د. حميد بن محمد البوسعيدي

يهدف هذا المقال إلى إبراز بعضا من المفاهيم حول القيادة والإدارة، وبيان كيفية ممارسة الأفراد الذين يشرفون على المؤسسات سواء الحكومية أو الخاصة منها، لعناصر القيادة الملهمة. مفهوم القيادة قد يختلف قليلا عن الإدارة، فالقيادة لها تعريفات مختلفة حسب ما يتطلبه الوضع وحسب حالة القيادة المطلوب القيام بها. ومن تعريفات القيادة هي: مدى قدرة الفرد على جعل العاملين يحققون الأهداف المخطط لها. عليه فالقائد يمتلك سمات تميزه عن بقية الأفراد في قيادة فريق العمل نحو التميز أو الإبداع أو الابتكار، طرق تجعل المؤسسة قادرة بشكل أفضل على الصمود في وجه الأزمات والتحديات. بينما في الجانب الآخر الإدارة هي: قيام الفرد بممارسة وتطبيق المفاهيم العامة للإدارة من تخطيط وتنظيم للعمل وإشراف وتوزيع أو تفويض للمهام والاختصاصات.

على مر الزمان هناك قادة غيروا مجرى التاريخ الإنساني في مجالات الدين والسياسة والاقتصاد والتجارة، هؤلاء القادة كانت لديهم صفات أو سمات شخصية متميزة، حيث يختلف الكتاب والباحثين في ماهية تلك الصفات وما إذا كانت فطرية نشأت معهم منذ ولادتهم، وبالتالي عناصر القيادة الفذة التي لديهم لم يحصلوا عليها عن طريق التعلم أو الخبرات العملية طوال مشوارهم المهني. الفريق الآخر له رأي مغاير، وهو أن القيادة يمكن اكتسابها عن طريق التعلم والشهادات العلمية والدورات التخصصية عالية المستوى وليست فقط نتاج فطري.

بين هذا وذاك فإن الغالبية يؤيدون أن القيادة تقبل النوعين فهي ممكن أن تكون فطرية منذ الولادة تتطور مع الفرد، وأيضا ممكن اكتسابها عن طريق الممارسة والتأهيل العالي في تعلم فن القيادة. إضافة إلى ذلك القيادة والإدارة هما عنصران وإن اختلفت التسمية فهما ضروريتان في أية وظيفة إشرافية أو قيادية عليا وفي كل مؤسسة أو شركة حكومية أو خاصة. القيادة أصبحت علما من علوم إدارة الأعمال وبالرغم من أهميتها فقلما تجد برامج في الدراسات الجامعية أو العليا تعنى بهذا الفرع من العلوم على المستوى الوطني. كما أن المهتمين ببرامج القيادة أو رواد القيادة قليلون على المستوى العربي، وبالتالي الخطوات الإيجابية التي اتخذتها سلطنة عمان قبل عدة أعوام بتأهيل القياديين التنفيذيين للعمل بالقطاع الخاص أغلبها كانت تعقد خارج الدولة نظرا لشح الكفاءات التي تستطيع إدارة مثل هذه البرامج، وبالتالي تلك البرامج كان لها صدى واسع وأفرزت عن تأهيل مجموعة من القيادات العمانية التي تقلدت وظائف عليا بالقطاعين العام والخاص.

أيضا مفهوم القيادة يختلف نوعا ما عن الإدارة، فالقيادة هي إيمان داخلي لدى الفرد قد لا يحتاج إلى تعليم عال ومعرفة علمية بأدق التفاصيل في المجال الذي يعمل به، بل الحاجة تكون أكثر إلحاحا في التمكن من قيادة العاملين وتوجيههم ومساندتهم في قيام المؤسسة نحو اتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب التي تساعد في تحقيق الأهداف بأعلى درجة نجاح ممكنة. القائد الناجح قد لا يحتاج دائما إلى مناقشة أدق تفاصيل العمل فهذا عمل الاختصاصيين، هو يكتفي بالمؤشرات المهمة التي تقود النجاح، على سبيل المثال الرئيس التنفيذي لشركة ما، تهمه مؤشرات الإنتاجية مؤشرات الميزانية ومعدل الربحية، العائد على الاستثمار، مدى إنجاز الخطط التشغيلية، حيث أن نظرته تكون بعيدة وفكره إستراتيجي طويل المدى وليس قصير المدى كما هو الحال عند المدير التقليدي.

مما سمعته قبل أعوام أن أحد العاملين في مجال المحاسبة عكف على إعداد تقرير عن سير الحسابات المالية للشركة لكي تقدم للمسؤول التنفيذي الأعلى بالشركة، إلا أن المسؤول اكتفى بالمؤشرات المهمة من التقرير وقال هذا لي وباقي التقرير وتفاصيله لكم. القادة ليسوا كالمديرين، فهم تواقون للتحديات يعملون بكل طاقاتهم لحل المشاكل المتصلة بمسار العمل وأيضا يكونون على قرب من العاملين يتعرفون على الصعوبات التي تعيق تقدمهم المهني والوظيفي لإيمانهم بأن العاملين هم الأساس في أي نجاح لأية مؤسسة أو شركة.

القادة لا يهتمون بأن يكونوا على دراية علمية دقيقة بالمؤسسة التي يشرفون على إدارتها لأن هناك أشخاص مهنيين كل في مجال عمله، وبالتالي وظيفة القائد هي إعادة البوصلة إلى مكانها الصحيح كلما حدث انحراف غير متوقع. نستشهد بما حدث في التعديل الوزاري بالمملكة المتحدة قبل بضع شهور، وزير المالية تم تعيينه ليكون وزيرا للصحة بالرغم من الاختلاف الجذري في طبيعة الوظيفتين، وبالتالي الفكرة كانت بأن الحاجة للقيادة أكثر إلحاحا من الحاجة إلى التخصص الدقيق لبعض الوظائف.

القادة عملهم إشرافي فهم يستمعون أكثر مما يتحدثون لأن قلوبهم مفتوحة للعاملين معهم أكثر من أبواب مكاتبهم فهم يتناقشون ويتشاورن معهم بأسلوب مثالي وعاطفي أيضا، مكان العمل ليس لإطلاق التعليمات والقرارات ومتابعة حضورهم اليومي وإنما القادة لديهم قناعة بأن مكان العمل هو البيت الثاني للعامل يجب أن يحس بالولاء له وبالتالي عندما يتولد الولاء الداخلي لدى العامل فسوف يقبل على العمل وهو منشرح الصدر وبهمة وإنتاجية عالية.

في كتابه مهارات القيادة للمديرين أشار كادول شارلز (2004) بأن القادة يحاولون دائما ابتكار طرق جديدة في العمل، تجديد أدوات قياس جديدة، اكتشاف بدائل جديدة تعمل على التحسين المستمر للخدمة المقدمة للزبائن أو المنتج للوصول لمستوى رضى أعلى للمستهلك النهائي.

في المقابل المديرون يفضلون البقاء على نمط العمل لفترة طويلة يخافون من التجديد فأغلب وقتهم يمارسون فيه عناصر الإدارة من تخطيط وتنظيم وإشراف ومتابعة، وبالتالي الروتين هو الغالب في ممارساتهم اليومية حتى في أبسط الأمور. من المشاهدات التي عايشتها بأحد البنوك المحلية وأثناء إنجاز معاملة بأن نمط الإجراءات والأوراق المطلوبة وحتى نوعية الخطاب الموجه للزبون نفسه لم يتغير بالرغم من طول الفترة الزمنية ومرور ما يزيد على خمسة أعوام بين المعاملة الأولى والثانية. عليه بالرغم من إمكانية التغيير في الإجراءات وسهولة استحداث أساليب جديدة كون المعاملة بشركة خاصة، إلا أن القائم على إدارة ذلك الفرع البنكي كان يمارس الإدارة وليس القيادة.

المفهوم السائد بأن القائد هو شخص له سمات وصفات غير عادية قد يكون صحيحا، ولكن إقحام مفهوم القائد بأن يكون له أتباع «Followers» يؤمنون بمبادئه وأفكاره بحاجة إلى إعادة نظر. المسؤول الحكومي الذي يشرف على مؤسسته ويستطيع أن يغير اتجاه مسار العمل من منحنى غير منتج إلى منحنى استثنائي يتسم بالإنتاجية والشغف وسرعة الأداء يعتبر قائدا وإن لم يكن له أتباع. مسؤول المؤسسة أو الشركة الذي ينجح في تعديل النتائج التشغيلية من مؤشرات خاسرة إلى مؤشرات ذات ربحية يعتبر قائدا وإن لم يكن له أتباع، مدير المدرسة الحكومية أو الخاصة الذي يعدل الخطة التعليمية من منحنى تعليمي غير مرض إلى منحنى يلقى منه الثناء والإشادة من المسؤول الأعلى ومن أولياء الأمور يعتبر قائدا.

المسؤول الحكومي الذي يلغي الروتين المعتاد في مكتبه وفي تعامله مع الموظفين والمستفيدين من الخدمة ويواجه التحديات بكل شغف يعترف في حالة حدوث خطأ أو تقصير -إن وجد- ويبدع في أن تكون الوحدة التي يشرف عليها تعمل ضمن منظومة الفريق الواحد يعتبر قائدا وليس مديرا وإن لم يكن له أتباع. وبالتالي من الممكن أن يتسم الفرد بسمات القيادة وله أتباع يتعلمون منه وأيضا في الجانب الأخر هناك قادة من الممكن أن تكون لهم بصمات غير عادية وأفكار استثنائية لكن ليس بالضرورة أن يكون لهم أتباع.

عليه في ظل هذه المتغيرات غير العادية والأزمات على الساحة الاقتصادية، فإن الحاجة أصبحت ماسة لإعداد قادة المستقبل الذين يشرفون على مؤسساتنا الحكومية منها والخاصة وأن تكون رؤيتهم وطموحاتهم بعيدة المدى وبأن يكون إشرافهم على تلك المؤسسات في جميع قطاعات العمل والاقتصاد والتعليم والصحة، بأسلوب قيادي وليس إداري تقليدي من أجل السير بسلطنة عمان نحو نهضة متجددة وبعزيمة قوية الأركان.

• د. حميد البوسعيدي خبير بجامعة السلطان قابوس