(1)

بالتأكيد، أمرٌ يبعث على الأمل والتفاؤل هذا الاهتمام الكبير بلغتنا العربية في الآونة الأخيرة؛ استقصاءٌ بسيط ومباشر لحضورها في السنوات الأخيرة يؤكد تنامي الاهتمام باللغة العربية، ومقاربة مشكلاتها وأزماتها التي تفاقمت في العقود الستة الأخيرة بجدية أكبر وإحساس بالخطورة أعلى!

قبل سنواتٍ قليلة لم يكن أحد يسمع -أو يهتم أن يعرف!- بأن لها يوما عالميا خصصته لها منظمة الأمم المتحدة للاحتفال بها، باعتبارها إحدى اللغات الست الرسمية المعترف بها في التعاملات الرسمية داخل أروقة المنظمة العالمية.

لعل من أهم وأخطر ما أنتجه هذا الاهتمام وضع مشكلات تعلم وإجادة هذه اللغة بين أبنائها، والعمل على حلها؛ بعضها أو كلها، في مراجعة ذاتية ومجتمعية من أهم ما يكون في السنوات الأخيرة. فلم تعد المسألة اللغوية ترفًا، ولم تعد قضية اللغة العربية والاهتمام بها والعمل على ترسيخها في وجدان وعقول المتحدثين بها، مجرد شكليات أو استكمال مقررات دراسة أو سد خانة، كما كان يعتقد أو يظن البعض. أصبحت اللغة العربية قضية وجود ثقافي وحضاري، بل وحاضر في كل خطط التنمية المستقبلية.

ثمة قضايا عديدة ومشكلات عدة لا يختلف أحد على رصدها والإقرار بها في تعاملنا مع لغتنا العربية؛ ووعينا بها، ناهيك عن تذوقها وتنسَّم جمالها في مستويات أعلى من الإبداع والتلقي..

وطوال السنوات الماضية، كان أكثر الحديث عن ضعف اللغة العربية وإهمالها من أبنائها الذين لا يوفونها حقها من التقدير والاهتمام، ولقد تسبب الخوف على اللغة العربية في إنشاء مجامعها اللغوية، على امتداد العواصم العربية، حفاظًا عليها من مخاطر التغريب التي لم تنقطع قط، ولا أظنها تنقطع ما ظلّ أبناء العربية؛ لغة وثقافة، على ما هم عليه من هوان التبعية السياسية والاقتصادية والضعف الذي لا ينكره أحد في مدى التنافس الصناعي الذي يجعلنا محبوسين في دائرة المستهلكين وليس المنتجين.

(2)

إن الحديث قديم وذو شجون، فمنذ زمن طه حسين؛ الذي رحل عنا قبل ما يقرب من نصف القرن، ومشكلة التعاطي مع اللغة العربية تدريسًا وتعلمًا وتعليمًا قائمة وحاضرة بقوة؛ اقرأ معي هذا النص الدال الذي كتبه طه حسين سنة 1938:

"ولا بد من أن نعترف بأن أخص ما تمتاز به مدارسنا هو أنها تُبغِّض اللغة العربية إلى التلاميذ في سنيهم الأولى، وتبغضها إليهم في أول الشباب حين يكونون في المدارس الثانوية، وما أرى أنها تحببها إليهم حين يبلغون التعليم العالي في الجامعة أو في غيرها من المعاهد؛ وذلك لأن اللغة العربية وآدابها تدرس في هذه الأيام كما كانت تدرس منذ اثني عشر قرنًا؛ لم يتطور تعليمها، والدنيا من حولها قد تطورت وتغيرت تغيرًا تامٍّا؛ فالنحو -كما يعلم الآن- هو نفس النحو الذي كان يعلم منذ اثني عشر قرنًا، والأدب -كما يدرس الآن- هو الذي كان يدرس منذ اثني عشر قرنًا، تضاف إليه الآداب التي أنشئت على اختلاف العصور؛ فتزيده ثقلًا إلى ثقل، وجفوة إلى جفوة، وعسرًا إلى عسر.."..

هذا بعض ما كتبه طه حسين في كتابه «أدبنا الحديث ما له وما عليه» عن أزمة تعليم اللغة العربية في المؤسسات التعليمية.. وما زال ما كتبه يصدق على حالنا حتى اليوم! ونحن على مشارف 2022!

(3)

لا أظن أن أحدًا يختلف معي في رصدٍ بسيط لوضعية دارسي اللغة العربية في مصر (أو خارجها حتى)؛ فمن شاءت لهم أقدارهم أن يكونوا من دارسي اللغة العربية أو المتصلين بها بسبب مهني أو احترافي، بمعنى أنهم سيمتهنون مهنًا مباشرة باللغة العربية، ستكون هي أداتهم الرئيسية في هذا العمل؛ وهؤلاء ينقسمون إلى قسمين:

الأول؛ وهم الغالبية الكاسحة، وهؤلاء انخرطوا في دراسة هذه اللغة فرضًا وجبرًا دون اختيار منهم ولا رغبة، فقط لاعتبارات مجموع الثانوية العامة ومكتب التنسيق! فكانت النتيجة أنهم تخرجوا في كلياتهم (دار العلوم أو الآداب أو اللغة العربية.. وما يوازيها) وهم حرفيا «على فيض الكريم»، يحملون شهادة جامعية ليست أكثر من مسوغ للعمل في أي مكان كيفما اتفق، ولك أن تتصور أن أكثر من خمسة وتسعين في المائة من هؤلاء يعملون في تدريس اللغة العربية أو في أعمال أخرى متصلة بها كتابة أو قراءة أو تصحيحًا أو مراجعة!!

أما القسم الثاني؛ (وهم قلة) فهم الذين درسوا هذه اللغة، وما اتصل بها من آدابٍ وثقافةٍ بشغف حقيقي وفضول معرفي أصيل، وهؤلاء أدركوا مبكرًا حجم المصيبة التي نعانيها، فحاول كل منهم على قدر جهده وطاقته، أن يوظف إمكاناته الذاتية ويرتقي بطموحه الشخصي، وأن يكافح كفاحا مريرا حتى يجد مكانا تحت الشمس، ويخلق لنفسه مجالًا يستطيع من خلاله أن يمارس أدواره التثقيفية والتعليمية بمبادرة فردية ومجهود ذاتي، ولا شيء أكثر من ذلك!

(4)

إن مشكلة اللغة العربية في مصر والعالم العربي تفاقمت للدرجة التي يجب أن ينتبه لها الجميع، تخطت حدود المشكلة الكلام الإنشائي البلاغي الوعظي، المشكلة باتت أكثر تعقيدًا وتراكبًا، فهناك خطورة حقيقية من إهدار التواصل بهذه اللغة حد الوصول إلى عدم الفهم عنها، فضلًا عن الإفصاح بها!

صار من يقرأ من ورقةٍ مكتوبة يخطئ في القراءة حتى لو كانت الكلمة المكتوبة مشكولة مضبوطة! والله العظيم!

وصار قضاة ودبلوماسيون وصحفيون ومذيعون، وكل أطياف وشرائح الفئات المتعلمة المعدودة مثقفة! (سنعتبرها مجازًا كذلك!) لا يجيدون حرفا ولا نطقا ولا كتابة ولا قراءة! وفي السنوات العشر الأخير ومع انتشار السوشيال ميديا وانفجار الوسائط الإعلامية أصبحنا نواجه كوارث ومصائب ومذابح لغوية على الهواء مباشرة وعلى الملأ وأمام الملايين!

إننا إذا أردنا أن نضع موضوع "اللغة العربية وقضايا العصر" موضع المساءلة، فإنني أحبُّ أن أؤكد عددًا من الملاحظات والنقاط؛ هي نتيجة خبرة ذاتية متواضعة تحصلت عليها خلال ما يقرب من عشرين سنة، في التدريس أولًا (السنوات الأولى عقب تخرجي)، وفي التعامل مع الحياة الثقافية والمجال العام ثانيًا؛ كاتبا وناقدا، مؤلفا ومشاركا وفاعلا...

في البداية، ينبغي أن نفصل بين اللغة العربية، ومن يتكلمها. فاللغة العربية؛ شأنها شأن أي لغة حية على وجه الأرض، هي كيان حي مستقل متواصل، باقٍ وسيظل باقيًا إلى ما شاء الله؛ لأنه مرتبط بالدين أولًا، ومرتبط بالقومية ثانيًا، ومن يخسر لغته فسوف يخسر دينه ويخسر قوميته. وهي، إلى جانب أنها لغة الدين، ولغة القومية، وعلامة أساسية من علاماتها، فإنها أيضًا لغة الإبداع العربي الذي لا يزال باقيًا مستمرًا إلى ما شاء الله.

(5)

أما السؤال الذي ظل يؤرقني ويؤرق غيري، لسنوات وسنوات، فهو كيف نرفع اللغة العربية إلى مستوى العصر وتحدياته؟ وأقترح، في هذا السياق، طرح حزمة من النقاط المهمة يأتي على رأسها حتمية تحديث برامج التعليم تحديثًا جذريًّا؛ لأن الخلل لا يزال قائمًا في برامج التعليم إلى الآن.

فنحن نتحدث عن إصلاح، لكن هذا الإصلاح لم يكن، ولن يكون -فيما يبدو في القريب العاجل- إصلاحًا جذريًّا يعالج المشكلة من جذورها؛ فبرامج التعليم لا تزال متخلفة بالقياس إلى برامج التعليم في العالم كله. انظر مثلا إلى طرائق ومناهج وإمكانات تعليم وتعلم اللغة الإنجليزية الذي يتدرج درجاتٍ ومستوياتٍ لكل راغب في تعلمها، ويمكن أن يتم ذلك في شهر لمن لا يعرف اللغة الإنجليزية، ويمكن أن يتم في شهرين أو ثلاثة، وذلك بقدر هائل من المرونة والتقدم والمتابعة المستمرة لروح العصر ومتغيراته.

نحن إلى الآن ليس عندنا برامج تعليمية حديثة متطورة تستجيب إلى حاجات الناس في تعلّم اللغة العربية، لا على مستوى المتحدثين من الأجانب الذين ينبغي أن يتعلموها أو يحتاجوا إلى تعلمها، ولا على مستوى أبناء الوطن العربي في امتداده وعلى اختلاف بلدانه. لا بد، إذن، من تغيير برامج التعليم تغييرًا جذريًّا... (وللحديث بقية)