- مشروعات جديدة بالشراكة مع القطاع الخاص تعطي زخما للنمو وتتوزع في قطاعات التنويع الاقتصادي
- تحديات مازالت ماثلة منها ارتفاع كلفة الطاقة وتأخر تعافي بعض القطاعات بسبب الجائحة
مازالت التداعيات التي أدت اليها الجائحة تؤثر على العديد من القطاعات مما تطلب استمرار التحفيز الاقتصادي حتى تراجع تداعيات الجائحة مع العمل على تقديم مبادرات تحفيز بالتعاون مع الجهات الحكومية حسبما أكدت وزارة الاقتصاد، ويعكس الاهتمام بخطط التحفيز الاقتصادي الدور الذي قامت به في تعزيز تعافي الاقتصاد ومساندة المشروعات وتخطي المرحلة الصعبة التي تزامنت مع ذروة تفشي الجائحة.
قبل تفشي الجائحة كانت التوقعات تشير إلى أن النمو الاقتصادي في سلطنة عمان في عام 2020 سيبلغ 3,7 بالمائة وكان متوقعا أن يرتفع الى 4,3 بالمائة في 2021، ومع التأثيرات الحادة للجائحة التي أصابت كافة دول العالم والانخفاض الحاد في أسعار النفط، اتجه الاقتصاد الوطني للتراجع في 2020 حيث هبط الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 28 مليار ريال، وخلال عام 2021، وبدعم كبير من خطط وحزم التحفيز الاقتصادي والسياسات المالية والنقدية، عاود الاقتصاد التعافي وحقق الناتج المحلي زيادة ملموسة حيث سجل ارتفاعا بنسبة 12,7 بالمائة حتى نهاية الربع الثالث من 2021، وتشير التوقعات الى انه سيواصل النمو على مدار سنوات الخطة الخمسية العاشرة التي تركز على إعادة الزخم للنمو الاقتصادي وتسريع وتيرة الأنشطة الاقتصادية بدعم من الاستثمارات الحكومية والخاصة.
ومع عودة الاقتصاد للتعافي يتوقع صندوق النقد الدولي ان ينمو اقتصاد سلطنة عمان بنسبة نحو 3 بالمائة خلال 2022، ويجد النمو زخما كبيرا من وضع الميزانية الانمائية في خدمة أهداف الخطة الخمسية العاشرة بهدف إعطاء الأولوية في تنفيذ المشروعات المرتبطة بالقطاعات الإنتاجية كأحد أهم الأهداف الاقتصادية والاجتماعية لميزانية السلطنة، كما يستمد النمو الزخم من المشروعات الجديدة تم تدشينها في الفترة الأخيرة وأخرى قيد العمل حاليا في مختلف قطاعات التنويع الاقتصادي، ويعد مجمع لوى للبلاستيك من أهم المشروعات التي تم افتتاحها مؤخرا، كما يكتسب النمو زخما من حجم كبير من الاستثمارات الحكومية بمعدل نحو 5 مليارات ريال سنويا خلال عامي 2021 و2022، ويشمل ذلك الميزانية الانمائية للدولة واستثمارات جهاز الاستثمار العماني وشركة تنمية طاقة عمان، وخلال الفترة الأخيرة دشن جهاز الاستثمار العماني 13 مشروعا جديدا تساهم جميعها في الدفع نحو تحقيق مستهدفات الخطة الخمسية العاشرة وذلك عبر الموازنة بين الاستثمارات المحلية والدولية والتركيز على القطاعات ذات الميزة التنافسية والمحققة للتنويع الاقتصادي، كما أعلن الجهاز أنه يتم تنفيذ وتطوير أكثر من ١١٠ مشروع استثماري خلال العامين 2021/2022 وسيمتد تنفيذها خلال الخطة الخمسية العاشرة، ومن جهتها كشفت المؤسسة العامة للمناطق الصناعية مدائن عن 10 مجمعات استثمارية سيتم تطويرها في 4 مدن صناعية من خلال الفرص الاستثمارية التي طرحتها بهدف تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص وزيادة مساهمته في النشاط الاقتصادي، ويجري تطوير العديد من المدن الصناعية ومن المتوقع افتتاح مدينة سمائل الصناعية رسمياً مطلع 2022 وفي اطار دعم خدمات المستثمرين سيتم قريبا إضافة (٤) أفرع جديدة لمركز الخدمات مسار. ومن بين أهم التطورات التي تشهدها بيئة الأعمال في الفترة الأخيرة هي بدء الخطوات الفعلية لاستقطاب مشاريع الهيدروجين الأخضر حيث اعتمد مجلس إدارة الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة رسوم حق الانتفاع بالأرض لأحد مشاريع الهيدروجين الأخضر بالدقم، وتسعى سلطنة عمان إلى جذب استثمارات ضخمة في قطاع الطاقة المتجددة والذي يعد من أهم القطاعات التي تستقطب الشركات العالمية وتدعم في الوقت نفسه التوجه نحو الاقتصاد الأخضر والمساهمة في الحد من التغير المناخي.
ومن جانب آخر، هناك العديد من التحديات الاقتصادية مازالت ماثلة في المشهد الاقتصادي العالمي في ظل حالة عدم اليقين التي تلقي بظلالها الثقيلة على مستقبل نمو الاقتصاد العالمي بسبب تحورات فيروس كورونا، واتجاه التضخم نحو الارتفاع، والتأثيرات المتوقعة لرفع بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لمعدل الفائدة، وأزمة سلاسل الإمدادات العالمية التي أدت إلى خفض تدفق المواد الخام وارتفاع أسعارها، كما أن هناك بعض التحديات المحلية منها استمرار تأثيرات الجائحة, وارتفاع كلفة الطاقة وتأثير بعض الرسوم على أنشطة القطاع الخاص، وتأخر تعافي بعض القطاعات الاقتصادية خاصة قطاع السفر والسياحة الذي يعد الأشد تأثرا بتبعات الجائحة في السلطنة والعالم وكذلك قطاع الانشاءات الذي تأثرت مساهمته في الناتج المحلي الاجمالي منذ تراجع أسعار النفط قبل سبع سنوات، وبينما أشاد أحدث تقرير لصندوق النقد الدولي بالتطورات المالية والاقتصادية في سلطنة عمان، فقد رصد التقرير بعضا من التحديات الأساسية التي تتطلب التعامل معها لتعزيز النمو الاقتصادي موصيا بضرورة الاستمرار في تحسين مستوى التنافسية في القطاع الخاص، وتعزيز شبكة الحماية الاجتماعية، وزيادة مرونة سوق العمل وتسريع آليات تسوية المنازعات، وتشجيع التشغيل في القطاع الخاص، وتعزيز مبادرات الاقتصاد الأخضر.
وفي إطار تحفيز القطاع الخاص والحفاظ على تنافسيته عبر وضع حلول للتحديات التي يواجهها هذا القطاع، هناك جهود جيدة لإرساء قنوات تواصل مع القطاع الخاص منها فريق العمل الذي شكلته وزارة الاقتصاد، والحلقات النقاشية التي نظمتها وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار وتناولت بعض التحديات التي تواجه القطاع الصناعي وخصوصا بعد جائحة كورونا وتم خلالها طرح مجموعة من الحلول والمقترحات لملامسة متطلبات هذا القطاع وتوجيه الدعم المباشر له. ومن بين الحلول المطروحة دعم المنتج المحلي عبر إعطائه الأولوية في المناقصات، وكذلك إطلاق مبادرات للشراء المسبق، ومبادرات لإعفاءات ضريبية وجمركية لتحفيز القطاع الصناعي، ونجد بعضا من الحلول يجد طريقه للتنفيذ إذ أشارت وزارة التجارة والصناعة بالفعل الى حوافز غير مسبوقة في الفرص الاستثمارية التي سيتم طرحها خلال 2022 منها ربط الفرص الاستثمارية باتفاقيات الشراء المسبق.
وعلى الرغم من هذه التحديات، يبدو واضحا أن إحدى الآليات المهمة التي ستقدم دعما لاستمرار النمو هي المرونة في مواجهة التحديات والتي أصبحت سمة أساسية للتعامل الحكومي مع الأوضاع الاقتصادية الراهنة، ويتضمن ذلك استمرار التحفيز الاقتصادي، وإلغاء وتخفيض عدد من رسوم الخدمات الحكومية وقد تم إعداد دليل تسعير رسوم الخدمات الحكومية لتحفيز الاقتصاد الوطني وتقديم تسهيلات تساعد المستفيدين من الخدمات، ويتم تطبيقه كمرحلة أولى على وزارتي التجارة والصناعة وترويج الاستثمار والتراث والسياحة وقطاع البلديات، ويشمل 548 رسم خدمة تم تخفيض أو الغائه، وبداية من هذا العام يبدأ تطبيق التسعير الجديد للخدمات الحكومية، كما أقر مجلس إدارة الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة خلال اجتماعه الأخير مقترحا لتعديل رسوم الخدمات المقدمة من الهيئة ودمج وإلغاء بعض الرسوم ومراجعة غرامات التأخير, وضمن خطط التحفيز المالية، طرحت الحكومة العديد من الإجراءات للحد من آثار الجائحة السلبية على الاقتصاد، إذ قامت بتقديم إعفاءات من بعض الرسوم والضرائب (الضريبة السياحية، والضريبة البلدية على المطاعم، ورسوم البلدية للمنشآت التجارية، والإيجارات المستحقة على المصانع في المناطق الصناعية، ورسوم تجديد السجلات التجارية، ورسوم الغرامات للعمالة المغادرة نهائيا، وتخفيض رسوم المناولة والشحن، وغيرها)، وتمت هذه الاجراءات رغم تأثيرها على حجم الرسوم والضرائب المحصلة فعليا مقارنة بالإيرادات التي كان مقدرا تحصيلها.
ومع دخول الرؤية المستقبلية عمان 2040 والخطة الخمسية العاشرة عامهما الثاني، يزداد الطموح في تكاتف جهود تعزيز النمو الاقتصادي مع إعادة هيكلة المالية العامة بما يرسم ملامحا مختلفة لآفاق النمو وهيكل الناتج المحلي في السلطنة والمزيد من تحسن للنظرة المستقبلية للسلطنة بعد قيام كافة وكالات التصنيف الائتماني العالمية الكبرى بتحسين توقعاتها للآفاق المالية والاقتصادية في السلطنة في ظل استمرار تنفيذ خطة التوازن المالي والدعم الذي قدمه ارتفاع أسعار النفط، وإلى جانب الأهمية الكبيرة لتحسن النظرة المستقبلية للسلطنة على صعيد تصنيف الجدارة الائتمانية للسلطنة وتمكينها من الحصول على تمويل خارجي بأسعار مناسبة، لكن الأهم أن هذا التحسن يعد من المحددات المهمة التي ينظر إليها المستثمرون عند اتخاذ قرارهم بالاستثمار في إحدى الدول، وبينما تسعى السلطنة للاعتماد على القطاع الخاص كمحرك رئيس للنمو وزيادة جاذبية بيئة الأعمال أمام المستثمرين من داخل وخارج السلطنة، يأتي التحسن الحالي والتوقعات بمزيد من التعديلات الإيجابية في النظرة المستقبلية والتصنيف الائتماني السيادي لتعطي دفعة جيدة للجهود التي تتم لتحسين بيئة الأعمال وزيادة معدلات الاستثمار الخاصة في تنفيذ الخطط والبرامج الاستثمارية للخطة الخمسية العاشرة وصولا إلى تحقيق طموحات الرؤية المستقبلية عمان 2040.