(1)
في الماء تفنى الأساطير، والخرير سيبقى.
لن يبقى سوى الخرير على الأجداث، فـ"خفِّف الوطء ما أظنُّ أديم الـ/ أرض إلا من هذه الأجساد" (أبو العلاء المعرِّي).
نباتات "الهَرْم" الخضراء تنبت على المغبَّات الزرقاء والراحلين الذين لونهم لون الأسماك في مقبرة مجز الصغرى.
وحين أكون هناك، سيكون كل هذا مجرد هباء.
ليست الكتابة إلا اعترافًا بالعجز أمام الهيولى.
(2)
أمنية على رأس السنة الجديدة:
يا الله: يا خالق اللغة ("في البدء كانت الكلمة"، "سِفر التكوين") والغيوم ("أتعلمين أي حزن يبعث المطر؟ وكيف تنشج المزاريب إذا انهمر"؟، "أنشودة المطر"، بدر شاكر السيَّاب).
يا الله، يا من وسعت ذاكرته كل شيء: أنت يا إلهي تتذكر أني حين كنت في أواخر الطفولة وأوائل الصبا كنت أكتب رسائل طويلة إلى جلالك وألقيها في البحر (سأعلم لاحقًا أن الأطفال، في كل الثقافات، يكتبون رسائل استغاثة إليك حين يخذلهم البشر أو لا تؤاتيهم الحياة، ثم يلقونها في البحر أو في النهر).
ويا الله: أنت أخذت محفوظة ولطيفة أمام عيني مباشرة، وأنا ضئيل أمام حكمتك.
ويا الله: مريم إبراهيم قالت لي: من يحبك لا يمكن أبدًا أن يأخذ منك ما تحب.
ويا الله: أنت تعلم أني أكثر هشاشة من الطين الذي خلقتني منه.
ويا الله: اقتضى وزنك المهيب أن يذهب الأموات إلى النوم، بينما نظل نحن نُرَبي الطحالب، والقواقع، والدموع، والذكريات.
ويا الله: لا أريد دليلاً آخر على محبتي لعمرو بن معد يكرب: "كم من أخٍ لي صالح/ بوَّأته بيدي لحدا/ ما إن جزعتُ ولا هلعـ/تُ ولا يردُّ بكاي زندا/ ألبستُه أثوابه/ وخُلِقْتُ يوم خُلِقْت جَلدا/ أغنِّي غناء الذاهبيـ/نَ أُعِدُّ للأعداء عَدَّا/ ذَهَبَ الذين أحبهم/ وبقيتُ مثل السيف فردا".
ويا الله، من غامر فضلك، وغدق كرمك، وفيض إحسانك، لا تأخذ أيّا من أصدقائي في هذا العام؛ فهم قِلَّة وأنا لستُ كثيرا، وهم من النوع الثمين وأنا لا أعلم معدني، وهم لا يتكررون في زمن التناسخ، والطاعون، والشر، والجذام، والقبح هذا (في العام الماضي لوحده، وفي مواقيت لاهثة التقارب: عبدالله حمود الوهيبي، وسالم علي (أبو طفول)، وصالح بن خميس العامري).
يا الله: إن لم يكن من الموت القريب بُدٌّ، فلأكن أنا من سيلي لديك في ملكوتك، وليس أي من أصدقائي.
يا الله، يا الله، يا الله.
(3)
قبل سنوات عديدة، وفي أحد المواقع الإلكترونية استخدم الشاعر العماني المُقِلُّ نشرًا أحمد الهاشمي تعبيرًا أظنُّهُ كان حاذقًا، ومضَّاء، وملفتًا في مُحاجَجَة ("ملاسنة" قد يكون تعبيرًا أكثر دِقَّة) ضد شاعر آخر؛ فقد استخدم الهاشمي في وصف خصمه تعبير "عرَّاب القضايا الصغيرة".
بغض النظر عن مناصرتي للهاشمي أو عكس ذلك في تلك القضية تحديدًا (وأنا عمومًا لم أعد أتذكر كل تفاصيلها بدقة كبيرة)، إلا أن تعبير "عرَّاب القضايا الصغيرة" أعجبني جدًا، واستوقفني مليّا، وراق لي كثيرًا بحيث أني بعد سنوات عديدة من ذلك صرت أرى أن تلك العبارة ("عرَّاب القضايا الصغيرة") هي من الأدق والأمضى في وصف حالتنا الثقافية (والوطنيَّة عمومًا): كل شيء صغير هنا ولكنه يحتاج إلى "عرَّاب" مع ذلك، الهموم الثقافية والسياسيَّة صغيرة ولكنها تحتاج إلى "عرَّاب" شاءت تلكم الهموم أم أبت، والمطامح الثقافية صغيرة لكنها تحتاج إلى "عرَّاب" رغما عن أنفها (وهو أنف "صغير" - تقريباً بالكاد أصغر من أنف الذبابة - في المقام الأول)، والثقافة الإبداعية صغيرة لكنها تحتاج إلى "عرَّاب" مع إنها "صغيرة" فحسب، والرموز الثقافية صغيرة، والخصومات صغيرة، والمناسبات الثقافية صغيرة على الرغم من "البشوت" والعصي والخناجر التي يرهبونا بها حين يتمترسون في الصف الأمامي من المقاعد المصابة بالعُنوسة (على الرغم من أن القصد كان الذهاب للاستماع للشِّعر فحسب، ومن غير أسلحة)، والسجالات "المعرفية" صغيرة، ومن نُصِّبوا قامات وهامات وهياكل صغار، وكل شيء... صغير، صغير، صغير.
وهكذا فإن الكارثة الأكبر هي أن كل ما سبق ذكره ليس "صغيرًا" فحسب، ولكن حتى في صغره كان (ولا يزال) بحاجة إلى "عرَّاب" (هو بالضرورة "صغير" أيضًا).
حتى الأعداء صغار هنا، ولم تعد هناك أدنى إمكانية ـ حتى ولو "صغيرة" ـ لوجود خصم كبير.
(4)
ماركسيٌّ عند المتصوفة، صوفيٌّ لدى الشيوعيين، عبثيٌّ في زمرة الجادِّين، رزينٌ في رهط الفوضويين، مُهَانٌ مُذَلٌّ أمام الله وخلقه في خطبة يوم الجمعة في مسجد القرية، كريمٌ عزيزٌ روحانيٌّ أمام تعُّوب الكحَّالي حين يزوره في المقبرة، غير ملتزم في أجندة الجبهويين، تنظيميٌّ صارم في صفوف العبثيين، مارقٌ في الطابور، أسيرٌ لدى المشاكسة: مِلْحٌ في البحر، ومِلْحٌ في القمر، ومِلْحٌ في الكتابة، ومِلْحٌ في المِلْح.
لا يريد رأفة، ولا رحمة، ولا غفرانًا. هكذا هو في جادة الصواب. هكذا يهلك في كل مرة، وهكذا هو حرٌّ في الهلاك (في كل مرة أيضًا).
(5)
حين أراد الشاعر ـ ومعه الأنبياء، والكتب، والرسالات ـ أن يرشد العالَم إلى المستقبل، اخترع الكائن الذي لا يزال في الغابة نظام الـ"جي بي إس".
هذا ولا يزال ذلك الكائن يمضي بنا قُدماً إلى المزيد من الهاوية ("لا نعرف بعدُ ما الذي سيفعله ذلك الكائن الغريب الذي خرج لتوِّه من الغابة"، كارل جوستاف يونغ في فيلم وثائقي نادر عنه في سياق إيضاح خلافه مع سيغموند فرويد).
(6)
الذين اعتقدوا أن الشِّعر وحده يمكن أن يحرر الأوطان لم يراجعوا حساباتهم جيدًا. وأما الذين اعتقدوا أن البندقية وحدها يمكن أن تحرر الإنسان فلم يراجعوا حساباتهم جيدًا أيضًا. وأما الذين لم يعتقدوا بهذا ولا ذاك فليس عليهم مراجعة حساباتهم (وذلك من باب انتظار المفاجآت فحسب).
(7)
الذي يسكن في شقَّة في الطابق العاشر ليست لديه أدنى مشاكل مع الحياة أو مع الموت، مع السلالم، أو المعراج، أو شجرة التُّفاح، أو الصراخ، أو السِّدرة، أو النُّشور، أو بقايا البلُّور.
الذي يسكن في شقَّة في الطابق العاشر لا يحمل أية ضغينة ضد النسرين، والبنفسج، والشمس، والنَّدى، والخبز، والقمر، والخمر، وحفَّار القبور، وشهقات الليمون، والرمَّل المتسكِّع على شاطئ مجز الصغرى.
الذي يسكن في شقَّة في الطابق العاشر يضيق ذرعاً بكل هذه الحريَّة.
عبدالله حبيب كاتب عماني متخصص في السينما ومؤلف كتاب "مساءلات سينمائية"
في الماء تفنى الأساطير، والخرير سيبقى.
لن يبقى سوى الخرير على الأجداث، فـ"خفِّف الوطء ما أظنُّ أديم الـ/ أرض إلا من هذه الأجساد" (أبو العلاء المعرِّي).
نباتات "الهَرْم" الخضراء تنبت على المغبَّات الزرقاء والراحلين الذين لونهم لون الأسماك في مقبرة مجز الصغرى.
وحين أكون هناك، سيكون كل هذا مجرد هباء.
ليست الكتابة إلا اعترافًا بالعجز أمام الهيولى.
(2)
أمنية على رأس السنة الجديدة:
يا الله: يا خالق اللغة ("في البدء كانت الكلمة"، "سِفر التكوين") والغيوم ("أتعلمين أي حزن يبعث المطر؟ وكيف تنشج المزاريب إذا انهمر"؟، "أنشودة المطر"، بدر شاكر السيَّاب).
يا الله، يا من وسعت ذاكرته كل شيء: أنت يا إلهي تتذكر أني حين كنت في أواخر الطفولة وأوائل الصبا كنت أكتب رسائل طويلة إلى جلالك وألقيها في البحر (سأعلم لاحقًا أن الأطفال، في كل الثقافات، يكتبون رسائل استغاثة إليك حين يخذلهم البشر أو لا تؤاتيهم الحياة، ثم يلقونها في البحر أو في النهر).
ويا الله: أنت أخذت محفوظة ولطيفة أمام عيني مباشرة، وأنا ضئيل أمام حكمتك.
ويا الله: مريم إبراهيم قالت لي: من يحبك لا يمكن أبدًا أن يأخذ منك ما تحب.
ويا الله: أنت تعلم أني أكثر هشاشة من الطين الذي خلقتني منه.
ويا الله: اقتضى وزنك المهيب أن يذهب الأموات إلى النوم، بينما نظل نحن نُرَبي الطحالب، والقواقع، والدموع، والذكريات.
ويا الله: لا أريد دليلاً آخر على محبتي لعمرو بن معد يكرب: "كم من أخٍ لي صالح/ بوَّأته بيدي لحدا/ ما إن جزعتُ ولا هلعـ/تُ ولا يردُّ بكاي زندا/ ألبستُه أثوابه/ وخُلِقْتُ يوم خُلِقْت جَلدا/ أغنِّي غناء الذاهبيـ/نَ أُعِدُّ للأعداء عَدَّا/ ذَهَبَ الذين أحبهم/ وبقيتُ مثل السيف فردا".
ويا الله، من غامر فضلك، وغدق كرمك، وفيض إحسانك، لا تأخذ أيّا من أصدقائي في هذا العام؛ فهم قِلَّة وأنا لستُ كثيرا، وهم من النوع الثمين وأنا لا أعلم معدني، وهم لا يتكررون في زمن التناسخ، والطاعون، والشر، والجذام، والقبح هذا (في العام الماضي لوحده، وفي مواقيت لاهثة التقارب: عبدالله حمود الوهيبي، وسالم علي (أبو طفول)، وصالح بن خميس العامري).
يا الله: إن لم يكن من الموت القريب بُدٌّ، فلأكن أنا من سيلي لديك في ملكوتك، وليس أي من أصدقائي.
يا الله، يا الله، يا الله.
(3)
قبل سنوات عديدة، وفي أحد المواقع الإلكترونية استخدم الشاعر العماني المُقِلُّ نشرًا أحمد الهاشمي تعبيرًا أظنُّهُ كان حاذقًا، ومضَّاء، وملفتًا في مُحاجَجَة ("ملاسنة" قد يكون تعبيرًا أكثر دِقَّة) ضد شاعر آخر؛ فقد استخدم الهاشمي في وصف خصمه تعبير "عرَّاب القضايا الصغيرة".
بغض النظر عن مناصرتي للهاشمي أو عكس ذلك في تلك القضية تحديدًا (وأنا عمومًا لم أعد أتذكر كل تفاصيلها بدقة كبيرة)، إلا أن تعبير "عرَّاب القضايا الصغيرة" أعجبني جدًا، واستوقفني مليّا، وراق لي كثيرًا بحيث أني بعد سنوات عديدة من ذلك صرت أرى أن تلك العبارة ("عرَّاب القضايا الصغيرة") هي من الأدق والأمضى في وصف حالتنا الثقافية (والوطنيَّة عمومًا): كل شيء صغير هنا ولكنه يحتاج إلى "عرَّاب" مع ذلك، الهموم الثقافية والسياسيَّة صغيرة ولكنها تحتاج إلى "عرَّاب" شاءت تلكم الهموم أم أبت، والمطامح الثقافية صغيرة لكنها تحتاج إلى "عرَّاب" رغما عن أنفها (وهو أنف "صغير" - تقريباً بالكاد أصغر من أنف الذبابة - في المقام الأول)، والثقافة الإبداعية صغيرة لكنها تحتاج إلى "عرَّاب" مع إنها "صغيرة" فحسب، والرموز الثقافية صغيرة، والخصومات صغيرة، والمناسبات الثقافية صغيرة على الرغم من "البشوت" والعصي والخناجر التي يرهبونا بها حين يتمترسون في الصف الأمامي من المقاعد المصابة بالعُنوسة (على الرغم من أن القصد كان الذهاب للاستماع للشِّعر فحسب، ومن غير أسلحة)، والسجالات "المعرفية" صغيرة، ومن نُصِّبوا قامات وهامات وهياكل صغار، وكل شيء... صغير، صغير، صغير.
وهكذا فإن الكارثة الأكبر هي أن كل ما سبق ذكره ليس "صغيرًا" فحسب، ولكن حتى في صغره كان (ولا يزال) بحاجة إلى "عرَّاب" (هو بالضرورة "صغير" أيضًا).
حتى الأعداء صغار هنا، ولم تعد هناك أدنى إمكانية ـ حتى ولو "صغيرة" ـ لوجود خصم كبير.
(4)
ماركسيٌّ عند المتصوفة، صوفيٌّ لدى الشيوعيين، عبثيٌّ في زمرة الجادِّين، رزينٌ في رهط الفوضويين، مُهَانٌ مُذَلٌّ أمام الله وخلقه في خطبة يوم الجمعة في مسجد القرية، كريمٌ عزيزٌ روحانيٌّ أمام تعُّوب الكحَّالي حين يزوره في المقبرة، غير ملتزم في أجندة الجبهويين، تنظيميٌّ صارم في صفوف العبثيين، مارقٌ في الطابور، أسيرٌ لدى المشاكسة: مِلْحٌ في البحر، ومِلْحٌ في القمر، ومِلْحٌ في الكتابة، ومِلْحٌ في المِلْح.
لا يريد رأفة، ولا رحمة، ولا غفرانًا. هكذا هو في جادة الصواب. هكذا يهلك في كل مرة، وهكذا هو حرٌّ في الهلاك (في كل مرة أيضًا).
(5)
حين أراد الشاعر ـ ومعه الأنبياء، والكتب، والرسالات ـ أن يرشد العالَم إلى المستقبل، اخترع الكائن الذي لا يزال في الغابة نظام الـ"جي بي إس".
هذا ولا يزال ذلك الكائن يمضي بنا قُدماً إلى المزيد من الهاوية ("لا نعرف بعدُ ما الذي سيفعله ذلك الكائن الغريب الذي خرج لتوِّه من الغابة"، كارل جوستاف يونغ في فيلم وثائقي نادر عنه في سياق إيضاح خلافه مع سيغموند فرويد).
(6)
الذين اعتقدوا أن الشِّعر وحده يمكن أن يحرر الأوطان لم يراجعوا حساباتهم جيدًا. وأما الذين اعتقدوا أن البندقية وحدها يمكن أن تحرر الإنسان فلم يراجعوا حساباتهم جيدًا أيضًا. وأما الذين لم يعتقدوا بهذا ولا ذاك فليس عليهم مراجعة حساباتهم (وذلك من باب انتظار المفاجآت فحسب).
(7)
الذي يسكن في شقَّة في الطابق العاشر ليست لديه أدنى مشاكل مع الحياة أو مع الموت، مع السلالم، أو المعراج، أو شجرة التُّفاح، أو الصراخ، أو السِّدرة، أو النُّشور، أو بقايا البلُّور.
الذي يسكن في شقَّة في الطابق العاشر لا يحمل أية ضغينة ضد النسرين، والبنفسج، والشمس، والنَّدى، والخبز، والقمر، والخمر، وحفَّار القبور، وشهقات الليمون، والرمَّل المتسكِّع على شاطئ مجز الصغرى.
الذي يسكن في شقَّة في الطابق العاشر يضيق ذرعاً بكل هذه الحريَّة.
عبدالله حبيب كاتب عماني متخصص في السينما ومؤلف كتاب "مساءلات سينمائية"