تكمل سلطنة عمان يوم الاثنين القادم عامًا كاملًا على بدء الحملة الوطنية للتطعيم ضد وباء فيروس كورونا «كوفيد19» في وقت تدعو فيه اللجنة العليا ووزارة الصحة وحتى منظمة الصحة العالمية إلى ضرورة أخذ الجرعة الثالثة من اللقاح لمواجهة التأثيرات المحتملة للمتحور الجديد «أوميكرون» التي وصفت بأنها قد تكون «شرسة جدًا».

واستذكار هذه المناسبة في هذا الوقت بالتحديد ليس استذكارًا احتفائيًا على الإطلاق رغم أن السلطنة قد نجحت خلال هذا العام في تطعيم أكثر من 85% من الفئات المستحقة للتطعيم بجرعتين وقرابة 95% بجرعة واحدة، ولكنه استذكار موضوعي يمكن أن تجادل به الفئات الرافضة/ المتخوفة حتى الآن من أخذ الجرعة الثانية أو حتى الأولى أو حتى الجرعة الثالثة.

وتجربة سنة كاملة مع التطعيم في سلطنة عمان يمكن أن نخرج منها بالكثير من الاستنتاجات المهمة التي تستطيع طمأنة الجميع على مأمونية اللقاح. ومن أبرز تلك الاستنتاجات أن السلطنة عندما توسعت في توزع اللقاحات تراجعت الإصابات إلى حدود «الصفر»، كما أن الوفيات تراجعت من ذروتها في نهاية يونيو وبداية يوليو، حيث وصلت إلى 50 حالة وفاة في اليوم لتصل إلى الصفر، وتستقر عنده لفترة تقترب من الشهرين الآن. طبعًا لا يمكن تجاهل موضوع الإجراءات الاحترازية والوعي الكبير الذي أبداه السكان والإدارة العلمية للأزمة، ولكن كل هذه كانت مساندة للدور الأساسي الذي قامت به اللقاحات.

وهناك أمر مهم من شأنه أن يرد على المتخوفين من اللقاح وهو خلال عام كامل لم يتم الإعلان عن أي أعراض خطيرة ناتجة عن أخذ اللقاح، ولو كانت موجودة لتم استغلالها من قبل الرافضين للقاحات. أما من يعتقد أن الأعراض يمكن أن تظهر بعد عامين، كما هو رائج لدى البعض فإن العلماء فنّدوا هذه «الإشاعة» كثيرًا ومن مواقع علمية مختلفة، ومن بين هؤلاء عالم المناعة الألماني المعروف كارستن فاتسل الأمين العام للجمعية الألمانية لعلم المناعة الذي قال: «ما نفهمه عن التداعيات طويلة الأمد في حال التطعيمات هو حدوث آثار جانبية تظهر في غضون أسابيع قليلة بعد التطعيم لكنها نادرة للغاية لدرجة أن ربطها بالتطعيم يتطلب مرور سنوات عليها». مؤكدًا أن الآثار الجانبية لأي تطعيم دائمًا ما تظهر «في غضون أسابيع قليلة بعد التطعيم وبعد ذلك ينتهي رد الفعل المناعي، ويختفي اللقاح من الجسم. أما ما يفهمه الكثير من الناس عن التداعيات طويلة الأمد بمعنى أن آخذ التطعيم اليوم ستظهر عليه آثار جانبية في العام التالي، فهو غير موجود ولم يكن موجودًا أبدًا ولن يظهر أيضًا في تطعيم كوفيد-19».

ثم إن لقاحات كورونا وزعت حتى الآن على مئات الملايين من سكان العالم في جميع القارات، وعلى جميع العرقيات، وعلى أناس من مستويات معيشية مختلفة، وعلى من يعيشون في ظروف مناخية مختلفة، وخلال فترة زمنية تزيد في بعض الدول على العام؛ لذلك فإن هذا الأمر من شأنه أن يعطي علماء الأوبئة والمتخصصين في التطعيمات مؤشرات قوية حول التأثيرات الجانبية لهذه اللقاحات فيما لو كان لها تأثيرات خطيرة على سبيل المثال.

لكن الأمر لا يعدو كونه وهمًا وإشاعات ولذلك لا يوجد مبرر موضوعي، غير الخيار الشخصي، للامتناع عن أخذ اللقاحات ولكنّ الخيار الشخصي إن كان له تأثير على الآخرين ويهدد حياتهم لا يبقى «حرية شخصية» بل يتحول إلى اعتداء على الآخر وعلى المجتمع. وما دام الأمر كذلك فإن الجرعة الثالثة خيار مهم وضروري في هذا التوقيت لحماية النفس وحماية المجتمع، ولا نريد للمؤسسات الصحية أن تصل إلى حالة العجز ولا للطواقم الطبية أن تصل إلى مرحلة اليأس بعد أن اعتقد الجميع أننا وصلنا إلى مرحلة الخلاص.