في جلساتنا اليومية، وأحاديثنا الدائمة بصالة تحرير «جريدة عُمان»، خلال التسعينيات الماضية، كان الزميل الرَّاحل الشاعر علي بن سهيل حاردان (ت: 2008م)، يُوشِّي كلامه أحيانًا بمفردات أسمعها لأول مرة، تتناهى إلى سمعي بجرسها الموسيقي السَّريع، يتكلَّم بها بعض من أهل ظفار، وبالأخص ساكني الجبل، فعلمت أنها لغة شفاهية غير مكتوبة، تتناقل مفرداتها الأجيال سماعيا، كإرثٍ لغويٍ لا ينفد.

وبعد سنوات، وقفت على كتاب يتناول اللغة الجَبَّالية الشحرية، عنوانه «لغَة عَاد»، للباحث علي بن أحمد الشحري، وكان بالنسبة لي اكتشافًا جديدًا، فمنه قرأت عن هذه اللغة، وتاريخها الثقافي والحضاري، الكتاب مهم في مجاله، ويثري قارءه بمعلومات عنها، وقد أثراه بصور ضوئية ونقوش حروفية، ونقل فيه شيئًا من ثقافة المجتمع، كتخصيصه فصلًا كاملًا عن الأمثال الظفارية باللغة الشحرية، والمعتقدات الشعبية، وغيره مما حواه الكتاب، ويضرب أمثلة على مفرداتها وأمثالها، وحياة الناس في جانب من سفوح جبال ظفار.

كان هذا الكتاب هو أول ما قرأته عنها، وكنت أتمنى لو أنَّ أحدًا من مثقفي هذه اللغة، يلتفت إلى جَمْع موروثها الأدبي، فبلا شك لها شعراؤها وأدباؤها، مثلما لها أمثالها ونصوصها وقصصها وحكاياتها السَّاحرة.

ثم أتت مرحلة أخرى، تعرَّفت فيها على اللغة الجَبَّالية الشحرية بصورة معجمية، بظهور معجم صنعه أحد أبناء هذه اللغة، وهو الباحث أحمد بن محاد المعشني، وكتابه المهم: «معجم لسان ظفار»، جبالي – عربي فصيح، (تيمُّنًا بعنوان المعجم العربي الشهير «لسان العرب»، لشيخ المعجميين العرب ابن منظور)، المعجم، ص: 25، ووضع لهذه اللغة السماعية والشفاهية معجمًا خاصًا بمفرداتها، يقارب ألف صفحة، جمع مفرداته من معينه اللغوي، ومما تبقى في ذاكرة كبار الناس (الشِّيبان)، الذين يتحدثون بها سليقة كما تعلموها من آبائهم، دون أن يدخل عليها تحريف أو لُكْنَة، ولا أن تتأثر بفعل التعليم الحديث والانفتاح المعرفي، وجَمَعَها من مصادر أخرى ذكرها في مقدمة كتابه، فجاء المُعجَم بعد حالة تأمل فكرية استغرقته زمنًا، إذ ليس من السهل أن يصنع معجمًا للغة ليست لها حروف مكتوبة، ولكنه اتخذ قراره في صناعته، ليُسْهم بهذا المعجم توثيق مفرداتها الشفاهية، فيكتبها كما ينطقها ويتحدث بها أهلها.

وبداية أحبُّ أن أسْدي الفضل لمؤلف المعجم، الذي أهداني مشكورًا نسخة منه، ووجدت فيه مُتعَة قرائية، فتعرَّفت على كم هائل من مفردات اللغة الجَبَّالية، وعلى باحث ظهرت كفاءته في تكوين وتشكيل المُعجَم، وتبيَّنت لي رقته الأدبية التي صاغ بها الكتاب، بلغة عربية فصيحة شيقة، ظهرت في المقدمة والتمهيد، الذي كان بمثابة درس مهم، قبل الولوج إلى عالم هذه اللغة، وكذلك في تفسيره للمفردات الجَبَّالية، بما يقابلها من معنى في العربية الفصحى.

أخذت المقدمة 18 صفحة من المعجم، تحدث فيها عن أهمية القواميس والمعاجم في حفظ اللغة، وأن المعجم ثمرة سنوات من العمل الشاق الدؤوب، يأتي وفاءً للغته الأم «الجَبَّالية أو الشحرية»، لتدوين معجم خاص بها، رغم التحديات الصعبة التي تجاوزها، ذكرها تفصيلًا في المقدمة، وأشاد بفضل المستشرق البريطاني الدكتور «تومسون جونستون» الذي أنجز في عام 1981م معجمًا عن اللغة الجَبَّالية بعنوان: (JIBBALI LEXICOON)، والمستشرق الياباني «أكايو نكانو»، الذي زار ظفار مرتين، في خريفي: 1998 و1999م، (أبلغني مؤلف المعجم أن المستسرق نكانو توفي).

يقول المعشني: (كان البروفسور ناكنو يتلو عليَّ من صحيفته كلمات الجَبَّالية، كأنه عاش دهرًا في «دربات»، أو مكث أمدًا في «نحيز»، أو قضى شطرًا من عمره في «رخيوت»، بفعل دقة الطريقة التي اتبعها ويتبعها أمثاله من المهتمين باللسانيات السَّامية والحامية)، المعجم، ص 18.

وبعد أن صرف المعشني عنه الوسوسات المحبطة، وضع خطة لصناعة المعجم، تضمنت خمس مراحل يصفها بالخطوات، وقسَّم حروف اللغة إلى مجموعتين: الأولى؛ (حروف جَبَّالية يتطابق نطقها تمامًا مع نطقها بالعربية، وعددها 25 حرفًا، وهي: (أ ب ت ث ج ح خ د ذ ر ز س ش ط ظ ع غ ف ك ل م ن و هـ ي)، والثانية: حروف يختلف نطقها مع نطق الحروف العربية الحالية، ومجموعها 8 أحرف، وردت في جدول مرفق ضمن المعجم.

وأكد المؤلف في مقدمته، أن القراءة الصحيحة لبعض الكلمات قد تحتاج إلى مِران وتدريب، وعلى القارئ أن لا ينزعج من صعوبة قراءة بعض الكلمات الجَبَّالية، وأن يتريَّث قليلاً قبل أن يُنحِّي المعجم جانبًا، بعد أن يئس من قراءة كلمة أو كلمات فيه.. إلخ، المعجم، ص: 26.

وفي التمهيد المهم بعد المقدمة، جاء في 56 صفحة، بمثابة نص مفتاحي للولوج إلى عالم اللغة الجَبَّالية، تناول فيه الباحث الجغرافيا الطبيعية واللغوية لمنطقة البحث وهي ظفار، ومن ثم التعريف بالجَبَّالية أو الشحرية، من حيث هي لغة أم لهجة؟، أتْبَعَها بمناقشة مسمياتها، والمصادر الجغرافية اللغوية، وعدد حروفها، وهو مهاد يمنح القارئ ثقافة حول اللغة، وإذا تجاوزنا الحديث عن جغرافيا ظفار، وسهول «جربيب»، و«صلوت»، والشمالية الشرقية و«جبل سمحان» في شرق ظفار، و«جبل القِرا» في الوسط، و«جبل القمر» في الغرب، و«بادية ظفار»، وإذا بلغنا مع المؤلف الجغرافيا اللغوية لظفار، علمنا منه أن اللغة العربية الفصحى وتسمى باللغة الجَبَّالية (عريت) أو (أعريت)، نطاقها الجغرافي المدن الساحلية «صلالة وطاقة مرباط»، وهم سكان المدن، أو كما في اللغة الجَبَّالية (بعهل أو بعل حَلْتْ)، أما اللغة الجَبَّالية أو الشُّحرية (شحرات) (اشحرات)، أو (جبلات)، (اجبلات)، والمتحدثون بها هم (بعهل)، (بعل شحهر/ شحر)، أي سكان الجبل، فهي لغة جميع سكان سلسلة جبال ظفار، وسكان سهلي «جربيب وصلوت»، ثم لغة البدو (فجرات)، لغة بدو ظفار، وهي كما يقول المؤلف: اللغة المهرية، واللهجة الظنية العربية، يتحدث بها قبائل المهرة، وتتوزع في المناطق الشمالية المتاخمة لسلسلة جبال ظفار، وبالتعبير اللغة الجَبَّالية (ديهرج مهرات)، أي يتكلم المهرية، أو (ديهرج كثيرات)، أي يتحدث لهجة آل كثير، المعجم، ص36.

وإذا تجاوزنا السؤال الذي طرحه المؤلف: هل الجَبَّالية لغة أم لهجة؟، وتأكيده أنها لغة متكاملة، وتشكِّل منظومة لغوية مستقلة بذاتها، فهي ليست لهجة للعربية الفصحى، رغم وشائج القُرْبَى بينهما، وليست لهجة للمهرية، وكذلك إذا قرأنا في مِهادِه حول تسمية وأصل هذا اللغة وتاريخها، وهل حقا ظفار كانت قديمًا أرض الأحقاف، وبالتالي فهذه اللغة الجَبَّالية هي لغة عاد الأولى، لقرأنا نفي الباحث لها لعدم ثبوتها، حيث يقول: (لا أرى أنها العربية الأولى، لعدم وجود ما يساعدنا على تبني هذا الرأي، كما أنني لا أعتقد أنها لغة عاد، لعدم معرفتنا بشيء يذكر عن قوم عاد ولغتهم، غير الذي ورد في القرآن الكريم، وما ورد بالتأكيد لا يشجعنا على تبنِّي هذا الطرح، كما إنها ليست لهجة من اللهجات الحِمْيَريَّة، أما القول بمهريتها فلا يستقيم مع المنطق، إذ إن المهرية والجَبَّالية موجودتان منذ أمد بعيد، في هذا الحيز الجغرافي المعروف حالياً بمحافظة ظفار (لسان ظفار: ص60 – 61).

وأخيرًا: الشكر الجزيل للباحث المعجمي أحمد بن محاد المعشني على هذا القاموس الثري، الصادر في طبعته الأولى عام 1435هـ/ 2014م، كأول عمل موسوعي حول اللغة الجَبَّالية الشحريَّة، يقع في 991 صفحة، فله الشكر على ما بذله في معجمه، من جمع دقيق لمفردات اللغة، وعبر موقع اليوتيوب يمكن سَمَاع الجرس الموسيقى لمفرداتها المُسَجلة صوتيًا.

لقد قيَّض الله لهذه اللغة مجموعة من المستشرقين الوارد ذكرهم في سياق الموضوع، دوَّنوا مفرداتها قبل أن تنقرض، إلى جانب مجموعة من الباحثين العمانيين، خرجوا بمؤلفات، من بينهم: الباحث الدكتور محمد بن سالم المعشني، في كتابيه: «لسان ظفار الحميري المعاصر»، وكتاب «الإضافة، قراءة نقدية في كتابي لغة عاد، والعربية عبر الزمن»، وعلي بن محسن آل حفيظ وكتابه: «من لهجات مهرة وآدابها»، و«مفردات من اللهجة الشحرية»، للشيخ محمد بن مسلم بن طفل المسهلي، إلى جانب رسائل ماجستير خدمت هذه اللغة، كرسالة علي بن سالم المعشني بعنوان: «البُنَى التركيبية والأساليب النحوية في اللغة الجَبَّالية، موازنة بالعربية الفصيحة»، وخصص الكاتب العماني إبراهيم سعيد مقالة بعنوان: «لغة الجبل»، نشرها في موقع «مجلة الفلق» الإلكترونية، بتاريخ: 27 سبتمبر 2016م.

يبقى أن هذا المعجم جهد فردي، وعسى أن يتمكن الباحث في طبعات قادمة من استدراك ما فاته من مفردات، وتوشيته بخرائط ورسومات بيانية، أو صور ضوئية، وتغذيته بنصوص شعرية، وأمثلة شعبية وغيرها، ويثريه بالمعارف الخصبة للمجتمع.