إيما بروكس
ترجمة: أحمد شافعي
هناك منذ بداية الوباء مصدر بسيط، لكنه مستمر، للضيق، ذلك هو استحالة التركيز. ظل يتردد بيني وبين أصدقائي، مرات لا حصر لها، قول أحدنا للآخرين "إنني غير قادر على عمل أي شيء"، ونعني بذلك أي شيء على الإطلاق يستوجب من الطاقة أكثر مما قد يستوجبه استعراض صفحة الإنترنت على شاشة الهاتف.
على مدار الشهور الاثني عشر الماضية، كان المشهد يبدو في نهايات الأيام ثابتًا إلى حد كبير، فأنا أجلس على الأريكة، ذاهلة بعد ساعات من المشاهدة النهمة، ويكون جلوسي ذلك أو ذهولي مقدمة لأن أجر نفسي جرًا إلى السرير. ويا لها من طريقة لتزجية الوقت، مملة، مقبضة، خالية من العناصر الغذائية. ويا لها أيضًا من عادة يصعب الخروج عليها.
كانت الضحية الكبرى بالنسبة للكثيرين منا هي القراءة. فقد بدا أن الكتب ـ وبصفة خاصة كتب السرد الروائي في حالتي ـ تقتضي مستويات من الاشتباك، استثنائية، توشك أن تكون منتمية إلى غير هذه الأرض. فعلى مدار شهور في المرة الواحدة، ما كان لكتاب أن يجتذبني، وكنت كلما تناولت عنوانًا عدت فنحيته جانبًا. وصار في شتى أرجاء شقتي، بجانب الأكواب الوسخة والجوارب الضالة، أرخبيل من الكتب التي بدأت فيها ثم لم أكملها. ومع تفشي الوباء، توقف نظام مكتبة نيويورك العامة عن فرض الغرامات على تأخير الكتب المستعارة، مزيلًا بذلك الدافع الوحيد الذي كان يحملني على إنهاء أي شيء.
الغريب أن هذا أصبح مزعجًا. أتذكر نظري إلى أرفف مكتبي وقد امتلأت بكتب مشحونة منذ سنين، عابرة الأطلنطي من لندن بتكلفة مالية هائلة. كان بوسعي وفقًا لنظام ترتيب الكتب على الأرفف أن أرصد سنوات ضراوتي في القراءة، حينما كان الكتاب يقود إلى الكتاب، وبعده الكتاب، ثم الكتاب. وكان بوسعي أن أرى أيضًا كيف تضاءلت تلك الطاقة بمضي السنين فلم تعد أكثر من فورات حماس متقطعات.
عرفت دائمًا فترات خمول وتأخر، وفترات طوال لا يستولي فيها شيء عليَّ. لكنها لم تكن قط مثل هذه الفترة. لم أدر هل لذلك علاقة بالوباء أم أن علاقته قد تكون أكبر بمنتصف العمر. لعلي وصلت إلى تلك الفترة ـ كتلك اللحظة التي تنزلق فيها محطة إذاعية موسيقية بسلاسة إلى محطة إذاعية أخرى، ثم إلى الموت ـ التي لم يعد شيء فيها يثير اهتمامي. خطر لي مذعورةً أن ذلك ربما هو الحال. لقد شخت وانتهيت إلى حالة فقدت فيها الفضول، وامتلأ لديَّ الهارد ديسك إلى حد التخمة، وأنني أبليت نفسي، ولم يبق لي من أمل في العلاج.
أفضى الوضع إلى بعض الإجراءات اليائسة. بدا لي أن إعادة تشغيل تلك السيارة المعطلة هو التحلي بالصلابة. حسن، ربما لن أكتب رواية خلال الوباء، لكنني ربما أستطيع أن أرغم نفسي على قراءة رواية، رواية واحدة. وهكذا ذات ليلة، بعد أن نام الأولاد، قاومت مشاهدة حلقة أخرى من برنامج "ليالي الجمعة" واقتحمت الجزء الأول من رواية البحث عن الزمن المفقود لمارسيل بروست، وهو الكتاب الذي تنقل معي، وفقا لتقدير متحفظ، عبر ثلاث قارات وسبعة عناوين بيوت، دون أن أقرأه. أقرأ الجملة الافتتاحية من الرواية: "لوقت طويل كنت آوي مبكرًا إلى فراشي". ووووووو لا مزيد.
ثم كانت إخفاقات أخرى. لو أن بروست كان أكثر مما يحتمله نظامي المنهار، فماذا عن القصص القصيرة الكاملة لجون تشيفر، وهذا كتاب ظللت أعتزم قراءته منذ أن تناولته في متجر للكتب المستعملة في بروفنستاون، بولاية مساتشوستس، قبل ثماني سنوات؟ مضيت عبر سبع قصص قصيرة، كلها جميلة الكتابة، بعضها قديم بعض الشيء، وليس بينها ما أمكنه إقناعي بمواصلة القراءة. جربت اللجوء إلى قراءة مريحة: سيرة فاليري جروف الممتازة لدودي سميث التي أحبها لكنني لم أستطع الثبات عليها. ربما الرعب هو ما كنت أحتاج إليه لأماثل العالم الداخلي مع العالم الخارجي المحيط. لكن رواية "لم نزل نعيش في القلعة" لشيرلي جاكسن لم يثبت نجاحا تاما، وتوماس ليجوتي الذي كنت تقريبًا أتطلع إلى قراءته لم يصادفه النجاح بدوره. والنجاح الوحيد الذي حققته في الصيف الماضي كان في كتاب "إيحاءات" لزادي سميث، وهو ست مقالات عن الوباء انتشلتني لفترة وجيزة من ركودي. لكنه انتهى بسرعة شديدة دون أن يقودني إلى غيره.
لم يصلح الأمور في النهاية إلا الإحساس بالخزي. ففي كل ليلة كان لدى ابنتي البالغتين من العمر ست سنوات واجب قراءة لمدة خمس وعشرين دقيقة. وكثيرًا ما كانتا تتذمران منه، وكثيرًا ما كنت أعبس في وجهيهما بسبب ذلك. سألتني ابنتي قبل أسابيع قليلة "كيف يكون علينا نحن أن نقرأ بينما أنت لا تقرئين؟" وكانت محقة. ففيما يقرآن كنت في الغالب أستعرض الإنترنت على شاشة الهاتف أي أنني كنت ما درج الآباء على وصفه بالقدوة السيئة. وهكذا، على مضض، صرت أُجلس نفسي معهما على الأريكة لخمس وعشرين دقيقة وأرغم نفسي على القراءة.
فتحت رواية "عيونهم كانت تراقب الرب" لزورا نيل هيرستن التي بقيت على الرف دونما قراءة لعشر سنين، وأفلحت معي على الفور، إما بسبب عبقريتها، أو بسبب سيكولوجيا الوقت المحدد. بعدما انتهيت منها، انتقلت إلى "نمر القمر" لبينيلوبي لايفلي فكانت بالضبط ما أحتاج إليه: تلك النظرة الطويلة من امرأة عجوز تحتضر في مستشفى، ذكَّرتني بأن كل شيء سوف يمر. في الأسبوع الماضي بدأت أقرأ "الملاك" لإليزابث تيلور. لقد كنت قبل زمان بعيد أحب كتب تيلور، لكن هذا بدا من غلافه مملا على نحو عدواني وكنت في غيظ أختبر نفسي. ويا إلهي، يا للكتب من شيء مذهل، إنها جيدة على نحو مستحيل!
• إيما بروكس مؤلفة وكاتبة عمود في صحيفة الغارديان
ترجمة: أحمد شافعي
هناك منذ بداية الوباء مصدر بسيط، لكنه مستمر، للضيق، ذلك هو استحالة التركيز. ظل يتردد بيني وبين أصدقائي، مرات لا حصر لها، قول أحدنا للآخرين "إنني غير قادر على عمل أي شيء"، ونعني بذلك أي شيء على الإطلاق يستوجب من الطاقة أكثر مما قد يستوجبه استعراض صفحة الإنترنت على شاشة الهاتف.
على مدار الشهور الاثني عشر الماضية، كان المشهد يبدو في نهايات الأيام ثابتًا إلى حد كبير، فأنا أجلس على الأريكة، ذاهلة بعد ساعات من المشاهدة النهمة، ويكون جلوسي ذلك أو ذهولي مقدمة لأن أجر نفسي جرًا إلى السرير. ويا لها من طريقة لتزجية الوقت، مملة، مقبضة، خالية من العناصر الغذائية. ويا لها أيضًا من عادة يصعب الخروج عليها.
كانت الضحية الكبرى بالنسبة للكثيرين منا هي القراءة. فقد بدا أن الكتب ـ وبصفة خاصة كتب السرد الروائي في حالتي ـ تقتضي مستويات من الاشتباك، استثنائية، توشك أن تكون منتمية إلى غير هذه الأرض. فعلى مدار شهور في المرة الواحدة، ما كان لكتاب أن يجتذبني، وكنت كلما تناولت عنوانًا عدت فنحيته جانبًا. وصار في شتى أرجاء شقتي، بجانب الأكواب الوسخة والجوارب الضالة، أرخبيل من الكتب التي بدأت فيها ثم لم أكملها. ومع تفشي الوباء، توقف نظام مكتبة نيويورك العامة عن فرض الغرامات على تأخير الكتب المستعارة، مزيلًا بذلك الدافع الوحيد الذي كان يحملني على إنهاء أي شيء.
الغريب أن هذا أصبح مزعجًا. أتذكر نظري إلى أرفف مكتبي وقد امتلأت بكتب مشحونة منذ سنين، عابرة الأطلنطي من لندن بتكلفة مالية هائلة. كان بوسعي وفقًا لنظام ترتيب الكتب على الأرفف أن أرصد سنوات ضراوتي في القراءة، حينما كان الكتاب يقود إلى الكتاب، وبعده الكتاب، ثم الكتاب. وكان بوسعي أن أرى أيضًا كيف تضاءلت تلك الطاقة بمضي السنين فلم تعد أكثر من فورات حماس متقطعات.
عرفت دائمًا فترات خمول وتأخر، وفترات طوال لا يستولي فيها شيء عليَّ. لكنها لم تكن قط مثل هذه الفترة. لم أدر هل لذلك علاقة بالوباء أم أن علاقته قد تكون أكبر بمنتصف العمر. لعلي وصلت إلى تلك الفترة ـ كتلك اللحظة التي تنزلق فيها محطة إذاعية موسيقية بسلاسة إلى محطة إذاعية أخرى، ثم إلى الموت ـ التي لم يعد شيء فيها يثير اهتمامي. خطر لي مذعورةً أن ذلك ربما هو الحال. لقد شخت وانتهيت إلى حالة فقدت فيها الفضول، وامتلأ لديَّ الهارد ديسك إلى حد التخمة، وأنني أبليت نفسي، ولم يبق لي من أمل في العلاج.
أفضى الوضع إلى بعض الإجراءات اليائسة. بدا لي أن إعادة تشغيل تلك السيارة المعطلة هو التحلي بالصلابة. حسن، ربما لن أكتب رواية خلال الوباء، لكنني ربما أستطيع أن أرغم نفسي على قراءة رواية، رواية واحدة. وهكذا ذات ليلة، بعد أن نام الأولاد، قاومت مشاهدة حلقة أخرى من برنامج "ليالي الجمعة" واقتحمت الجزء الأول من رواية البحث عن الزمن المفقود لمارسيل بروست، وهو الكتاب الذي تنقل معي، وفقا لتقدير متحفظ، عبر ثلاث قارات وسبعة عناوين بيوت، دون أن أقرأه. أقرأ الجملة الافتتاحية من الرواية: "لوقت طويل كنت آوي مبكرًا إلى فراشي". ووووووو لا مزيد.
ثم كانت إخفاقات أخرى. لو أن بروست كان أكثر مما يحتمله نظامي المنهار، فماذا عن القصص القصيرة الكاملة لجون تشيفر، وهذا كتاب ظللت أعتزم قراءته منذ أن تناولته في متجر للكتب المستعملة في بروفنستاون، بولاية مساتشوستس، قبل ثماني سنوات؟ مضيت عبر سبع قصص قصيرة، كلها جميلة الكتابة، بعضها قديم بعض الشيء، وليس بينها ما أمكنه إقناعي بمواصلة القراءة. جربت اللجوء إلى قراءة مريحة: سيرة فاليري جروف الممتازة لدودي سميث التي أحبها لكنني لم أستطع الثبات عليها. ربما الرعب هو ما كنت أحتاج إليه لأماثل العالم الداخلي مع العالم الخارجي المحيط. لكن رواية "لم نزل نعيش في القلعة" لشيرلي جاكسن لم يثبت نجاحا تاما، وتوماس ليجوتي الذي كنت تقريبًا أتطلع إلى قراءته لم يصادفه النجاح بدوره. والنجاح الوحيد الذي حققته في الصيف الماضي كان في كتاب "إيحاءات" لزادي سميث، وهو ست مقالات عن الوباء انتشلتني لفترة وجيزة من ركودي. لكنه انتهى بسرعة شديدة دون أن يقودني إلى غيره.
لم يصلح الأمور في النهاية إلا الإحساس بالخزي. ففي كل ليلة كان لدى ابنتي البالغتين من العمر ست سنوات واجب قراءة لمدة خمس وعشرين دقيقة. وكثيرًا ما كانتا تتذمران منه، وكثيرًا ما كنت أعبس في وجهيهما بسبب ذلك. سألتني ابنتي قبل أسابيع قليلة "كيف يكون علينا نحن أن نقرأ بينما أنت لا تقرئين؟" وكانت محقة. ففيما يقرآن كنت في الغالب أستعرض الإنترنت على شاشة الهاتف أي أنني كنت ما درج الآباء على وصفه بالقدوة السيئة. وهكذا، على مضض، صرت أُجلس نفسي معهما على الأريكة لخمس وعشرين دقيقة وأرغم نفسي على القراءة.
فتحت رواية "عيونهم كانت تراقب الرب" لزورا نيل هيرستن التي بقيت على الرف دونما قراءة لعشر سنين، وأفلحت معي على الفور، إما بسبب عبقريتها، أو بسبب سيكولوجيا الوقت المحدد. بعدما انتهيت منها، انتقلت إلى "نمر القمر" لبينيلوبي لايفلي فكانت بالضبط ما أحتاج إليه: تلك النظرة الطويلة من امرأة عجوز تحتضر في مستشفى، ذكَّرتني بأن كل شيء سوف يمر. في الأسبوع الماضي بدأت أقرأ "الملاك" لإليزابث تيلور. لقد كنت قبل زمان بعيد أحب كتب تيلور، لكن هذا بدا من غلافه مملا على نحو عدواني وكنت في غيظ أختبر نفسي. ويا إلهي، يا للكتب من شيء مذهل، إنها جيدة على نحو مستحيل!
• إيما بروكس مؤلفة وكاتبة عمود في صحيفة الغارديان