبأنها بالإضافة لذلك تقدم الحل لتقليل الأضرار المترتبة على استخدامها. ولعل تزايد مستوى وعي المجتمعات والأفراد، والضغوطات التي تمارسها الجمعيات المدنية والمنظمات غير الحكومية، والتشريعات التي تسنها الحكومات منفردة أو ضمن اتفاقيات تجمع عددا من الدول، إضافة إلى ما يمكن أن تبديه شركات التقنية الكبرى من مسؤولية أخلاقية ومجتمعية، كل ذلك أدى إلى وجود تقنيات وأدوات تسهم في التقليل من الأضرار التي قد تسببها تقنيات التواصل ومنها إدمان استخدام الهواتف الذكية ذاتها، وتطور تقنيات الاستهداف الإعلاني بما يشكل إزعاجا لدى المستخدمين، وقضايا خصوصية البيانات الشخصية للأفراد، وتأثيرات انتشار الشائعات والأخبار المضللة، وتعريض الأطفال للمحتوى غير المناسب، ومختلف أنواع الجرائم مثل الاختراقات وسرقة البيانات والاحتيال والابتزاز الإلكتروني وغيرها.

ولعل من أبرز ما تم تقديمه من حلول للتخفيف من الممارسات والظواهر المذكورة أعلاه المزايا التي بدأت أنظمة تشغيل الأجهزة الذكية تضمينها من أجل تعزيز الرفاهية - أو الصحة - الرقمية Digital Wellbeing عبر إمكانية الاطلاع على الأوقات التي يقضيها الفرد في استخدامه جهازه الذكي وتصنيف تلك التصنيفات وضبط تنبيهات للتذكير بالتخفيف من الاستخدام، وتعطيل تنبيهات التطبيقات كليا أو عند وصولها لحد معين. كما تم ابتكار برمجيات وملحقات تضمن في متصفحات الإنترنت من أجل حجب الإعلانات أو التخفيف منها، بينما قدمت بعض الشركات نسخا مدفوعة من منصات المحتوى التابعة لها بحيث يتم حجب كافة الإعلانات التي قد تظهر أثناء تصفح المستخدم لمحتوى على تلك المنصة، مثل خدمة يوتيوب بريميوم التي يمكن للمستخدم مشاركتها مع مستخدمين آخرين من أفراد عائلته. كما قامت بعض منصات التواصل وتطبيقات التراسل الفوري بإجراء تعديلات بحيث تحد من انتشار المحتوى المسيء والشائعات والأخبار المضللة والشائعات مثل واتس آب وتويتر وفيس بوك، إضافة إلى إظهار أنواع المرشحات "الفلاتر" التي يستخدمها الأفراد في تطبيقات المحتوى المصور مثل إنستجرام وسناب شات. كما تقوم شركات التقنية ومنصات التواصل أحيانا بتعديل سياسات الخصوصية لديها ما يواكب تحفظات مختلف الأطراف ذات العلاقة من أجل تعزيز الخصوصية بالإضافة إلى تبني تقنيات وبرمجيات تسهم في حفظ البيانات الشخصية في بيئات محمية إما ضمن عتاد الأجهزة الذكية أو عبر خاصية تسجيل الدخول بخطوتين أو ترميز البيانات أو غيرها.

أما فيما يتعلق بحماية الأطفال على الإنترنت فقد حظي هذا الجانب باهتمام كبير من أطراف مختلفة في ظل استمرار انتشار تقنيات التواصل ودخولها ضمن مجالات متنوعة مثل التعليم والترفيه والتواصل واللعب. فمع تطور تقنيات توصيل الإنترنت اللاسلكي في المباني والمنازل ظهرت أجهزة تعمل بـ "تقنية الشبكة Mesh Technology" بحيث يتم ربط الجهاز المسيّر للإنترنت Router بمجموعة أجهزة صغرى ترتبط ببعضها بشكل شبكي لتوفير تغطية متكاملة. وما يميز هذه الأجهزة أن معظمها يصاحبه تطبيق للأجهزة الذكية يمكن للمستخدم التحكم في إمكانية اتصال أي مستخدم بتلك الشبكة ووضع كلمات مرور مختلفة لأشخاص مختلفين، وحجب أو توقيت إمكانية الاتصال بالإنترنت لأجهزة معينة، وإمكانية مراقبة معدلات استخدام وأوقات نشاط أجهزة معينة، وحجب بعض المواقع والتطبيقات، وكذلك إمكانية إدارة أجهزة التلفاز والسماعات وغيرها.

من جهتها فقد عملت كبرى شركات التقنية على تقديم أوضاع تشغيل Profiles خاصة للأطفال في أنظمة التشغيل الخاصة بها بحيث يقوم الوالدان بضبط إعدادات ذلك الوضع مع إمكانية التحكم بما يمكن أن يختاره الطفل من تطبيقات للتنزيل أو اشتراكات في الخدمات الإلكترونية أو أوقات الاستخدام أو المواقع التي يمكن زيارتها عبر الجهاز، إضافة إلى حجب المحتوى غير اللائق من الظهور على جهاز الطفل. كما واكب ظهور أوضاع التشغيل تلك تطبيقات تقدمها شركات مختلفة باشتراكات شهرية أو سنوية تمكن الوالدين من التحكم بما يمكن أن يتعرض له الطفل من محتوى، أو طريقة استخدامه للأجهزة الذكية والحواسيب، أو الأوقات التي يسمح للطفل خلالها باستخدام الأجهزة الذكية. وقد أصدرت مجلة PC العالمية المتخصصة في موضوعات التقنية والأجهزة الذكية دليلا تم تحديثه منذ أسبوعين يستعرض أبرز التطبيقات والأدوات التي يمكن للوالدين الاستعانة بها من أجل التحكم بطبيعة استخدام الأطفال للأجهزة الذكية، ما يعني توفر خيارات جيدة وسهلة الاستخدام من أجل تحقيق ذلك الغرض.

غير أن أهم ما يمكن تسخيره من أدوات التحكم الأبوي الوقت؛ فمع تصورنا بأن الحياة باتت أكثر ازدحاما بالأعمال والالتزامات نميل في معظم الأوقات إلى عدم تخصيص الوقت الكافي من أجل تقوية الروابط مع الأطفال ومتابعة بعض جوانب حياتهم اليومية وخصوصا طبيعة استخدامهم للأجهزة الذكية وشبكة الإنترنت ومنصات المحتوى والألعاب الرقمية، والتي قد يلجأ كثير من الأهالي إلى إتاحتها لأطفالهم من أجل الإلهاء أو الإسكات أو قضاء بعض الوقت بعيدا عنهم. إضافة إلى ذلك وبطبيعة الأطفال التي تميل لتقليد الوالدين في تصرفاتهم، فإن مدى ارتباط الوالدين بأجهزتهم الذكية والأوقات الطويلة التي يقضونها في استخدامها تغرس في الأطفال الرغبة في استخدام تلك الأجهزة والتعلق بها. وأخيرا ولأن التأثيرات السلبية للاستخدامات الخاطئة للإنترنت والأجهزة الذكية من قبل الأطفال باتت واضحة للعيان فيما يتعلق بالتأثيرات النفسية والذهنية والأخلاقية والمجتمعية والدينية، فإنه يتوجب على جميع الأطراف ذات العلاقة من جهات رسمية ومؤسسات المجتمع المدني ووسائل الإعلام والفاعلين عبر منصات التواصل الاجتماعي والأفراد تكثيف التوعية بالأدوات المتاحة والممارسات الصحيحة في الإشراف على استخدام الأطفال التقنية والأجهزة والتحكم فيها بما يحقق أقل التأثيرات السلبية الممكنة.

• بدر الهنائي مهتم بالاتصالات الاستراتيجية والهوية المؤسسية