دمشق – عُمان – بسام جميدة:

يجلس أبا حمزة ساعات طوال قبالة البحر، وعلى نفس المقعد الذي جلس عليه ذات يوم مع أبنه صاحب الـ 15 عاما قبل أن يرسله ليشق عباب البحر باحثا عن مستقر آمن دون أن يدري أنه يرسله للمجهول، ويناجي الأمواج التي عبثت بقاربه، ويرسل النظر بعيدا لعله يراه ولو سرابا. مر عام كامل ولم يسمع أي خبر عنه ولا عن رفاقه، كيف لأبا حمزة ان يصارح زوجته بأن أبنها مفقود وهي التي تستيقظ كل فجر تدعوا أن يصل أبنها بالسلامة.

يقول أبا حمزة انقطعت أخبار أبني عني بعد شهر من مغادرته، كانوا يركبون البحر، ولم أتيقن مصيره بعد، فقط سمعت بغرق سفينة كانت في نفس المكان بذات اليوم، ألوم من لا أعرف، ها أنا أسرج قناديل الحزن وأنتظر لعله يأتيني عبر إحدى الموجات..!

حزن هذا الرجل يكاد يساوي حزن أم يامن التي فقدت زوجها في ثاني أعوام الحرب ولا تعرف أين وجهته حتى اليوم، ترك بين يديها ثلاثة أولاد وبنت في عمر الورود، تقول بحثت عنه في كل مكان وسألت عنه كثيرا، لم أهتد إليه، مازال مفقودا في نظري، وميتا في نظر الناس الذين يقولون لي لو كان حيا لعاد إليك، لا زلت أتيقن بوجوده في مكان ما، وأنه سيخرج ذات يوم ليرانا ويفرح بأولاده الذين كبروا.

ولا يترك عماد أي فرصة أو مكان أو لجنة معنية بالمفقودين إلا وراجعها للبحث عن شقيقه العسكري الذي فقده أثناء الحرب في احدى الساحات الساخنة، ويقول فقدت أخي عندما كان يؤدي واجبه العسكري، تواصلت مع كل المعنيين، ولكن دون جدوى، لم نأخذ أي خبر صحيح، المعلومات غير متطابقة حول اختفاءه أو استشهاده، هل لازال حيا أم لا، لانعرف نهائيا رغم مرور أكثر من ست سنوات، وتم تبادل كثير من الأسرى بين أطراف القتال، ولكن أخي لم يكن بينهم.

لم يقتصر الفقدان على من كانوا في ساحات الحرب أو حتى في المناطق الساخنة، بل تعداه إلى أماكن أخرى في ذروة الصراع حيث كان الخطف وسيلة للابتزاز وللانتقام أيضا، منهم من يُعرف مصيره ويفدى بالمال ليعود إلى بيته، ومنهم من ينتهي إلى المجهول تقول المحامية أم ورد فقدت زوجي منذ سنوات الحرب الأولى كان عائدا من وظيفته في الطريق إلى بيته مارا بريف دمشق الشرقي حيث كانت المعارك في أوجها هناك أختفى وبعد أسابيع وجدوا سيارته فقط، حاولنا كثيرا وسألنا فلم نعثر على أي بصيص ضوء يدلنا عليه، ترك لي اربع بنات كنت أقوم برعايتهم وتدريسهم، لم نعرف حتى اليوم مصيره هل هو حي أم ميت...؟

ملف شائك

وحول هذه القضية قالت ميس كريدي عضو اللجنة الدستورية لـ(عُمان) "لم نناقش موضوع المفقودين في صميم عمل اللجنة الدستورية، ولم تذكر سوى على هامش النقاشات بإطار سردي وليس بشكل موضوعي له محددات وأهداف استراتيجية لأنها ليست من عمل اللجنة، وكل طرف يطرحها من وجهة نظره بطريقة لايمكن البناء عليها لتشكيل حالات إجرائية.

وقامت الحكومة السورية في أطر ومؤسسات مستقلة مع منظمات وجهات أخرى بتبادل الأسرى والبحث عن مفقودين مع المجموعات المسلحة أو الإرهابين عبر مفاوضات مباشرة أو وسطاء والكشف عن مصيرهم.

وربما كانت جزء من حوارات أستانا وجزء من خيارات مؤسساتية داخل الحكومة. ولا يمكن الأنكار أن هذا الملف حصل فيه الكثير من السمسرات من قبل ضعاف النفوس الموجودين في كل مكان، وهذا الملف شابه الكثير من الأقاويل سواء في الداخل أو الخارج، الحرب تنتج هكذا طبقات مستغلة لأوجاع الناس.

يجب أن تكون مهمة كل شخص الكشف عن حالة المفقودين وعودتهم لبيوتهم وللاستقرار، وإخراجهم من حالة الظلم الإنساني الذي يقع عليهم، وعملية الحل والبحث عن المفقودين يحتاج الى أطراف دولية ومؤسسات فاعلة لديها القدرة والإرادة لفرض رأيها واطراف صاحبة معلومات وحوارات ونقاشات واسعة، ولكن بعد أن تضخم الملف وتحول بوجود الفوضى وخروج عن القانون وخصوصا في المناطق التي خارج سيطرة الدولة تحول الى وسيلة ابتزاز مالي ضخم، وواجهتنا حالات كثيرة ولكن الموضوع فعلا شائك جدا ودائما نجد الاستخدام السياسي لهذا الملف الإنساني من قبل البعض مع الأسف.

وكوني أعمل في الشأن العام غالبا مايأتيني أناس لديهم أشخاص مفقودين واستمع لمآسيهم وأحاول معالجة ما أمكن من وفق ظرف كل حالة، وبسبب مايشوب هذا الملف من قصص شائكة غالبا ما أتريث لتبيان الحقائق، وعدم وضع نفسي محل شبهات كثيرة.

تقارير دولية

يقدر تقرير للأمم المتحدة لعام 2021 أن 100،000 شخص هم في عداد المفقودين بسبب الصراع. بالإضافة إلى ذلك، يتواجد في البلاد إرث من الحالات المتعلقة بالأشخاص المفقودين والمختفين المرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان، بالإضافة الى السوريين الفارين من القتال الذين فقدوا عبر طرق الهجرة.

وقالت المديرة العامة للجنة الدولية لشؤون المفقودين كاثرين بومبرغر: "يتطلب العثور على الأشخاص المفقودين بسبب الصراع السوري جهودًا منسقة طويلة الأمد". "هناك حاجة لاتخاذ تدابير فورية الآن بينما لا يزال الصراع مستعراً تشمل الإجراءات المطلوبة إنشاء نظام بيانات مركزي محايد يحتوي على بيانات عن الأشخاص المفقودين بحيث يتم جمعها من عائلاتهم، ومعلومات عن مواقع المقابر الجماعية والمواقع السرية. إن هذا النظام ضروري للتحضير لجهود متضافرة للعثور على المفقودين يتم إطلاقها بمجرد انتهاء الصراع. بالإضافة إلى ذلك، فإن العائلات السورية للمفقودين والمجتمع المدني السوري والمجتمع الدولي وغيرهم بحاجة إلى العمل معًا لتطوير خطة إستراتيجية مشتركة ".

وبدورها، دعت المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان ميشيل باشليه لإنشاء آلية دولية مستقلة لتحديد مصير المفقودين خلال الصراع في سوريا، والتخفيف من معاناة عائلاتهم.

وأشارت إلى أن الغالبية العظمى من الضحايا من الرجال، مما يضع عبء ضمان البقاء على قيد الحياة على عاتق النساء .

وأضافت "بعض الأفراد يستهدفون هذه العائلات من خلال عرض تقديم معلومات عن أقاربها أو الإفراج عنهم مقابل المال".

واعتبرت باشليه أن الإخفاء القسري جريمة مستمرة لها آثار مدمرة على الفرد مجهول المصير، وعلى أفراد أسرته، مما يتسبب في صدمة ممتدة لهم ويحدّ بشكل كبير من ممارسة حقوقهم الإنسانية.

وقالت "بينما (نحن) نجتاز هذه المرحلة المأساوية، أدعو أيضًا جميع أطراف النزاع وكذلك الدول التي لها نفوذ عليهم إلى وضع حد للاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري وضمان إطلاق سراح المحتجزين تعسفيًا على الفور".

قصص كثيرة

ما أوردته هي حكايا لقلة ممن صادفتهم، وهناك عشرات القصص في مختلف المحافظات السورية، ومن كل الأطراف المتصارعة داخل ساحات الوطن، وشكلت الحكومة السورية هيئة مستقلة للبحث عن المفقودين، كما شكلت باقي الأطراف لجان وهيئات مماثلة إضافة إلى منظمات وهيئات حقوقية دولية معنية بمسألة المفقودين في سوريا وأشارت جميعها في مختلف بياناتها إلى ضرورة البحث عن هؤلاء وحمايتهم وحماية عائلاتهم، وبرغم كل البيانات والدلائل المقدمة لم تكن الاستجابة كبيرة حول هذه القضية التي تشغل الرأي العام وبشكل أوسع الأهالي الذين يتمسكون بأي بصيص أمل.

سوق رائجة

من خلال بروز هذه القضية ظهرت أمور كثيرة استغلتها أطراف عدة من أجل غايات ليست بريئة، والبعض استعملها كورقة ضغط، والبعض للنصب والاحتيال على أهالي المفقودين دون أدنى اعتبار للوضع الإنساني بأهل المفقود وحتى للمفقود بالذات.

موضوع فقدان أشخاص أصبح في وقت من الأوقات سوق رائجة، فتشكلت عصابات مهمتها خطف أشخاص وطلب فدية مالية كبيرة، وفي أحيان لم تنجح المفاوضات مع أهل المخطوف يتم قتله بدم بارد، ولايتم معرفة الخاطفين ويبقى المخطوف في بعض الأحيان في عداد المفقودين.

تلك واحدة من مفرزات الحرب التي تم استثمار كل شيء فيها لأغراض لاتمت للإنسانية بصلة.